انتقل إلى المحتوى

مقدمة لقراءة فكر علي عزت بيجوفيتش (الحلقة الخامسة)

د. عبد الوهاب المسيري / عرض وتقديم: إدارة التحرير العربية

الإسلام والثنائية التكاملية

يرى علي عزت بيجوفيتش أن هناك ثلاث وجهات نظر عن العالم:

1- الرؤية المادية التي ترى العالم باعتباره مادة محضة، وهي فلسفة تنكر التطلعات الروحية للإنسان. والاشتراكية مثل جيد على هذه الفلسفة، فهي تقدم خلاصا خارجيا فقط )من خلال الاستهلاك وتحسين مستوى الدخل أو تغيير البيئة الاجتماعية… إلخ.(

2- الرؤية الدينية المجردة )أو الروحية الخالصة(، وهي رؤية للدين باعتباره تجربة روحية فردية خاصة لا تذهب أبعد من العلاقة الشخصية بالله، وهذه الرؤية تنكر الاحتياجات المادية للإنسان. والمسيحية مثل جيد على هذه الرؤية، فهي تقدم خلاصًا داخليًّا فحسب.

إن أي حل يغلّب جانبًا من طبيعة الإنسان على حساب الجانب الآخر من شأنه أن يعوق القوى الإنسانية أو يؤدي إلى الصراع الداخلي. فالحياة، كما يقول علي عزت بيجوفيتش، “مزدوجة” وقد أصبح من المستحيل عمليًا أن يحيا الإنسان حياة واحدة منذ اللحظة التي توقف فيها أن يكون نباتًا أو حيوانًا.”

3- ثمة رؤية ثالثة تعترف بالثنائية الإنسانية، وتحاول تجاوزها عن طريق توحيد الروح والمادة، وهذه هي الرؤية الإسلامية. إن الإسلام يخاطب كل ما في الإنسان ويتقبله. ويرى علي عزت بيجوفيتش أن الإسلام وُجد قبل الإنسان، وهوـ كما قرر القرآن بوضوح ـ المبدأ الذي خُلق الإنسان بمقتضاه، ومن ثم نجد انسجاما وتطابقا فطريا بين الإنسان والإسلام. “الإنسان هو وحدة الروح والجسد، (وكذا الإسلام. فهو أيضًا) وحدة بين الاتجاه الروحي والنظام الاجتماعي، وكما أن الجسم في الصلاة يمكن أن يخضع لحركة الروح، فإن النظام الاجتماعي يمكن بدوره أن يخدم المُثل العليا للدين والأخلاق.”

إن الإسلام انطلاقا من إدراك ثنائية الإنسان لا يتعسف بتنمية خصال لا جذور لها في طبيعة الإنسان. إنه لا يحاول أن يجعل منا ملائكة؛ لأن هذا مستحيل. بل يميل إلى جعل الإنسان إنسانا.

في الإسلام قدر من الزهد، ولكنه لم يحاول به أن يدمر الحياة أو الصحة أو الأفكار أو حب الاجتماع بالآخرين، أو الرغبة في السعادة والمتعة.

هذا القدر من الزهد أريد به تحقيق التوازن في غرائزنا، أو توفير نوع من التوازن بين الجسد والروح. إن القرآن يتناول الغرائز متفهما لا متهما، ولحكمة ما سجدت الملائكة للإنسان. ألا يشير هذا السجود إلى معنى تفوق ما هو إنساني على ما هو ملائكي؟”

هذه الثنائية هي سبب سوء فهم العقل الغربي لهذا الدين، وهو سوء فهم لا يزال مستمرًا إلى هذا اليوم، فمن جانب الدين (الروحي المجرد) اتُّهم الإسلام بأنه أكثر لُصوقًا بالطبيعة والواقع مما يجب، وأنه متكيف مع الحياة الدنيا. واتهم من جانب العلم أنه ينطوي على عناصر دينية وغيبية. وفي الحقيقة هناك إسلام واحد وحسب، ولكن شأنه شأن الإنسان له روح وجسم. فزعم التعارض فيه يتوقف على اختلاف وجهة النظر. فالماديون لا يرون في الإسلام إلا أنه دين وغيب، أي اتجاهًا “يمينيًّا.” بينما يراه المسيحيون فقط حركة اجتماعية سياسية، أي اتجاهًا”يساريًّا!” وفي واقع الأمر، ليس الإسلام هذا ولا ذاك، وإنما هو يجمع بينهما في كلّ واحد متكامل متوازن.

