المقدمة
بعد الهجمات الإرهابية التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، انطلقت الآلة الإعلامية الأمريكية في تشخيص ما زعمت أنه علل المجتمعات الإسلامية ومشكلاتها. وبينما تجاهلت عقودًا طويلة من التدخل الإمبراطوري للولايات المتحدة، بما في ذلك دعمها للتطهير العرقي الذي تعرض له الفلسطينيون في إطار المشروع الاستيطاني الاستعماري الإسرائيلي، ومساندتها للأنظمة العسكرية الجائرة والحكومات الاستبدادية في أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا، اختزلت وسائل الإعلام التفسيَر في سبب واحد. وهكذا دخلت كلمة جديدة إلى معجم الإعلام الأمريكي والعالمي في مرحلة الحداثة المتأخرة ، ذلك المعجم المتشكِّل بفعل ثقافة الميمات: (المَدْرَسَة).
وفجأة أصبحت مؤسسات عريقة يعود تاريخها إلى قرون طويلة، كُرِّست لتخريج العلماء المتخصصين في العلوم الإسلامية، والتي دأبت على تكوين العلماء من خلال دراسة الفقه والعقيدة والقرآن والحديث دراسة منهجية منضبطة، موضعَ شك وارتياب وكراهية واستهزاء وتجريد من الإنسانية. ولأن بعض قادة حركة طالبان الأفغانية كانوا قد تلقوا تعليمهم في مدارس دينية باكستانية، فقد صُوِّرت المؤسسة نفسها على أنها تهديد حضاري. كما ساهمت النخب العسكرية والسياسية الباكستانية الخاضعة في تعزيز هذه الرواية، مستغلة إياها في صراعاتها الداخلية حول طبيعة الإسلام الذي ينبغي أن يشكل هوية تلك الدولة المنهكة.
ولم يكن ما هو على المحك في عملية تحميل المدارس الدينيةالإسلامية مسؤوليةَ هذه الأزمات مجرد سمعتها المؤسسية، بل كان صراعًا حول من يمتلك حق تعريف الإسلام في العالم الحديث. فقد تحولت المدرسة الدينية إلى ساحة رمزية تُعرض عليها مخاوف أوسع تتعلق بالسيادة والعنف والتسلسل الهرمي الحضاري. ومن خلال عزل المدرسة الدينية وتصويرها باعتبارها الحاضنة الأساسية للإرهاب، نجحت الرواية الإعلامية في صرف الأنظار عن الإمبراطورية والاحتلال والعنف الجيوسياسي، ونقلت موضع الأزمة إلى الثقافة الدينية الإسلامية ذاتها.(1) واختفت البنى الحقيقية للقوة من المشهد؛ ولم تعد المشكلة محصورة في بعض التفسيرات اللاهوتية، بل أصبح الإسلام نفسه هو المتهم بعد أن أُزيح الستار البلاغي الذي كان يحجب هذا الاتهام.
أما بالنسبة لأولئك الذين تَشَكَّل وعيهم العلمي والفكري داخل تقاليد المدرسة الدينية، فلم تكن تلك اللحظة مجرد نقد خارجي، بل كانت مساءلة وجودية عميقة. لقد وجدنا أنفسنا مضطرين إلى طرح أسئلة جوهرية: ما المدرسة الدينية؟ وما الذي تغرسه في طلابها؟ وكيف تغيرت عبر الزمن؟ وكيف يمكن أن تتغير مستقبلًا؟
إن الدفاع عن المدرسة دفاعًا غير نقدي كان سيبدو سذاجةً فكرية، كما أن التخلي عنها كان سيعني الوقوع في حالة من النسيان المعرفي وقطع الصلة بالتراث. ولذلك كان لا بد من سلوك طريق آخر؛ طريق يقوم على نمط من التفاعل لا يستسلم للروايات الإمبريالية السائدة، ولا يكتفي في الوقت نفسه بتمجيد الأشكال الموروثة وتمثُّلها بوصفها نماذج مكتملة. وما يأتي في الصفحات التالية هو قصة الكيفية التي توصلتُ بها إلى إجابة عن هذه الأسئلة.
