انتقل إلى المحتوى

دور الدعوة والداعية (الحلقة التاسعة)

الشيخ وحيد الدين خان رحمه الله / صاغه بالعربية: د. محمد غطريف شهباز الندوي العربية

تذكارات نبوية

منذ عهد نوح إلى عهد محمد ﷺ بعث الله أنبياء كثيرين في العالم. ومن بين هؤلاء ثمة ثلاثة أنبياء بقيت لهم تذكارات مادية شاخصة إلى اليوم. وهؤلاء الثلاثة هم: نوح، وإبراهيم، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وهذه التذكارات الثلاثة تعبّر بصورة رمزية عن ثلاث مراحل في مسيرة الدعوة.

فالذكرى المادية الأولى هي سفينة نوح عليه السلام، التي ما تزال موجودة إلى اليوم. وهي ترمز رمزاً واضحاً إلى أن الله لا يترك البشر هملاً بلا حساب، بل إن جميع الناس في نهاية المطاف سينقسمون إلى فريقين: أصحاب السجلات الحسنة الذين يُقضى لهم بالجنة، وأصحاب السجلات السيئة الذين يُقضى عليهم بالنار.

أما الذكرى المادية الثانية فهي الكعبة المشرفة التي لا تزال قائمة في مكة المكرمة. وهي ترمز رمزاً عميقاً إلى تلك الخطة غير العادية التي نفذها إبراهيم عليه السلام حين أسكن زوجه هاجر وابنه إسماعيل في ذلك الوادي الصحراوي، ثم توالدت الأجيال حتى خرجت تلك السلالة التي سُمّيت بني إسماعيل. ومن هذه السلالة اختار الله رسوله محمدًا ﷺ وأصحابه الكرام. وكانوا جماعة استثنائية وصفها بعض المستشرقين بأنها “أمة من الأبطال”.

وأما الذكرى المادية الثالثة فهي المسجد النبوي في المدينة المنورة، حيث يقع قبر النبي محمد ﷺ في داخله. فبجهوده العظيمة وجهود أصحابه بدأ طور جديد في مسيرة الإنسانية، طور يمكن وصفه بانتهاء عهد الشرك وبداية عهد التوحيد. لقد أطلق محمد ﷺ وأصحابه عملية تاريخية جديدة أدّت إلى الحدث الثوري الذي سماه القرآن بـ “إظهار الدين” (الفتح: 28). وليس المقصود به إظهاراً سياسياً محضاً، بل هو أوسع من ذلك بكثير، إذ هو إظهار شامل متعدد الجوانب، نتج عنه ذلك الحدث العالمي الذي يمكن تسميته “انفجار الفرص”.

لقد بلغ هذا المسار التاريخي الذي بدأ بمحمد ﷺ وأصحابه تمامه وكماله في القرن الحادي والعشرين. ولهذا الانقلاب أبعاد متعددة: الحرية الدينية، البراهين العلمية المؤيدة للتوحيد، الاتصالات العالمية، حرية الحركة والتنقل عبر العالم (global mobility)، الطباعة، اللامركزية في السلطة السياسية (decentralization of political power)، عصر المؤسسات، وغير ذلك.

ومن هذه الفرص الجديدة أيضاً أنّ سفينة نوح التي بقيت آلاف السنين مطمورة تحت طبقات كثيفة من الجليد قد ظهرت للعيان من جديد، لتكون شاهداً مادياً آخر في هذا العصر.

دابة الأرض وخروجها

ذكر القرآن الكريم في سورة النمل علامة من علامات الساعة قبل قيامها، قال تعالى:

﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ (النمل: 82).

ومعنى الآية: إذا جاء وعد الله وحقّ القول عليهم، أخرج لهم من الأرض دابّة تكلمهم وتقول: إنّ الناس كانوا لا يوقنون بآيات الله.

هذه الآية ظلّت غامضة على مدى أربعة عشر قرناً، لكن في ضوء ما كُشف حديثاً حول سفينة نوح عليه السلام، يمكن أن يستنبط أنّ المراد بـ الدابّة هو سفينة نوح، أي المخلوق الذي “يدبّ” على وجه الماء. فالقرآن وصف سفينة نوح بأنها آية (علامة إلهية)، كما وصف الدابّة بأنها آية أيضاً. وهنا تبرز مشابهة بليغة بينهما.

منذ بداية التاريخ البشري شاء الله أن يبعث أنبياء يبلّغون الناس خطّة الخلق (creation plan) وغاية وجود الإنسان، لكنّ البشر جحدوا وأعرضوا، حتى أنّ تدوين التاريخ البشري لم يذكر الأنبياء بوصفهم حقائق تاريخية، بل حوّلهم إلى عقائد إيمانية مجرّدة. وهكذا عرف الناس الخلق، لكنهم جهلوا غاية الخلق.

الآية المذكورة تخبر أنّه قبل قيام الساعة ستهدم هذه “الأسطورة” (myth)، وأنّ الله سيُظهر علامة تاريخية لنبي قديم، ذُكرت في القرآن والكتاب المقدس معاً، لتتحوّل العقيدة الدينية إلى حقيقة علمية ملموسة.

كلمة دابّة في الأصل تعني “ما يدبّ” أو “ما يزحف”. وسفينة نوح كانت وسيلة تدبّ فوق الماء. وقد انتهى بها المطاف إلى أن استقرّت على جبل أرارات في تركيا. وفي القرن الحادي والعشرين صار أمر سفينة نوح أقرب إلى الحقيقة العلمية، وما هي إلا فترة قصيرة حتى تُكشف نهائياً للناس، فتتكلّم بلسان حالها لتقول: هذه هي الآية التي جحدتموها.

نوح عليه السلام بلّغ قومه رسالة الله وأوضح لهم أن مقام الإنسان في الدنيا مؤقت إلى أجل مسمّى (نوح: 4)، ثم يُعرض على الله للحساب. لكن أكثر الناس أعرضوا عن هذا التحذير النبوي وأقصوه من سجلاتهم.

وقد جرت سنّة الله أن يُهلك الأقوام المكذّبين بالعذاب بعد أن يُنجي المؤمنين بالخروج من قراهم، إلا في حالة نوح عليه السلام، إذ أمره الله بصناعة السفينة وحمل المؤمنين وأزواجاً من الدوابّ، فجاء الطوفان العظيم الذي بلغ قمم الجبال، فكانت السفينة وحدها هي وسيلة النجاة. ولهذا حُفظت عبر التاريخ لتكون آية باقية.

وقوله تعالى: ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ (النمل: 82)، يشير إلى أنّ هذه الدابّة (أي سفينة نوح) ستُظهر للناس أنّهم لم يوقنوا بآيات الله وأنبيائه، وأنّ الأنبياء الذين كانوا آيات ربانية قوبلوا بالاستهزاء والتكذيب: ﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (يس: 30).

لكنّ السفينة اليوم تقوم مقام الشهادة المادية، في مقابل شهادة الأنبياء النظرية. فهي تُجبر الإنسان على الاعتراف، بعدما كان الاعتراف بالأنبياء اختيارياً. ولهذا فهي تشكّل دليلاً تاريخياً عظيماً على صدق الرسالة الإلهية.

واللافت أنّ هذا الكشف لم يكن للمسلمين فيه نصيب، بل كان ثمرة جهود الباحثين المسيحيين واليهود، لأنّ التوراة (العهد القديم) ذكرت قصة نوح والسفينة، فصار موضوعاً لأبحاثهم، فاستخدموا الوسائل الحديثة حتى توصّلوا إلى نتائج علمية نشروها للعالم.

)يُتبع…(