انتقل إلى المحتوى

‘التعليم’ أم الحركة: دراسة تحليلية (الحلقة الثانية)

بقلم: الأستاذ محمد ذكوان الندوي / ترجمة إلى العربية: أ. عثمان فاروق العربية

النموذج الحديث للحركات

الأحبارية والرهبانية التي ظهرت بعد القرون المشهود لها بالخيرية، وكانت سببًا عمليًّا في الإبعاد عن هذا المنهج القرآني القائم على ’التعليم‘،ليست داخلة في مدلول ذلك التعليم. أما هذه الأدبيات، فقد ورد بشأنها في بعض الأحاديث النبوية الإخبار عن ظاهرة انتشارها؛ كما في قوله ﷺ: “… وظهور القلم” (مسند أحمد:٣٨٧٠)، وفي رواية أخرى: “… وفُشُوُّ القلم”. (الأدب المفرد، البخاري: ٨٠١). والمقصود بذلك كثرة المؤلفات وانتشار الكتابة وتزايد أعداد الكتّاب بعد عصر النبوة. (“فإنه أراد ظهور الكتاب وكثرة الكُتّاب”. التمهيد، ابن عبدالبر: ٢٩٧/١٧)

ومن ثمّ، فإن أبرز ما أفرزه هذا المنهج القائم على الأدبيات الدينية والحركات الحديثة في الواقع العملي كان الابتعاد عن كتاب الله، وشيوع ظاهرة تقديس الأشخاص والتحزب. فلم تُثمر هذه الحركات في الغالب الصفات الإيمانية والأخلاقية المنشودة، بل إن أبسط القيم الإنسانية والأخلاق الأالإسلام دين الله، وليس في حقيقته بالمعنى الحديث حركةً ولا مشروعًا رساليًّا. فهو يدعو الإنسان إلى أن يسلِّم نفسه لله تسليمًا كاملًا، وأن يفيء إليه بفكره وعمله وسائر شؤون حياته، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤].

وأما كلمة (Mission) فقد شاعت استعمالها في العصر الحديث في ميدان التعليم الديني والتربية والتذكير والدعوة. وقبل ذلك كان يُستعمل في معناه الديني المسيحي (Mission Dei)، وقد بدأ تداوله في ظل الكنيسة المسيحية منذ القرن السادس عشر الميلادي.

والمهمة (Mission) في الغالب ذو وجهة خارجية أكثر من كونه ذا وجهة داخلية؛ ومن ثمَّ فإن هذه الازدواجية النفسية التي عبّر عنها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يمكن أن تُلحظ في كثير من العاملين في الحركات والبعثات الرسالية، إلا من شاء الله.

وينبغي التنبيه إلى أن الفكرة أو الدعوة إذا اتسع انتشارها بطبيعتها، فتحوّلت نتيجة ذلك إلى حركة من الحركات، فليس هذا هو المقصود بالبحث هنا. وإنما المراد بـ’الحركة‘ ذلك المظهر الحديث الذي يُعرف في عصرنا باسم ’المهمة‘ (Mission) أو ’الحركة‘ (Movement)، أي الشروع في نشر فكرةٍ أو دعوةٍ ما وفق نموذج ’الحركات الحديثة‘، بدلًا من المنهج الفطري والنبوي القائم على التعليم.

وقد شاع هذا النموذج المعاصر للحركات في العالم الإسلامي خلال العصر الحديث، بعد وقوعه تحت وطأة الاستعمار الغربي، على سبيل ’المضاهاة‘، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ضَاهَؤُوا قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة: ٣٠]. أما قبل ذلك، فقد ظل العلماء والدُّعاة يؤدّون مهمة الدعوة والتربية في الغالب من خلال هذا المنهج الفطري القرآني، أعني منهج ’التعليم‘.

فكانوا، اقتداءً بأسوة الرسول ﷺ، يجلسون في ركن من أركان المسجد، ويضطلعون بهذه المهمة في بساطة وإخلاص وفاعلية. ومن ثمّ فإن جميع الجامعات الكبرى والمؤسسات العلمية العريقة، من صُفّة النبي ﷺ إلى جامعة القرويين (المغرب)، والجامع الأزهر (مصر)، وجامع سنكوري (أفريقيا)، ودار العلوم ديوبند (الهند)، قد نشأت بداياتها في رحاب المسجد.

ومن خلال المقارنة بين بركات تلك المرحلة، وبين ما أفرزته المرحلة الحركية المعاصرة والعصر المؤسسي الحديث من ثمار، يستطيع صاحب العلم والبصيرة أن يدرك الفارق بين نتائج كلتا التجربتين إدراكًا واضحًا. ففي ذلك الزمن لم تكن هذه المؤسسات الحديثة موجودة، غير أن الرجال كانوا أحياءً في علمهم وإيمانهم وأخلاقهم. أما اليوم، فعلى الرغم من كثرة المؤسسات وتنوعها، فقد قلَّ وجود أولئك الرجال، كما لم يعد المستوى المنشود من العلم والأخلاق متحققًا إلا في أفراد قلائل، إلا ما شاء الله.