الإسلام السياسي والبحث عن المعنى والفاعلية
لقد كانت رحلتي إلى هذه اللحظة الحاسمة في حياتي ومع حياة الإسلام الحديث رحلة طويلة. فبعد الانتهاء مباشرة من المرحلة الثانوية، أمضيت ست سنوات تكوينية في الدراسة التقليدية بالمدارس الدينية (المدارس الشرعية الأهلية) في الهند. ثم سارت حياتي بعد التخرج من المدرسة الدينية في مسارات لم أكن أتوقعها، لكنها كانت عميقة الأثر في تكويني. فقد اتجهت أولاً إلى دراسة الصحافة في المملكة المتحدة، حيث التحقت بعدد من المنشورات الإسلامية، ثم تخصصت لاحقاً في الصحافة المالية.
في تلك السنوات التي أعقبت تخرجي من المدرسة الدينية مباشرة، كنت أشعر باضطراب نفسي وفكري. كنت أبحث عن تفسير للإسلام أكثر إقناعاً من ذلك الذي ورثته. فقد درّبتني المدرسة الدينية من خلال المتون الفقهية والكلامية، ومن خلال شروح القرآن والحديث التي تشكلت داخل عوالم فكرية بعيدة عن العالم الذي كنت أعيش فيه آنذاك. كانت الأدوات المفاهيمية قوية ومتماسكة، لكن لغتها الأخلاقية والسياسية بدت بعيدة عن القضايا الملحة في عصرنا.
ولأن تخرجي جاء في أعقاب الثورة الإسلامية في إيران مباشرة، وفي ظل مشروع أسلمة المجتمع الذي قاده الجنرال ضياء الحق في باكستان تحت شعار «نظام مصطفى»، فقد وجدت نفسي في البداية مؤيداً بحماسة لما صار يُعرف لاحقاً بـ«الإسلام السياسي». وكانت كتابات أبي الأعلى المودودي (ت 1979م)، مؤسس الجماعة الإسلامية، إلى جانب رموز الإخوان المسلمين في مصر مثل حسن البنا (ت 1949م) وسيد قطب (ت 1966م)، تمنحني شعوراً بوجود رؤية متماسكة وجاهزة؛ خطاباً بدا وثيق الصلة بالواقع بالنسبة إلى شاب في العشرينيات من عمره يحاول أن يجد موقعه في عالم مضطرب. لقد بدا هذا الإسلام آنذاك مباشراً وعملياً وقابلاً للتطبيق السياسي.
غير أن هذا الخطاب بدأ يكشف عن فقره في الدقة والتعقيد عندما عدت إلى موطني الأصلي، جنوب أفريقيا، لأعمل صحفياً سياسياً في إحدى الصحف اليومية الرائدة. فقد وضعتني تلك التجربة وجهاً لوجه أمام الحقائق القاسية لنظام الفصل العنصري، وهو واقع يختلف تماماً عن العالم المحمي نسبياً الذي عرفته قبل سفري إلى الهند لطلب العلم الشرعي. عندها بدا لي أن «الإسلام السياسي» الذي تشربته عاجز عن مخاطبة الصدمات والجراح التي تميز مجتمعاً معقداً مثل جنوب أفريقيا.
وفي مرحلة ما من هذه الرحلة الفكرية، وقعت بين يديّ نسخة من كتاب يحمل عنواناً بسيطاً هو «الإسلام».(2) في ذلك الوقت لم أكن أعرف الكثير عن مؤلفه فضل الرحمن. لكن ما لفت انتباهي فوراً أنه كان يتحدث عن الأسماء والقضايا والأحداث نفسها التي درستها في المدرسة الدينية، إلا أنه كان يرويها بطريقة مختلفة. لقد جعلها مفهومة ضمن سياق حضاري وتاريخي أوسع، ومنحها اتساقاً دون أن يختزل تعقيدها. ولأول مرة رأيت التراث الإسلامي لا بوصفه مجرد مستودع للأحكام والعقائد، بل باعتباره مشروعاً فكرياً وأخلاقياً حياً ومتجدداً.
