انتقل إلى المحتوى

هل يمكن للإسلام أن يبقى في ظلّ نظام الدولة القومية (Nation State)؟ الخلافة، الأمّة، وعالَمٌ منقسمٌ … (الحلقة الثانية والأخيرة)

كلمة للدكتور راشد شاز / تفريغ النص الأردي من الفيديو وصياغته بالعربية: عثمان فاروق العربية

]هذا العمود المعنون بـ “وجهات نظر” مخصص لكتابات مختلف أصحاب الفكر وتعبر عن آراء أصحابها وليس من الضروري أن تتفق المؤسسة مع المقالات المنشورة تحته.[

فيبقى السؤال: هل يبقى الإيمان في القلوب فقط، أم أنه يحتاج إلى بنية تجسده وتظهره؟ ويأتينا الجواب من تجربة المدينة؛ فلما قدم الرسول ﷺ إلى المدينة، لم تقم عبادات فحسب، بل قام مجتمع، وتشكل نظام، وتأسس بناء جماعي منظم.

كان في المدينة مسلمون ويهود وقبائل أخرى. ووضع ميثاق المدينة فنشأ بذلك عقد اجتماعي وإطار للحكم والإدارة. وقد تشكل إطار للحكم يقوم على مواد مشتركة والعدل ووجود مركز للقيادة وسلطة مركزية. ولم تكن هناك تأشيرات ولا حدود ولا إجراءات هجرة، بينما اليوم قد يحتاج الانتقال من مدينة إلى أخرى في بعض دُوَل الخليج إلى إذن خاص. فما كان نموذج المدينة؟ لم يكن إقصاء (exclusion) بل كان استيعابا (inclusion). قدم المهاجرون فاحتضنهم الأنصار وأدخلوهم في مجتمعهم وقامت المؤاخاة بينهم. ولم يقل أحد إنهم غرباء بل قِيل: إنهم منّا الآن.

وهنا تبرز حقيقة كبيرة: في الإسلام ليس الوطن أرضا بل الوطن هو الإيمان؛ فحيثما ذهب المسلم يمكن أن يكون ذلك وطنه. وبعد فتح مكة، كان بإمكان الرسول ﷺ أن يعود إليها ويقيم فيها ولكنه أبقى المدينة مركزا. وكان هذا قرارا رمزي (Symbolic Decision) عميق الدلالة؛ فالإسلام ليس محصورا في مدينة واحدة ولا في قوم واحد، بل هو حضارة مفتوحة (Open Civilization).

ومن هنا نخلص إلى نتيجة: إن الإسلام ليس رسالة روحية (Spiritual Message) فحسب، بل هو أيضا واقع اجتماعي منظم (Organized Social Reality). فإذا آمن الناس، عندما يؤمن الناس، يتشكلون في مجتمع (Community)، والمجتمع يحتاج إلى نظام. وهنا يظهر سؤال آخر:

ماذا حدث لتلك الجماعة بعد رحيل الرسول ﷺ؟

أاستمرت تسير بذاتها، أم كانت تحتاج إلى قيادة؟

وهنا نصل إلى مفهوم الخلافة. فقد رأينا أنه في المدينة قام مجتمع، وتشكل نظام، ووجدت قيادة. فما الذي حدث بعد رحيل الرسول ﷺ؟ أقال الناس: ليعبد كل واحد على حدة، وليسر المجتمع من تلقاء نفسه؟ كلا. بل بادروا فورا إلى إقامة قيادة؛ فاختير أبو بكر رضي الله عنه خليفة. لماذا؟ لأن المجتمع لا يستقيم بغير قيادة، والنظام لا يقوم تلقائيا.

لم تكن الخلافة تجربة نظرية، بل كانت ضرورة اجتماعية. ثم جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكانت له سلطة أخلاقية قوية، ولم يحدث خلاف كبير؛ ففي هذه المرحلة سارت القيادة (Leadership)، والسلطة الأخلاقية (Moral Authority)، والنظم (Structure) معًا.

