وكانت قبيلة عبس التي ينتمي إليها عنترة تعالى من غزو قبيلة طئ حتى كادت أن تسلب خيراتِها و تدور عليها الدوائر، فطالب عنترةَ أبوه أن يخوض المعركةَ الدائرةَ بينهما، بيد أنَّ الآخرَ رفض الطلب بالقول: “لا يحسن العبد الكرّ إلا الحلاب والصر”، فما كان من أبيه إلا أن يمنحه اعتباره صائحا به ” كر وأنت حرٌّ”، فهاجم و قاتل في الحرب الطاحنة و هو ينشد:2
أنا الهجين عنترة كل امرئ يحمي حره
أسوده و أحمره و الشعرات المشعرة
فيمكن القول بأن عنترةَ لم يحصل على حرّيته إلَّا بعد شقِّ النفس و بذل المجهودات والتضحيات مما تخلص من أصله الحقير، وأصبح بطلا ممدوحا في عبس.
المقاومة في العصر الإسلامي:
في عصر الإسلامي أخذ شعر المقاومة بُعدًا جديداً؛ فالشاعر لا يقاتل عن أحساب و أنساب ولا عن قوة و مال، بل هو يقاتل و يُدافع عن عقيدة اقتنع وآمن بها، فيُضَحِّي بنفسه في سبيلها، ويُجَرِّد سيفَه و قلمه من أجل نصرتها. وخير من يُمثل شعراء المقاومة في تلك الفترة، الشاعر عبد الله بن رواحة – رضي الله عنه -، كان ثابتَ العقيدة مخلصا في إيمانه، ولعلَّ قمة هذا الإخلاص تمنية الشهادة حينما بعثه النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – في الجيش الخارج إلى موته، وقد حقَّقَ الله لابن رواحة ما تمنَّاه، فقاتل فى مؤتة حتى استُشْهِد، وهو مقابل غير مدبر مُنْشِداً:3
يا نفس إلا تقتلي وتموتي
هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت
إن تفعلي فعلها هديت
في العصر الراشدي:
استمرّت الحياة على انماطها في هذا العصر، وظلّ الشعر على ما كان عليه من حيث الدوافع لقوله، ومن حيث العصور والأخيلة، ومن حيث الصياغة والمفردات والأساليب بصورة عامة، وحين تأجّجت حروب الردّة ظهرت حماسة دينيَّة، يهتف بها الحاربون من المسلمين، كما كانت هناك نماذج رفيعة، وأساليب بليغة لشعراء العصور الإسلامية المختلفة، وكان من الطبيعيّ أن يظلّ هذا الغرض الجاهلي قائما في العصر الإسلامي، ففاضت قرائح شعراء الرسول – صلى الله عليه وسلم – بحماسيات تصوّر غزواته، وتعبِّر عن فخر الشاعر المسلم بشجاعته.
في العصر الأموي والعباسي:
يرتفع الصوت الشعري عاليا في هذين العصرين، ويلعب الشعراء أدوارا هامة في المعارك التي خاضها العرب المسلمون في أرجاء المعمورة برّاً و بحراً، وهناك الشعراء الذين رفضت أحاسيسهم جورَ بعض الخلفاء و وُلاتهم، فقد شايعوا غالبية الشعب، فخرجوا على الدعة و زهدوا بالمكسب الفرديّ الدنيويّ، وكان صوتهم هو الأعلى في صفوف المعارضة.
وتتالى العصور ويأتي العصر العباسي و تكثر الأحزاب السياسية، و يتعاظم دورها و تلجأ إلي السلاح لتحسم أمرَها مع الحاكم، ويكون لكل حزب شعراؤه، ولا تكاد تخلو قصيدة صاغها أولئك إلَّا وفيها تمجيد للبطولة و الشهادة و الإخلاص للمبدأ.