وُلد فضل الرحمن في الهند إبان الحقبة الاستعمارية، وتلقى تعليمه الإسلامي الأول على يد والده (مولانا شهاب الدين الذي كان عالما دينيا وكان ينتمي إلى المدرسة الديوبندية، المترجم)، ثم حصل على الدكتوراه من جامعة أكسفورد. وبعد مغادرته باكستان كانت آخر محطة أكاديمية له في جامعة شيكاغو. وفي أعماله وجدت رؤية بانورامية أعادت للإسلام مكانته بوصفه حضارةً وعالماً ثقافياً وإيمانياً متكاملاً، لا مجرد «دين» بالمعنى الضيق. وكانت هذه الدائرة الحضارية الإسلامية تقف موقفاً نقدياً مبدئياً من كثير من التصورات الحضارية العلمانية الصارمة التي تبنتها الليبرالية الرأسمالية والماركسية. لقد أعادت كتابات فضل الرحمن، بهدوء ومن دون ضجيج، توجيه بوصلتي الفكرية نحو تقاليد هذه الحضارة الإسلامية. ومن المفارقات أن كتاباته أعادتني إلى التراث نفسه الذي كنت أظن أنني أغادره.
ورغم أنني أختلف اليوم مع فضل الرحمن في عدد من القضايا، مع ذلك، فإن فضله عليّ وتأثيره في تكويني العلمي يظلان واضحين لا مراء فيهما.
فمع أنه ظل ناقداً للإسلام السياسي، فإنه تبنى في نهاية المطاف بعضاً من منهجيته، ولا سيما في محاولته ــ شأنه شأن عدد من المفكرين الحداثيين ــ لإخضاع العلاقة بين القرآن والسنّة لترتيبٍ هرميٍّ في السلطة التشريعية، مقارنةً مع التصورات الإسلامية الأكثر حيوية والمتجذرة في التراث، فإنها ترى العلاقة بين الوحي والنبوة والتاريخ وتكوين الذات والأخلاق والفلسفة علاقة أكثر تعقيداً وأشد استعصاءً على الاختزال.
وعلى الرغم من سعة معرفة فضل الرحمن بالتراث الإسلامي، فإنني أرى أنه فقد شيئاً من الصبر في إعادة صياغة التقليد الخطابي الحواري للإسلام بالصورة التي كان قادراً عليها وحده. وكانت هناك لحظات شعرت فيها أنه ــ ربما من غير وعي ــ بدأ يوظف التراث توظيفاً أداتياً، ضاغطاً حقائقه الأزلية المعقدة في خدمة أجندة حداثية. وهذه فتنة فكرية خطيرة صرت أُدركها جيداً بوعيٍ ذاتيٍّ عميق في جهودي الشخصية الرامية إلى التنقل داخل المساحة الوسطى بين الدراسات الإسلامية التقليدية والصياغات الحديثة للإسلام. وهي المساحة التي صرت أصفها بـ«الدَّهليز»، أي فضاء العتبة الفاصل بين عالمين.
منازعة التقليد في جنوب أفريقيا
في جنوب أفريقيا، سرعان ما تحوّلت صحافتي السياسية إلى نشاطٍ ميداني. فقد أصبح النضال ضد نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) رسالتي الأساسية، حيث عملت منظِّمًا مجتمعيًا ضمن منظمة وطنية شبابية إسلامية. وتزامنت تلك المرحلة مع دراستي لدرجة الماجستير في الدراسات الدينية. لقد فتحت الدراسات العليا أمامي أفقًا فكريًا جديدًا بالكامل؛ إذ زوّدتني بالمفردات والأدوات المفاهيمية التي مكّنتني من التفكير في الدين والسياسة والتاريخ والفلسفة والثقافة ليس من منظور تعبّدي فحسب، بل من منظور تحليلي أيضًا، كما مثّلت دخولي الرسمي إلى عالم الأكاديمية.