تجلّيات الثنائية الإسلامية

تظهر الثنائية الإسلامية التفاعلية أو التكاملية في الرؤية الإسلامية لمفهوم الأمة. فالإسلام ـ كما يقول علي عزت بيجوفيتش ـ ليس مجرد أمّة بالمعنى البيولوجي أو الإثنيّ أو العرقي، وليس حتى جماعة دينية بالمعنى الروحي الخالص للكلمة، وإنما هو “دعوة لأمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أي تؤدي رسالة أخلاقية.” انطلاقًا من ذلك يؤكد علي عزت بيجوڤيتش أنه لا يمكن إغفال المكوّن السياسي للإسلام وقصره على النزعة التصوفية الدينية، لأن في هذا “تكريساصامتا للتبعية والعبودية.” ولا يمكن كذلك إغفال المكون الديني )الروحي( في الإسلام؛ لأن في هذا كذلك رفضًا صامتًا للقيام بالأعباء الأخلاقية. إن الإسلام الحقيقي ليس مجرد دين روحي أو طريقة حياة فقط، بل هو منهج ومبدأ لتنظيم الكون أكثر منه حلا جاهزًا، إنه المركب الذي يؤلف بين المبادئ المتعارضة. إن الإسلام ليس دينا ودولة كما يقول البعض )الذين وقعوا صرعى التعريفات العلمانية الغربية، والتي تعطي مركزية هائلة للدولة(، بل هو دين ودنيا يتوجه للجانبين الروحي والمادي في الإنسان. ويشير علي عزت بيجوفيتش إلى أن الثنائية التكاملية الإسلامية تتبدى في أن للإسلام مصدرين أساسيين: هما القرآن والسنة النبوية، فهما يمثلان كلا من الإلهام والخبرة، الخلود والزمن، التفكير والممارسة، الفكرة والحياة. ثم يضيف إلى النظام الثنائي حالة كل من مكة وغار حراء. فقد كانا يمثلان عند لحظة ظهور الإسلام التضاد بين الواقعي والعالم الباطني، بين الفاعلية والتأمل.

وقد تطور الإسلام على مرحلتين، الأولى في مكة والثانية في المدينة.. فترتين سُجل اختلافهما في الروح والمعنى في كل ما كُتب عن تاريخ الإسلام. هنا تصادف التضاد نفسه أو “التناقض الظاهري” في إطار الإيمان والسياسة. مجتمع الإيمان ومجتمع المصالح. ثم يحاول أن يوضح رؤيته للثنائية الإسلامية من خلال عقد مقارنة بين الإسلام والمسيحية كنظرية )وليس كتطبيق( باعتبارها دينا روحيا محضا. وهي مقارنة تنطوي على احترام للعقيدة المسيحية، ولا تشكل هجومًا عليها بمقدار أنها محاولة لتوضيح سمات الإسلام الأساسية.

فيقارن بين قاموس المفردات المستخدمة في الأناجيل وتلك التي وردت في القران، فيستخلص أن الأناجيل أكثر لصوقا بعالم الروح، بينما في القرآن، نجد المصطلحات نفسها مُصاغة على صورة هذا العالم وقد اكتسبت واقعية وتحديدًا.ثم يعقد مقارنة بين المسجد والكنيسة، ويخلص إلى نفس النتائج، فالمسجد مكان للناس، أما الكنيسة فهي “معبد الرب.” في المسجد يسود جو من العقلانية، وفي الكنيسة جو من الصوفية. المسجد بؤرة نشاط دائم وقريب من السوق في قلب المناطق المعمورة بالسكان، أما الكنيسة فتبدو أقل التحاما ببيئتها. يميل التصميم المعماري للكنيسة إلى الصمت والظلام والارتفاع، إشارة إلى “عالم آخر.” «عندما يدخل الناس كاتدرالية قوطية يتركون خارجها كل اهتمام بالدنيا كأنهم داخلون إلى “عالم آخر.” أما المسجد، فمن المفروض أن يناقش الناس فيه بعد انتهائهم من الصلاة هموم دنياهم.”

