انتقل إلى المحتوى

ميزان (17)

جاويد أحمد غامدي / ترجمة من الأردية: د. محمد غطريف شهباز الندوي العربية

ولذا قال إن كل عمل محروم من الإيمان ضائع ومثله كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف فلا تبقى ذرة منه أن تقدم يوم القيامة في حضرة الرب تعالى فكل كسبهم ثمة يذهب سدىً ويبقى وباله عليهم. فقال:

مَثَلُ الَّذِیْنَ کَفَرُوْا بِرَبِّهمْ اَعْمَالُهُمْ کَرَمَادِنِ اشْتَدَّتْ بِه الرِّیْحُ فِي یَوْمٍ عَاصِفٍ، لاَ یَقْدِرُوْنَ مِمَّا کَسَبُوْا عَلٰی شَیْيءٍ. ذٰلِکَ هوَ الضَّلٰلُ الْبَعِیْدُ.

(إبراهیم: ۱۸)

وقد مثل الله تعالى في سورة النور مثلَ أعمال الذين كفروا كسراب بقيعة خادعة يحسبه الظمأن ماءً حتى إذا جاءه انكشف سره أن الشيء الدي كان يراه ماءً مائجاً إنما هو سراب لمعان. فقال:

وَالَّذِیْنَ کَفَرُوْٓا اَعْمَالُهمْ کَسَرَابٍ م بِقِیْعَة یَّحْسَبُه الظَّمْاٰنُ مَآءً حَتّی اِذَا جَآءَہٗ لَمْ یَجِدْہُ شَیْئا وَّ وَجَدَ اللّٰہَ عِنْدَہٗ فَوَفّٰه حِسَابَه، وَاللّٰہُ سَرِیْعُ الْحِسَابِ. (النور:39)

فهذا هو الإيمان الذي يطلبه القرآن من متبعيه. وهو عبارة عن خمسة أشياء:

1- الإيمان بالله.

2- الإيمان بالملائكة.

3- الإيمان بالأنبياء.

4- الإيمان بالكتب.

5- الإيمان بالآخرة.

فقد قال عز وجل:

اٰمَنَ الرَّسُوْلُ بِمَآ اُنْزِلَ اِلَیْه مِنْ رَّبِّه وَالْمُؤْمِنُوْنَ، کُلٌّ اٰمَنَ بِاللّٰہِ وَمَلٰٓئکَتِه وَکُتُبِه وَرُسُلِه، لاَ نُفَرِّقُ بَينَ اَحَدٍ مِّنْ رُّسُلِه، وَقَالُوْا: سَمِعْنَا وَاَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا، وَاِلَیْكَ الْمَصِیْرُ.(البقرة۲: ۲۸۵)

الإيمان بالله

هُوَ اللّٰہُ الَّذِي لَآ اِلٰه اِلَّا هُوَ، عٰلِمُ الْغَیْبِ وَالشَّهادَۃِ، هُوَ الرَّحْمٰنُ الرَّحِیْمُ، هُوَ اللّٰہُ الَّذِيلَآ اِله اِلَّا هُوَ، اَلْمَلِکُ الْقُدُّوْسُ السَّلٰمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَیْمِنُ الْعَزِیْزُ الْجَبَّارُ الْمُتَکَبِّرُ، سُبْحٰنَ اللّٰہِ عَمَّا یُشْرِکُوْنَ، هُوَ اللّٰہُ الْخَالِقُ الْبَارِي الْمُصَوِّرُ، لَه الْاَسْمَآءُ الْحُسْنٰی، یُسَبِّحُ لَه مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِیْزُ الْحَکِیْمُ.(الحشر۵۹: 22-24)

والله اسم لمن هو خالق الأرض والسماء وخالق كل شيء. والألف واللام فيه للتعريف، وهو اسم ما زال مختصاً للخالق سبحانه، وقد كان يُستخدم في العرب في زمن الجاهلية في هذا المفهوم نفسه، قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وهو من بقية الدين الإبراهيمي الذي ورثه العرب. ومن ثم قال تعالى:

وَلَئِنْ سَاَلْتَهمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَیَقُوْلُنَّ: اللّٰہُ، فَاَنّٰی یُؤْفَکُوْنَ؟ اَللّٰہُ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَّشَآءُ مِنْ عِبَادِہٖ وَیَقْدِرُ لَه، اِنَّ اللّٰہَ بِکُلِّ شَیْيءٍ عَلِیْمٌ. وَلَئنْ سَاَلْتَهمْ مَّنْ نَّزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَاَحْیَا بِه الْاَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَیَقُوْلُنَّ: اللّٰہُ، قُلِ: الْحَمْدُ لِلّٰہِ، بَلْ اَکْثَرُهمْ لَا یَعْقِلُوْنَ.(العنکبوت: 61-63)

والقرآن يقول إن إقرار ربوبية الله تعالى وديع في فطرة الإنسان منذ الأزل، كما يبين أن ذلك الإقرار قد تم في صورة عهد وميثاق. ذكره القرآن كأمر واقع، ولكن بما أن الإنسان قد بعث في هذا العالم لغرض الامتحان، ولذا قد تم محو ذاك الواقع من ذاكرته، ولكن قد بقيت حقيقة ثابتة في صفحة قلبه ومنقوش في داخل دماغه أن لا يمحيه شيء. ولذا إذا لم يكن هناك مانع في الخارج وذُكره الإنسان تذكيراً اندلع إليه من فوره كما يندفع الطفل إلى أمه. وهو لم يشهد نفسه يخرج من بطن أمه. ويندفع بيقين كأنه كان يعرفها من قبل. فالإنسان يشعر أن إقرار الإله استجابة لحاجة فطرية يتواجد اقتضاؤه فيه، فإذا وجد ذاك الاقتضاء نالت مع ذلك كل اقتضاءات النفس مكانها. ويقول القرآن إن شهادة باطن الإنسان هذه قطعية إلى حد، أن كل إنسان يكون مسؤولًا عند الله تعالى بمجرد هذه الشهادة كما قال تعالى:

وَاِذْ اَخَذَ رَبُّکَ مِنْ بَنِي اٰدَمَ مِنْ ظُهوْرِهمْ ذُرِّیَّتَهُمْ وَاَشْهدَهمْ عَلٰٓی اَنْفُسِهمْ، اَلَسْتُ بِرَبِّکُمْ؟ قَالُوْا: بَلٰی، شَهدْنَا اَنْ تَقُوْلُوْا یَوْمَ الْقِیٰمَة: اِنَّا کُنَّا عَنْ هٰذَا غٰفِلِیْنَ اَوْ تَقُوْلُوْٓا: اِنَّمَآ اَشْرَكَ اٰبَآؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَکُنَّا ذُرِّیَّة مِّنْ بَعْدِهمْ، اَفَتُهلِکُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُوْنَ؟ وَکَذٰلِکَ نُفَصِّلُ الْاٰیٰتِ، وَلَعَلَّهمْ یَرْجِعُوْنَ.

(الأعراف ۷: 172۔174)

ومع هذا الإرشاد الباطني البشري فإن الإنسان قد أعطي أيضًا صلاحية استنباط الحقائق التي هي ما وراء حواسها إضافةً إلى مؤهلات السمع والبصر والإحساس بحواسها الظاهرة. ومثالها العام هو قانون التجاذب (Law of Gravitaiton)، التفاحة حينما تنقطع من الشجرة فتنحط على الأرض. وإذا أردت التقاط حجرة من الأرض تفرغ لذلك الطاقة. والصعود يكون دائماً صعباً بإزاء الهبوط إلى الأرض. والأقمار والنجوم تسبح في الأفلاك. لا يزال الإنسان يشهد كل ذلك لقرون حتى اكتشف العالم نيوتن ذات يوم أن ذلك كله من جراء قانون التجاذب. وهذا القانون غير مشاهد بذاته. ولكن العالم المعاصر يسلمه كقانون علميى مسلم به، ووجه ذلك لأن هذا القانون يتوافق مع كل الحقائق المعلومة، ويُوجه كافة مشاهدات الإنسان توجيهاً موفقاً. ولم يأت بعد نظرية أخرى مثلها تتطابق مع الواقع لهذه الدرجة.

(يُتبع …)