في ذلك الوقت، كان النمط الإحيائي الإسلامي المتمحور حول العالم العربي قد استحوذ على اهتمامي العلمي. وكان جانب كبير من الخطاب الإسلامي الذي يقوده العلماء في المجال العام يتسم بالمحافظة السياسية، بل وبالنزعة الرجعية أحيانًا. وكثيرًا ما كان يعكس الصور النمطية العرقية ويجسّد هواجس طبقية لدى شرائح من المجتمع التجاري المسلم. وبالنسبة للكثيرين، كان الواجب الأخلاقي في المجال العام يعني الحفاظ على الوضع القائم؛ أما تحدّيه فكان يُعدّ تمردًا محرّمًا في نظرهم وفق تصوّرهم الأخلاقي للشريعة الإسلامية.
وقد خالف هذا الموقف عددٌ قليل من العلماء التقليديين هناك. غير أن الذين وُصفوا بـ«العلماء السياسيين» – وهم خريجو المدارس الدينية المنخرطون علنًا في النشاط المناهض للفصل العنصري – كانوا في الغالب من صاغوا لاهوتًا سياسيًا إسلاميًا يتمحور حول العدالة ومستقبلٍ غير قائم على التمييز العرقي في جنوب أفريقيا.(3) وعلى الرغم من أننا كنّا جزءًا من الأغلبية السوداء المقاومة، فإننا كثيرًا ما تعرّضنا للتهميش والانتقاص من قبل الهيئات العلمية المهيمنة. ومع مرور الوقت، أعادت كثير من هذه الهيئات صياغة ذاكرتها العامة لتلك الحقبة؛ فجرى انتقاء الأرشيفات بعناية، وتلطيف السرديات، وإقامة تحالفات جديدة مع القيادة السياسية لجنوب أفريقيا الديمقراطية. غير أن السجل التاريخي يشهد على واقع أكثر التباسًا من صورة الانتصار المجرّد.
ثم عُيّنت محاضرًا مبتدئًا في جامعة كيب تاون. وقد أتاح لي هذا المنصب متابعة مسارين كان لهما أثر حاسم في حياتي. أولهما كتابة أطروحة الدكتوراه حول المفكر المسلم في القرن الحادي عشر: الإمام أبو حامد الغزالي (ت 505هـ/1111م). وثانيهما فرصة التفكير والكتابة والتحدث عن السياسات التحررية من داخل إطار أخلاقي إسلامي، في سياق كانت تهيمن عليه المراقبة والمضايقات والاحتمال الدائم – وإن كان بعيدًا في حالتي – للاعتقال أو السجن. لقد كانت المضايقات والترهيب والتنصت على هواتفي من قبل أجهزة الأمن التابعة لنظام الفصل العنصري أمورًا اعتيادية. وكان نشاطي ملتزمًا بالمقاومة السلمية، إلا أن أجواء الخطر كانت ملموسة بوضوح.
أما الانتقال إلى الديمقراطية عام 1994، فعلى الرغم من الاحتفاء به بوصفه انتصارًا تاريخيًا، فقد حمل معه اضطرابًا عميقًا وحادًا. ففي الفراغ الذي نتج عن هشاشة النظام القانوني والآلام النفسية المصاحبة للتحول السياسي، بدأت قوى انتهازية تغذيها مظالم قديمة بالظهور. ومن بينها جماعة أهلية يغلب عليها المسلمون تدعى: PAGAD
(People Against Gangsterism and Drugs)
الناس ضد العصابات والمخدرات.
وكان بين صفوفها العديد من تجار المخدرات والمدمنين السابقين.(4) وقد غلّفت هذه الجماعة نزعتها إلى السيطرة بلغة الإصلاح الأخلاقي. وبينما زعمت”باغاد” أنها تستهدف «سمّ» تجارة المخدرات، كانت لغتها الحقيقية لغة الإرهاب السياسي. وبالنسبة لكثير من النشطاء الساخطين، الذين شعروا بالمرارة من التسويات الضرورية التي أبرمتها حكومة نيلسون مانديلا مع الأقلية البيضاء، قدّمت «باغاد» منفذًا جاهزًا ومغريًا لتفريغ غضبهم. وقد استغلّوا الإهمال المزمن الذي عانت منه الأحياء الفقيرة ليطلقوا موجة من الرعب حوّلت مدينة كيب تاؤن إلى مسرح للفوضى والعنف.