ولذلك جاء في الأثر ما يشير إلى هذه الحال؛ فقد روى زيد بن وهب التابعي (المتوفى: ٨٣ هـ) قال: سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول:

“لا يأتي عليكم يوم إلا وهو شر من اليوم الذي كان قبله حتى تقوم الساعة، لست أعني رخاء من العيش يصيبه، ولا مالا يفيده، ولكن لا يأتي عليكم يوم إلا وهو أقل علما من اليوم الذي مضى قبله، فإذا ذهب العلماء استوى الناس، فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، فعند ذلك يهلكون”.(فتح الباري: ٧٠٦٨)

ومن ثمّ، فإن السنة القائمة التي جرى عليها النبي ﷺ في هذا الشأن كانت الاقتصار على تأسيس مؤسسة المسجد (أبو داود: ٢٨٨٥). فقد كان المسجد هو المركز الذي تدور حوله جميع الأنشطة والفعاليات، ومن خلاله وقع ذلك التحول العظيم الذي غيّر وجه التاريخ. وهذه السنة القائمة هي أساس كل رُشد وصلاح، كما أن مخالفتها تمثل الأساس الذي تنشأ عنه ألوان الفساد والاضطراب.

المنفعة ليست معيارًا

وقد يقع بعض الناس في الالتباس بسبب ما يرونه من فوائد بعض الحركات أو المؤسسات الحديثة ومنافعها. غير أن مما ينبغي إدراكه أن المعيار في دين الله هو القرآن والسنة، لا مجرد المنفعة أو التقدم والنجاح الظاهر. فالمنفعة قد توجد حتى في بعض المحرمات؛ كالخمر والميسر، ومع ذلك لم يجعلها الشرع معيارًا للحكم عليها. بل جاء بيان القرآن الكريم صريحًا في ذلك:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩]

منهج الدعوة والتربية القائم على الأدبيات

وفي العصور اللاحقة، وعلى خلاف هذا التوجيه القرآني، شاع أسلوب حديث يقوم على الأدبيات (Literature-based) بدلًا من ’التعليم‘ عن طريق تلاوة الآيات. وينبغي التنبيه إلى أن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ على هذا النوع من الأدبيات (Literature) ليس استدلالًا صحيحًا؛ لأن الآية خاصة بعلم الوحي، أي الكتاب والسنة. وقد قال تعالى: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]

ثم إن القرآن قد حدّد هنا المادة التعليمية والمعلم معًا تحديدًا واضحًا، فبيّن أن الذي أُعطي للنبي ﷺ أصلًا هو تعليم القرآن، وأن هذا التعليم قد تولاه الله الرحمن نفسه، لا أي فرد آخر، كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١-٢]

ومن ثمّ، يتبين بالتدبر أن الأدبيات الدينية والحركات الحديثة في الواقع العملي كان الابتعاد عن كتاب الله، وشيوع ظاهرة تقديس الأشخاص والتحزب. فلم تُثمر هذه الحركات في الغالب الصفات الإيمانية والأخلاقية المنشودة، بل إن أبسط القيم الإنسانية والأخلاق الأولية كادت أن تغيب، على الرغم من كثرة الحديث عن الإنسانية، وخدمة الخلق، و’الأخلاق أحادية الجانب‘. أما ما تحقق من فوائد في إطار هذه الحركات، فقد كانت، بالمقارنة مع التربية النبوية والقرآنية المباشرة، أشبه بما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.

ذلك أن هذه الحركات صاحبتها كذلك فِتنٌ شديدة، من أبرزها السعي إلى الشهرة، والتنافس على المناصب، والنزعة المادية، وتفاقم الخلافات، وإيجاد صورة جديدة من التحزُّب الديني داخل الأمة. ولا شك أن هناك استثناءات على مستوى الأفراد، غير أنه إذا نُظر إلى هذه الظاهرة في مجموعها، بدا أن هذه الآثار السلبية قد أضعفت إلى حدٍّ كبير ما كان يُذكر لها من فوائد ومحاسن.

وفي هذا السياق، يجدر التأمُّل في الأثر الذي رواه الدارمي في سننه:

“عن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا. قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمّة المضلّين.” (سنن الدارمي: ٢٢٠)

وخلاصة القول أن هذه التفسيرات جميعها، وإن كانت تشتمل على قدر من الصواب الجزئي، أو على ما عبّرت عنه الأحاديث بكلمة ’دَخَنَ‘ (صحيح مسلم: ١٨٤٧)، فإنها لا تمثل التفسير الحقيقي للإسلام. ويرجع ذلك إلى محدودية الإنسان؛ إذ ينشأ في هذه التفسيرات دائمًا نوع من التركيز والتأكيد على جوانب معينة دون غيرها، فينتج عن ذلك تفاوت في ترتيب المقاصد وتحديد الأولويات. وهذه حقيقة نفسية؛ ذلك أن الإنسان إذا نظر إلى الشيء من زاوية مخصوصة، تشكّل وعيه تبعًا لها، حتى لا يكاد يرى فيه إلا ما اعتاد النظر إليه. وعندئذٍ يبدو له القرآن كله وكأنه لا يتحدث إلا عن تلك التفسيرات التي تبناها. وتدلّ الوقائع على أن سائر مقاصد الإسلام ومطالبه، خارج إطار المفاهيم التي تركز عليها هذه التفسيرات، تبدأ أولًا بالتراجع إلى مرتبة ثانوية على المستوى الفكري، ثم تنتهي عمليًّا إلى الغياب من حياة الإنسان غيابًا شبه تام.

(يُتبع …)

  1. 1. رئيس تحرير مجلة "إشراق" الإسلامية الشهرية الأردية، الصادرة عن مؤسسة المورد، الهند.