ونري هذه النماذج في قصيدة “قطري بن الفجاءة” – الشاعرالخارجي العربي في العصر الأموي -، وكان خطيبا وفارسا وشاعرا، استفحل أمره في زمن مصعب بن الزبير لما وُلِّيَ العراقَ نيابةً عن أخيه عبد الله الزبير رضي الله عنه، وبقي “قطري” ثلاث عشرة سنة يقاتل ويسلِّم عليه بالخلافة وإمارة المسلمين، والحجاج بن يوسف يُسَيّر إليه جيشا بعد جيش، وهو يردُّهم ويظهَر عليهم، وهو صاحب الأبيات المشهورة:4
أقول لها وقد طارت شعاعا
من الأبطال ويحك لن تراعي
فإنك لو سألت بقاء يوم
على الأجل الذي لك لم تطاعي
فصبرا في مجال الموت صبرا
فما نيل الخلود بمستطاع
ولا ثوب البقاء بثوب عز
فيطوى عن أخي الخنع اليراع
سبيل الموت غاية كل حي
فداعيه لأهل الأرض داعي
ومن لا يعتبط يسأم و يهرم
وتسلمه المنون إلي انقطاع
وما للمرء خير في حياة
إذا ما عدّ من سقط المتاع
شاعرات المقاومة:
ولم تكن النساء الشواعر ببعيدات عن هذا الجوء، بل كان النَّص الأنثوي يتماهى مع النص الذكري في هذا المجال، وقد ظلَّ المقاتلون وهم في حمأة المعارك يردِّدُون قصائدَ الخرنق واطمئناتها لمآل الشهداء، تقول “أم حكيم” وهي تقاتل:5
أحمل رأسا قد سئمت حمله
و قد مللت دهنه و غسله
ألا فتى يحمل عني ثقله
في العصر الحديث:
أما في العصر الحديث فقد ازدهرت الصحافة الإسلامية، وتعددت الجامعات الدينية، وكثرت الندوات الإسلامية في كل بلد إسلامي واعيةً إلى محاربة الاستعمار، والخلاص من أيدي الاحتلال، فنشأ المخلصون من الشعراء إلى إذكاء روح الجهاد، والعمل على إيقاظ الهمم، والاحتفال بالأمجاد، وفي عصرنا الحديث إنما اُبْتُلِيَت أمَّتنا العربية بالاستبداد إبان الاحتلال العثماني لبلادنا العربية، وبالاستعمار الغربي والصهيوني الاستيطاني قام الشعراء بمقاومة أساليب الاستعمار، وفضح جرائمهم، وحظ الشعب على مناهضة الطغاة والمستعمرين المستبدين، وتاكيد الإرادة الحياة والصمود، وتمجيد الشهادة والشهداء، والتشبث بالأرض والجذور، وتعزيز الوحدة الوطنية، والتفاؤل بالنصر على الأعداء.
وتجدر الإشارة إلى أن شاعر المقاومة الحقيقي يعلم يقينا أن الكلمة في بساطتها و تواضعها هي سلاحه، ولكن عينها في نقائها وصفائها وصوريتها وصدقها سلاح فعال.
1- فالشاعر المعاصر المقاوم يُدافع عن الهويَّة وإثبات الذات العربية، يقول الرصافي:6
وتجمعنا جوامع كبريات
و أولهن سيدة اللغات
ويقول حليم دموس:7
لغة اذا وقعت على أسماعنا كانت لنا برداً على الأكباد
ستظل رابطة تؤلف بيننا فهي الرجاء الناطق بالضاد
2 – ويقوم الشاعر المعاصر بفضح جرائم الطغاة والمستعمرين. يصوِّر الشابي في وجه المستبدين قائلاً:8
ألا أيها الظالم المستبدّ
حبيبَ الفناء عدوّ الحياة
سخّرت بأنات شعب ضعيف
وكفّك مخضوبة من دماه
ورحت تُدنِّس سحر الوجود
وتبذر شوك الأسى في رباه
3 – ويحثّ الشعبَ على مناهضة الطغيان: لقد دعا المفكر العربي عبد الرحمن الکواکبي أبناءَ الأمة العربية إلى الثورة ضدّ الاستبداد العثمانی مستنكرا عليهم الخصوعَ، ومذكرا لهم بأن النبات يطلب العلو وهم يطلبون الانخفاض، وأن البهائمَ تودّ لو تنتصب قامتها، في حين أنهم من كثرة الخضوع كادت أيديهم أن تصیر قوائمَ.