أما نقطة التحول بالنسبة إليّ، فلم تكن إدراكًا نظريًا مجردًا، بل تجربةً وجدانية عميقة: فقد قُتل أحد المصلين في المسجد الذي كنت أخدم فيه أثناء اشتباك مع الشرطة عندما نظّمت جماعة «باغاد» مواجهةً في منطقة الواجهة البحرية بمدينة كيب تاون. وحين حاولت حشد الأصوات المدنية لمواجهة هذا المرض المتمثل في العنف، لم أعد مجرد مراقب للأحداث، بل أصبحت هدفًا لها. وفي يوليو/ تموز 1998، وصلت الحقيقة البشعة لهذه الحملة إلى عتبة منزلي؛ إذ أصبح بيتي الموقع الرابع والخمسين الذي تعرّض لهجوم ضمن حملة منظمة من الترهيب والتخويف.(5)
المنفى الاختياري، والنظرية، والغزالي
أتاحت الظروف — أو لعلها اليد الخفية للعناية الإلهية — فرصة مؤقتة للابتعاد في الولايات المتحدة. وما كان يُفترض أن يكون استراحة قصيرة سرعان ما تحول إلى فصل جديد في حياتي. فقد وفّرت لي سنواتي في جامعة استانفورد المسافة اللازمة لإنجاز مشاريع علمية طال تأجيلهابسبب التوترات الداخلية في الوطن. وكانت المؤسسات الأكاديمية الأمريكية آنذاك ملاذات فكرية راسخة، فضاءات يمكن فيها لتبادل الأفكار الجاد والصارم أن يجري بعيدًا عن صخب الاستقطاب الحزبي. وقد أتاحت لي الجامعة الأمريكية فرصة صقل أعمالي العلمية والتفاعل مع طلاب متحمسين ولامعين من مختلف المشارب، كما وفّرت لي منصة عامة ذات امتداد عالمي.
ومن ثمّ، فإن ما يثير القلق أكثر هو أن التدخل الحكومي اليوم والرقابة الذاتية التي تمارسها إدارات الجامعات قد عرّضا للخطر مؤسسات كانت يومًا موضع إعجاب العالم وغبطته. ولم يكن انتقالي إلى الولايات المتحدة مجرد تغيير في الموقع الجغرافي، بل كان دعوة إلى معايشة المخاطر الخلّاقة التي تكتنف حياة الغريب. ففي هذا الفضاء الجديد المألوف في غرابته، وجدت إمكانية للتجدد لا تتاح إلا عندما يُجرَّد الإنسان من اطمئنان الانتماء المريح.
ولعلّ أحدًا لم يعبّر عن هذه الحالة المؤلمة الحلوة بمثل ما عبّر به الشاعر العباسي حبيب ابن أوس أبوتمام الطائي(ت 231هـ/845م)،
إذ كانت أبياته بمنزلة تصديق صامت لتجربتي في المنفى الذي اخترته لنفسي، وفي الوقت نفسه تحديًا عميقًا لها؛ صدىً للغربة، ذلك الاغتراب العريق الذي طالما ردّده الشعراء والعلماء والمتصوفة عبر العصورمعبراً عن ذلك الشعور القديم بالانفصال،(الغربة). والابتعاد عن المألوف، الذي ظل موضوعًا متكررًا في أدب الشعراء وتأملات العلماء وتجارب أهل التصوف.فيقول الشاعر:
وطولُ مقامِ المرءِ في الحيِّ مُخْلِق
لِدِيباجَتَيْهِ فَاغْتَرِبْ تَتَجَدَّدِ
فإنّي رأيتُ الشمسَ زيدتْ محبّةً
إلى الناسِ أن ليستْ عليهم بسرمد(6)
ومفهوم البيتين:
أنَّ الإقامةَ الطويلةَ بينَ القومِ تُبلي المرءَ وتُضعفُ بريقَه،
فتبدأُ ديباجةُ شخصيّتِه في التآكلِ والاهتراءِ؛ لذلك اغتربْ تجدِّدْ نفسَك. فقد رأيتُ أنَّ الشمسَ تزدادُ محبّةً في قلوبِ الناس، لأنها لا تظلُّ فوقَهم على الدوام.
