العلم الاضطراري
(2)
والأثرات التي تصل إلی النفس الإنساني عبر الحواس فإن العلم الملھم ھو الذي یقوم بالإستدلال علی المؤثرات بتلك الأثرات. وبه یتحصل الیقین بالوجود الخارجي. فالإنسان لا ینكر قضاءه ما دام ھو إنسان وھو یحكم ویسیطر علی النفس الإنساني. ولذا ھذا التسلیم والانقیاد لیس شیئا خیاریا. بل إنه مجبول علی التسلیم بقضاءات ذاك العلم بمثل ما یتسلم وینقاد لمقتضیات جبلیاته. وأنت تقول إن الإنسان ینكر كل شیئ فلماذا لایستطیع إنكار ذاك العلم؟ والجواب علی ھذا التساؤل أنه یستطیع إنكاره بلسانه بلا شك ولكن حینما ینكره بلسانه یكذبه في الحال عمله وجوارحه وأحواله. فكل انسان سلیم الطبع یتوضح له أن إنكاره لیس إلا مكابرة محضة صریحة. وبناءً علی ذلك قد عبر عنه الإمام حمید الدین الفراھي بالعلم الإضطراري وأصاب حینما قال إن ھناك مھبط إلھام في النفس الإنسان ویجدر أن نعبر به بالمركز فیھا. وبه یتواجد العلم الذي نقول له الفطري ویلیه البدیھي والنظري، وانطلاقا منه فتقسیم العلم لیس فقط بین البدیھي والنظري بل ینبغي أن یكون العلم موزعا إلی الجذري، الفطري ثم البدیھي والنظري. فإنه ھو الحقیقة.
ویقول القرآن إن المخلوقات مجبولة علی إقرار الخالق، وجودھا یتقاضی ویحتاج إلی وجود الخالق. وإنھا لا تحتاج إلی استدلال منطقي لإثبات الخالق وإنما تحتاج إلی التوجیه والتنبیه إلیه. فمن الحقیقة التي لاتجحد أن مخلوقاً لاینكر خالقه بل إنه إذا وُجه إلیه یندفع إلیه ویشتاق كما یندفع العطشان إلی الماء. فقد قال القرآن إن الله سبحانه تعالیٰ حین سألھم: ألست بربكم؟ قالوا بلی شھدنا. ولكننا نعلم أن الإنسان في ھذه الحیاة الدنیا ربما ینكر الرب بسبب المكابرة فقط. ولكن حینما ینكر الخالق ففي الوقت نفسه یبحث في دائرة علمه عن فاعل لكل انفعال وعن مرید لإرادة وعن موصوف لصفة ومؤثر لأثر وعن ناظم علیم حكیم لكل نظم. وعلمه كله حكایة عن بحثه وفحصه ھذا. إنه تكذیب عملي یوضح حقیقة إنكاره وجحوده أتم توضیح.
وھكذا شعور الخیر والشر. فقد قال القرآن إن تمییز الخیر والشر وشعور خیریة الخیر وشریة الشر ملھم في النفس الإنساني مع تخلیقه ولكن الإنسان یجحد في بعض الأحیان وجحوده لیس شیئ إلا المكابرة. فإنه حینما ینكره فإذا أسیئ إلیه فإنه یری تلك الإساءة إساءة بدون أدنی تردد. ویحتج علیھا ولیس ھذا فقط بل إذا أُحسن إلیه یظھر مشاعر العز والاحترام إلی محسنه كما أنه إذا أوجد اجتماعیة قام باللزوم بنظم حق وإنصاف فیه وإداراته للقانون والعدالة والمؤسسات العالمیة كل ذلك یشھد له.
وكذلك دلالة الألفاظ علی معانیه، یقول القرآن عن نفسه إنه نزل كمیزان وفرقان وحكم فاصل في النزاعات والخلافات. وأنه قد بلَغ أمانته لدرجة قاطعة أن یكون الإنسان مسئولا علی أساس ذلك ویدخل الجنة أو النار به. فإرشادات القرآن ھذه مبتنیة علی الیقین الفطري الطبعي الذي ما زال الإنسان موقنا له بسبب صلاحیات النشر بالنطق والبیان وقطعیة الإبلاغ من خلال النطق ويبینه أیمة الفقه والحدیث كقاعدة أصولیة مجمع علیھا: ما ثبت بالكتاب قطعي موجب العلم والعمل. نعم لا یذعن لھا المتكلمون المتأثرون بزیغ وضلال الفلسفة ویصرون علی كون دلالة الألفاظ علی مفاھیمھا ظنیة ولذا فان الألفاظ القرآن لن تكون فارقاً بین الحق والباطل بل تكون ذلك البراھین العقلیة.1
وھذا ھو الآخر إذا نظرنا فیه مكابرة صریحة إذ حین یقولون ذلك یبینون لنا وجھة نظرھم بتلك الألفاظ نفسھا بغیر أدنی تردد أن قولھم ھذا لایصل إلی المخاطبین لھم بقطعیة كاملة. ولیس ذلك فقط بل إذا استمعوا إلی الآخرین أو یقرؤون كتاباتھم فلا یلحق بھم ھذا التردد أبدا. وإذا كان ھناك بحث أو نقاش یدخلون فیه وكل لفظ لھم یصدق ما أقول. فھذه شھادة النفس الإنساني علی النفس الانساني ولا شھادة أكبر منھا وقال تعالیٰ:
“بل الإنسان علی نفسه بصیرة ولو ألقی معاذیره.” (القیامة: ١٤- ١٥)
ویقول ابن القیم رحمه الله:
“من ادعی أنه لا طریق لنا إلی الیقین بمراد المتكلم، لأن العلم بمراده موقوف علی العلم بانتفاء عشرة أشیاء.2 فھو ملبوس علیه ملبس علی الناس، فإن ھذا الوضع لم یحصل لأحد العلم بكلام المتكلم قط، وبطلت فائدة التخاطب، وانتفت خاصیة الإنسان، وصار الناس كالبھائم، بل أسوأ حالا، ولما علم عرض ھذا المصنف من تصنیفه، وھذا باطل بضرورة الحس والعقل، وبطلانه من أكثر من ثلاثین وجھا مذكورة في غیر ھذا الموضع.” (أعلام الموقعین ٣/١٥٩)
(للحديث صلة …)
- 1. ومفکروا العصر ما بعد الحدیث یحاولون غصب ھذا الأساس للیقین أیضا. فماذا یبقی عند الإنسان إلا اللایقین الذي لا نھایة له وعدم المعنویة والذات یفضیان به إلی آلام کنتیجة لذلک إلی حیث لایقدر له أحد الیوم.
- 2. یرید بھا الإشتراك، المجاز، النقل، الاجمال، التخصیص والمعارض العقلي وأشیاء غیرھا أنظر لتفصیل ذلك: شرح المواقف للجرجاني ٢/٥١.