وقد نتج عن هذا الاتجاه ظاهرة لا تُعرف إلا في إطار الثقافة الإسلامية وهي ما يمكن أن يطلق عليه “المسجدْرسة”، وهو بناء فريد يجمع بين وظيفتي المسجد والمدرسة معا.. هذا البناء المتميز هو المعادل المعماري لتلك المسلَّمة الإسلامية لوحدة الدين والعلم أو الروح والمادة.ويتضح الاختلاف أيضا في المقارنة التي يعقدها علي عزت بيجوڤيتش بين مبدأ العصمة البابوية من جهة، ومبدأ الإجماع الإسلامي من جهة أخرى. فالأول ينطلق من مبدأ واحدي نخبوي، والثاني ينطلق من رؤية مركبة تجمع بين نقيضين. فمبدأ العصمة يعطي فردًا واحدًا حقا مطلقا في تقرير ما هو الخطأ وما هو الصواب، أما فكرة الإجماع عند الإمام الشافعي مثلا فتعني اتفاق جميع الآراء، وعند الطبري والرازي: اتفاق أغلب علماء الفقه، أي أن الإسلام يجمع بين مبدأ الصفوة ومبدأ العدد معا. في الإجماع هناك الصفوة النوعية )الأرستقراطية(، كما أن هناك الجانب العددي )الديمقراطي).1

ويتضح الاختلاف بين الإسلام والديانات الروحية المجردة في هذه المقارنة التي يعقدها علي عزت بيجوفيتش بين ما جاء في الإنجيل وفي القرآن بخصوص العمل وفكرة العدالة. وتتبدى الثنائية الإسلامية في اهتمام الإسلام بكل من القراءة والكتابة باعتبارهما أقوى محرك للمجتمعات الإنسانية. فلا «غرابة أن يعنى بهما الوحي، فكانت أول ما نزل على محمد ﷺ من آيات القرآن: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾. وقد تبدو الكتابة غريبة عن الدين )الروحي المجرد.( فقد بقيت الأناجيل تقليدًاشفهيا لفترة طويلة من الزمن. وعلى قدر علمنا، بدأت كتابتها بعد جيل كامل من رفع عيسى عليه السلام.( وعلى عكس ذلك، اعتاد محمد ﷺ أن يملي آيات القرآن على كُتّاب الوحي فور نزولها.

وتظهر الثنائية في أن القرآن لا يحوي «حقائق علمية جاهزة، ولكنه يتضمن موقفا علميا جوهريا.. اهتماما بالعالم الخارجي، وهو أمر غير مألوف في الأديان. يشير القرآن إلى حقـائق كثيـرة في الطبيعـة ويدعـو الإنسـان للتفاعل معها. الأمر بالعلم )بالقراءة( لا يبدو هنامتعارضا مع فكرة الألوهية، بل إنه قد صدر باسم الله﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾. الإنسـان بمقتضـى هذا الأمر لا يلاحـظ ويبحث ويفهـم “طبيعة خلقت نفسها”، ولكن الكـون الذي أبدعـه الله. ولذلك فإن الملاحظة ليست بلا هدف، ولا مبالية، ولا خالية من الشوق، وإنما هي مزيج من العلم وحب الاستطلاع والإعجاب الديني. وكثير من أوصاف الطبيعة في القرآن على درجة عالية من الشاعرية.”

(للحديث صلة…)

  1. 1. يشير بيجوفيتش بهذا إلى مسألة تحقق الإجماع، وفيه رأيان مشهوران؛ الأول: أنه لا يكون إلا باتفاق المجتهدين كلهم، فلو اتفق أكثرهم فلا يكون إجماعا ولا حجة. والثاني: أنه ينعقد باتفاق الأكثر من أهل الاجتهاد، إذا كان المخالف نادرًا كالواحد والاثنين، لأن رأي الأمة يطلق ويراد به الكثرة منها، فتكون العصمة من الخطأ في رأي الكثرة، ولأن العبرة بالغالب في سائر الأمور الفقهية. وفي المسألة تفصيلات أخرى في كتب أصول الفقه.