وقد ازداد اهتمامي السابق بمختلف النظريات الفكرية، وما بعد الحداثة، والتفكيكية، ونقد الحداثة عمقًا واتساعًا. فقد زعزعت هذه التيارات الفكرية كثيرًا من المسلَّمات التي كانت تبدو يومًا ما بديهية لا تقبل الجدل. وأصبحت الأفكار التي كان يُحتفى بها سابقًا بوصفها أدواتٍ للتحرر موضعَ مراجعةٍ ونقد. كما لم تعد الحداثة تبدو حلًّا للمشكلات بقدر ما بدت ميدانًا مليئًا بالتناقضات والصراعات والتجاذبات الفكرية.
تجسّد هذا التلاقي الفكري(7) في فترة شغلي في جامعة ديوك، حيث حصلتُ لاحقًا على التثبيت الأكاديمي، حين صدر أول مؤلف علمي لي بعنوان “الغزالي وشاعريّة الخيال”في ذلك الزمان.
تناول الكتاب كيفية تحوّل المفاهيم والتواريخ والهواجس الأخلاقية وتبدّلها داخل البيئات الفكرية المتغيّرة. ووجدتُ نفسي أتساءل: كيف تعامل الغزالي مع الصراعات الفكرية، والمعضلات، والمآزق المعرفية في سياق القرن الخامس وأوائل القرن السادس الهجري (الحادي عشر وأوائل الثاني عشر الميلادي)؟ وكيف استطاع أن يتنقّل بين علم الكلام، والفقه، والقانون، والفكر السياسي، والفلسفة، والتصوف، من غير أن يقع في التشتّت والتفكك؟ وفي تدخلاته المتعددة الأبعاد عبر مختلف الحقول المعرفية، رأيتُ نموذجًا للمرونة الفكرية؛ نموذجًا متجذرًا في التراث، لكنه في الوقت نفسه قادر على الاستجابة للأزمات والتحديات.
ومع مرور الوقت، أدركتُ أن الأسئلة العميقة التي أحرقت روح الغزالي لم تكن مرتبطة بظروفه التاريخية وحدها، بل كانت أسئلتي أنا أيضًا وأسئلة كثيرين من أمثالي: كيف يمكن للإنسان أن يعيش إيمانه في عالم تعددي ومعولم؟ وما معنى الخلاص في ظل الظلم التاريخي؟ وكيف يمكن التفكير في العدالة الجابرة للضرر في عالم ما تزال تطبعه آثار الاستعمار وبُناه المستمرة؟ وكيف تعيد المعارف الجديدة تشكيل الذات؟ وإذا كانت هذه المعارف تعيد بالفعل تشكيل الإنسان ــ كما يحدث حتمًا ــ فما الرهانات الأخلاقية والوجودية المترتبة على ذلك؟
اللاهوت السياسي، والتقليد، والريبة: العودة إلى المدرسة الدينية
بعد ربع قرن من مغادرتي المدارس الدينية (المدارس الشرعية) في الهند، عدت إليها مرة أخرى عام 2005، ولكن هذه المرة بصفتي باحثًا أكاديميًا، وفي عالم تغيّر جذريًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. كنت قد عدت لأكتب كتابي ما هي المدرسة الدينية؟(8)
وقد أعادني هذا المشروع إلى الجذور التي تشكّل فيها تكويني الفكري والروحي. كما جدّد اهتمامي بدراسة جوانب من الإسلام في جنوب آسيا كنت قد تجاهلتها طويلًا، أو حتى هجرتها، مما أتاح لي أن أقدّر إسهاماتها بتقدير جديد وعميق. غير أنني عدت إلى المدرسة الدينية بعينين مختلفتين: عينين صاغتهما التجربة السياسية، وهذبتهما المراجعة الأكاديمية النقدية، وجعلتهما يقظتين تجاه النقاشات العالمية حول الإسلام.