ثم جاءت مرحلة ثالثة، عهد سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، فظهر أمر جديد: الاختيار عن طريق الشورى. ولكن ماذا حدث؟ تعدّد المرشّحون (Multiple Candidates) وتزايدت التوقّعات. ثم استشهد، ونشأت في المدينة فتنة واضطراب (Chaos) ثم تولى علي بن أبي طالب رضي الله عنه القيادة في ظروف شديدة مع خلافات حادة.

ومن هنا نفهم أمرا مهما: لم تكن المشكلة في الخلافة نفسها، بل في تعقيد الطبيعة البشرية. ثم حدث تحول؛ فقامت الخلافة الأموية، وتحولت الخلافة إلى ملك. ثم جاءت الخلافة العباسية والفاطمية والأندلسية وقامت في وقت واحد خلافات متعددة. حدث انحراف (Deviation) عن النموذج المثالي ولكن المؤسسة (Institution) بقيت قائمة. وهنا نشير إلى نقطة مهمة: لم يردّها العلماء كلها ردًّا كاملاً، بل تسامحوا معها؛ لأنّ الأصل بقي موجودا، وهو تصوّر وحدة الأمة.

ثم جاءت مرحلة أخرى أصبحت فيها الخلافة شكلية (Ceremonial)، وانتقلت السلطة الفعلية إلى السلطان، وبقي الخليفة رمزا فقط. ثم سقطت بغداد عام ١٢٥٨م، وكان ذلك صدمة تاريخية كبرى وانقطاعا حادا. وبعد ذلك انتقلت الخلافة من بغداد إلى القاهرة، ثم إلى إسطنبول.

والآن نعود إلى السؤال الأساسي: صحيح، أن الخلافة ضعفت، وحدث فيها انحراف وسوء استعمال، ولكن هل يثبت ذلك أنها لم تكن ضرورية؟ إن كان ذلك كذلك، فينبغي أن نلغي الديمقراطية أيضا، لأنها قد تفسد، وأن نلغي الدولة (State) أيضا، لأنها قد تظلم. ولكننا لا نقدّم على إلغائها، بل نصلح النظام ولا نهجره. فالقوة دائما خطيرة، وهذه مرحلة حساسة جدا؛ فإساءة استخدام القوة ممكنة وقد تقع، ولكن دون قوة لا يُقام العدل.

ثم حدث أمر آخر: جاء الاستعمار الغربي، فتفكك العالم الإسلامي. فقال بعض المفكرين: لم يعد ممكنا إقامة تلك المركزية الإسلامية من جديد؛ فهي قديمة لا تواكب العصر (Outdated)، وغير عملية (Impractical). ولكن السؤال:

هل إذا صعب شيء أصبح غير ضروري؟

وهنا نصل إلى نتيجة مهمة: لم تكن الخلافة نظاما مثاليا (Perfect) ولكنها كانت ضرورية. كان فيها ضعف وانحراف، ولكنها كان نظما مركزيا وقوة جماعية. فما الذي جاء بعد زوال هذا البناء؟ جاء نظام جديد: الدولة القومية (Nation State). رسمت الحدود ووضعت الخرائط وتفرقت أمة واحدة إلى أجزاء. ولم نكن نحن من رسم هذه الحدود، بل القُوى التي هدّمت الخلافة هي التي رسمتها، ثم قِيل لنا: هذا هو الواقع، فعليكم أن تعيشوا فيه. أي: حطّموا النظام القديم، ثم أعطوا نظاما جديدا، ثم قِيل: لا خيار آخر.

وإذا نظرنا اليوم إلى دُوَل الخليج، وجدنا دُوَيلات صغيرة ومباني كبيرة وشركات طيران ضخمة. ولكن السؤال الأساسي هو: هل تستطيع أن تدافع عن نفسها؟ فإن لم تستطع، فليس ذلك قوة، بل هو نموذج اعتماد وتبعية. إن أمنها واقتصادها المتأثر بالخارج، بل وبقاؤها نفسه، كُلّ ذلك في سيطرة الآخرين؛ ومن كان بقاؤه بيد غيره، كانت حريته أيضا بيده.