لم تكن هذه العودة حنينًا إلى الماضي، ولا مسارًا مستقيمًا وبسيطًا. بل تبلورت من خلال توترٍ بين الميراث والتساؤل، وبين الوفاء والنقد. وما نتج عن ذلك لم يكن تأكيدًا ساذجًا للمدرسة الدينية، ولا استسلامًا كاملًا للتشكيك الأكاديمي العلماني، بل كان تلاقحًا تدريجيًا بين نمطين من المعرفة: سلاسل التعلّم المتجسدة التي شكّلت سنواتي الأولى، والعادات النقدية التي اكتسبتها في الجامعة الحديثة. لقد كانت محاولة لإعادة الانخراط في النصوص التراثية، لا بصفتي خرّيج عام 1981، بل بصفتي باحثًا يتمتع بحسّ فكري ناضج ومصقول وآمل أيضًا، تواضعًا اكتسبته بشق الأنفس.
إن المحاولة التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر لتدمير مصداقية المدرسة الدينية كانت في جوهرها محاولة لإعادة تشكيل المجتمعات المسلمة بحيث تصبح انعكاسًا سياسيًا ولاهوتيًا للغرب. فاللاهوت السياسي في الغرب هو تركيب من أوهام متمركزة حول المسيح وأفكارعلمانية؛ أي من بُنى ذهنية متفرعة عن هذين التيارين الفكريين الرئيسيين.(9) أما في المجتمعات المسلمة، فإن تركيب اللاهوت السياسي مختلف، وما يزال يعاد تشكيله بفعل الكوارث والتحولات العالمية الكبرى التي شهدها القرنان أو الثلاثة قرون الماضية.(10) ولهذا السبب يظل النقاش حول «التقليد» واحدًا من أكثر القضايا حساسية وإثارة للجدل في الخطابات الإسلامية حول العالم.
وما عجزت قرونٌ من الاستعمار عن تحقيقه، جرت محاولة تحقيقه الآن تحت شعارمكافحة التطرف العنيف (CVE)
وهو إطار سياسي أصبحت فيه المدرسة الدينية الهدفَ الرئيس. وقد وفّر هذا الإطار تبرئة هادئة للقوة الإمبريالية عبر الخطابات الإعلامية والتقارير السياسية. فأُعيد توصيف التدخل العسكري الغربي على أنه إصلاح، وأصبحت المراقبة الأمنية تُسمّى حمايةً للأمن، وأُعيدت تسمية الاحتلال بـ«تحقيق الاستقرار». ولم تعد المؤسسات الإسلامية تُنظر إليها بوصفها مختلفة فحسب، بل جرى تصويرها باعتبارها مؤسسات مريضة بطبيعتها. وكانت الرسالة الضمنية واضحة لا لبس فيها: لا يمكن إنقاذها إلا من خلال الوصاية الثقافية الغربية.
وفي هذا التصور أصبحت المدرسة الدينية رمزًا لما يُزعم أنه فشلٌ حضاري. فاختُزلت تقاليدها العريقة الممتدة قرونًا في الانضباط النصي، والجدل الفقهي، والتكوين الأخلاقي، إلى مجرد صور كاريكاتورية مشوّهة. بل إن مفهوم المعرفة المنقولة نفسه — أي سلاسل التعلّم التي تربط الطالب بالمعلم عبر الأجيال — أُعيد ترميزه بوصفه نوعًا من التلقين الأيديولوجي. وتُرجمت لغة التقليد إلى لغة التهديد والخطر.
ولم تقتصر آثار هذا التحول على الخطاب الإعلامي، بل امتدت إلى السياسات العامة، وأخضعت البحث العلمي لمنطق الأمن، وألقت ظلال الشك على مجتمعات بأكملها. وأصبح الفكر الإسلامي مضطرًا إلى الدفاع عن حقه في الوجود قبل أن يُتاح له التعبير عن مضمونه. كما وُضعت منظومة تربوية كانت موجّهة في الأصل إلى تهذيب الذات أخلاقيًا وتنمية القدرة على الاستدلال الفقهي ،تحت ظلال مكافحة الإرهاب.
فماذا كان ينبغي فعله؟Top of Form
(للحديث صلة…)
المراجع:
1-Jessica Stern, “Mind Over Martyr: How to Deradicalize Islamist Extremists,” Foreign Affairs 89, no. 1 (2010): 95–108; Jessica Stern, “Pakistan’s Jihad Culture,” Foreign Affairs 79, no. 6 (2000).
2-Fazlur Rahman, Islam, 2nd ed. (University of Chicago Press, 1979); Fazlur Rahman and Ebrahim Moosa, Major Themes of the Qur’an, 2nd ed. (University of Chicago Press, 2009). See also Ebrahim Moosa, “Rahman, Fazlur,” ed. John Barton, in Oxford Research Encyclopedia of Religion (Oxford University Press, 2024), oxfordre.com.
3-See Farid Esack, Qur’an, Liberation & Pluralism: An Islamic Perspective of Interreligious Solidarity Against Oppression (Oneworld Publications, 1997); Ebrahim Moosa, “Muslim Conservatism in South Africa,” Journal of Theology for Southern Africa 69 (1989): 73–81.
4-Ebrahim Moosa, “People Against Gangsterism and Drugs (PAGAD),” in The Oxford Dictionary of Islam, ed. John L. Esposito (Oxford University Press, 2003).
5-The group responsible for the attack, PAGAD (People Against Gangsterism and Drugs), was a motley group of rehabilitated drug dealers and users joined by political foes of the ruling African National Congress government who exploited the pains of political transition. See Ebrahim Moosa, “Nār: Fire and On Being Human,” Critical Muslim 57 (Winter 2026): 34–53, esp. 36–38; See Moosa, “People Against Gangsterism and Drugs (PAGAD)”; Keith Gottschalk, “Vigilantism v. The State: A Case Study of the Rise and Fall of Pagad, 1996–2003,” in The Coming African Hour Dialectics of Opportunities and Constraints, ed. Luc Sindjoun (Africa Institute of South Africa, 2010), 139–57; Ebrahim Moosa, “In-Between Places,” Men’s Health, 2010, ebrahimmoosa.com.
6-ʿAbd al-Qāhir ibn ʿAbd al-Raḥmān ibn Muḥammad al-Jurjānī, Kitāb asrār al-balāgha, ed. Muḥammad Rashīd Riḍā (Dār al-Ghadd al-Jadīd, 1439/2018), 135, aldiwan.net.
7-Ebrahim Moosa, Ghazali and the Poetics of Imagination (University of North Carolina Press, 2005).
8-Ebrahim Moosa, What Is a Madrasa? (University of North Carolina Press, 2015).
9-Mark Lilla, The Stillborn God: Religion, Politics, and the Modern West (Knopf, 2007).
10-Amr G. E. Sabet, Islam and the Political: Theory, Governance and International Relations, Decolonial Studies, Postcolonial Horizons (Pluto Press, 2008). For more historical context, see Ovamir Anjum, Politics, Law and Community in Islamic Thought: The Taymiyyan Moment (Cambridge University Press, 2012).Top of Form
* نبذة عن الكاتب
أستاذنا الكريم البروفيسور إبراهيم موسى محاضر ومدرس وكاتب ومفكر إسلامي مقيم في أمريكة اليوم، ينتمي إلى الأفريقية الجنوبية، تعلم في مدارس عربية أهلية هندية وتخرج في جامعات غربية ،وهو الآن:
أستاذ كرسي عائلة ميرزا للفكر الإسلامي والمجتمعات المسلمة في جامعة أمريكية نوتريديم حيث يتولى إدارة مبادرة مبادرة “الحداثات المتنافسة” له كتاب شهير”الغزالي وشاعريّة الخيال” منح جائزة عليه. وكتاب: ما هو المدرسة؟ ومن أحدث مؤلفاته كتابه الصادر عن جامعة كمبردج :اللقاءات اللاهوتية الإسلامية مع العلم”
ضمن سلسلة «كامبريدج إليمِنتس» الصادرة عن مطبعة جامعة كامبريدج، عام 2026م.