لقد أنشأنا باكستان باسم الإسلام، وتصوّرنا أنها ستكون حصنًا للإسلام وأن نظامًا مثاليًا سيُقام فيها. ثم اكتشفنا أن الحصن يُدار بـ “الملفّات” وأنّ المسلمين عبر الحدود صاروا “باكستانيين” وبقيت فكرة الأمة وراء ذلك؛ فأصبحت المصالح الباكستانية منفصلة عن مصالح المسلمين في الهند. ثم ظهرت أفغانستان؛ فجاءها المسلمون من أنحاء العالم وقاتلوا وقدّموا التضحيات، فلمّا انتهت الحرب قِيل لهم: عُودوا إلى بلدانكم. وهكذا انحصرت الأمة في جواز السفر. وفي عالَم اليوم، لا يتكلم الضمير بقدر ما تتكلّم القوة؛ فالحروب تُدار بالطائرات المسيّرة والصواريخ والحرب السيبرانية، وهي تقتضي وحدة لا تشرذمًا. ومن هنا نخلص إلى أن: الدولة القومية حديثة، ولكنّها متشظية. وكان في الخلافة خطر سوء الاستعمال، أما في الدولة القومية فهناك خطر العجز والضعف.

فإذا قلنا إن الإسلام لا يحتاج إلى نظم جماعي، فماذا يبقى من الإسلام؟ سيتحول إلى نادٍ (Club) نعم، أقصى ما يكون نادٍ، يجلس فيه الناس ليتحدّثوا عن القِيم والأخلاق ولكنهم لا يستطيعون منع الظلم ولا إقامة العدل.

فليس السؤال الأساسي: هل ستعود الخلافة أم لا؟ بل السؤال: هل قمنا بتوديع التصور السياسي المركزي للأمة وتبنينا فكرة الدولة القومية ورضينا بها واطمأننا إليها، فقبلنا نظاما يبقي الإسلام حيّاً ولكنه لا يسمح له أن يكتمل؟ يسأل الناس: متى ستعود الخلافة؟ كيف ستعود؟ هل ستعود أصلا؟ وهذه الأسئلة مهمة في محلّها وسيظل أهل الفكر في كل زمان يتأملون فيها بحسب ظروفهم. ولكن الأمر الأهم ليس هو هذا، بل، هل ما زال هذا التصور حيا في عقولنا وفي وعينا وفي تاريخنا أم لا؟

هذا الشعور بأننا أمة واحدة، وهذه المسؤولية بأن نقود أمم العالم وأن نمنع الظلم ونقيم العدل وأن نجعل هذه الأرض مكانا أفضل لجميع البشر، لا لأنفسنا وحدنا، إن كان هذا التصوُّر حيّاً، انفتحت الطرق، وإن مات، فلا طريق بعد ذلك. قد لا يتحقّق هذا في حياتنا، وقد يظهر بعد جيلنا، ولكن هل نرضى ألا نترك لمن بعدنا أي أساس فكري؟ إننا إذا محونا هذا التصور من تاريخنا، فستكون تلك أعظم خطايانا وأكبر سذاجتنا. فلنبقه على الأقلّ حيًّا بوصفه إمكانية نظرية ومركزية فكرية ومسؤولية أخلاقية ومهمة نبوية؛ ولعله يكون اللَّبِنة الأولى التي ستبني عليها الأجيال القادمة بناءً جديدًا.

  1. 1. العالم والمفكر والكاتب والناقد المعروف الهندي وأستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة علي كره الإسلامية.

    الرابط للكلمة :

  2. 2. https://youtu.be/zJ-YdbYPmG4?si=KwZ6nzj0OrRkHp9T