وها هو الشيخ إبراهيم اليازجي يدعو أبناءَ قومه إلى اليقظة والثورة قائلا: تنبهوا، واستفيقوا أيها العرب! فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب.
ويرى الشاعر إيليا أبو ماضي أنّ الجهادَ هو سبيل الأمة في استرجاع فلسطين، إذ يقول:9
لا تقعدنّ عن الجهاد الى غد فلقد يجيئ غد وأنت غبار
أحبب بلادك باذلاً ومضحيا حبا به الإخلاص والإيثار
و دع المنافقَ لا تثق بوعوده وطن المنافق فضة ونضار
كم معشر خلناهم أنصارنا فإذاهم لعداتنا أنصار
4- تأبيد صريمة التحدي والصمود: لقد استخدم الطغاة مختلف الأساليب لكسر إرادة الشعب، وإجباره على التخلي عن إرادة الحياة.
الشاعر “الزركلي” يصوّر صمودَ المقاومين:10
سيموا الأذاة فلم يحنوا رقابهم
ذلاً ولا استسلموا والأنف مجدوع
زادوا العدة بأسياف محدبة
غرارها بشعار الحق مطبوع
ما أمضي الحق محجودا بمثل دم
كأنه لكتاب الحق توقيع
5- ويقوم الشاعر المعاصر بالتثبّت بالأرض وبالجذور. يقول بدر شاكر السياب:11
لأعرف أنها أرضي
لأعرف أنها بعضي
لأعرف أنها ماضي
لا أحياه لولاها
وأني ميت لولاه
أمشي بين موتاها
وأرض فلسطين هي جزء جسم الشاعر “محمود درويش” إذ يقول(12):
هذه الأرض جلد عظمي وقلبي فوق أعشابها يطير كنحلة
6- وأحيانا يمجّد الشهادةَ والشهداءَ، الشاعر القروي يقول في شهداء:13
خير المطالع تسليم على الشهداء
أذكى الصلاة على أرواحهم أبدا
فلتَنْحَنِ الهام إجلالاً وتكرمة
لكل حر عن الأوطان مات فداء
في هذه السطور قدم الباحث نماذج يسيرة حول المقاومة وتطورها في العصور المختلفة من بداية الخليقة حتى عصرنا هذا، فتدل هذه الكلمات على وجود المقاومة وأهميتها في الحياة الإنسانية، وعلى أنها توثّر على الحياة الإنسانية في كل أبعادها.
المراجع والمصادر
1- القرآن الكريم
2- المعجم الوسيط، مصر: القاهرة، مجمع اللغة العربية، ط 3، ج 2.
3- إبراهيم لقمان، ملامح المقاومة ضد الاستعمار في شعر محمد العيد آل خليفة: دراسة فنية، تركيا: قسطنطينية، ط 2006 / 2007.
4- براء أحمد: أدب المقاومة: الثورة – يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر، 13/08/2007.
5- وسام البصري: منتديات؛ طوبى للغرباء، 7/05/2010.
6- أنيس منصور: نحن أحفاد قابيل، صحيفة “الشرق الأوسط” ديسمبر 2006م، العدد 1052.
7- وليد مشوح: الشعر العربي المقاوم عبر التاريخ، صحيفة الرأي، 15/ 05/ 2007م.
8- وانغ آن تشيع: الشاعر الملحمي عنترة ومقاومته الشعرية، مجلة “فكر الثقافية” الإثنين 22 يناير 2024م.
9- الدكتور محمد عبد الحليم غنيم، شعراء حول الرسول، الطبعة الأولى، 2002م.
10- وليد قصاب: قطري بن فجاءة حياته وشعره، دبي: دار الثقافة، ط 1، 1993.
11- دعوة الحق؛ مجلة شهرية، تصدر عن وزراة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، العددان: 78 / 79.
12- ديوان الرصافي: تعليق و شرح؛ مصطفى علي: بغداد، وزارة الإعلام، 1972 – 1977.
13- ديوان حليم دموس، ديوان الشورى الحربي، مكتبة قطر.
14- الشابي: أبو القاسم؛ ديوان أبو القاسم الشابي ورسائله: بيروت: دار الكتاب العربي، ط 1994.
15- دكتور محمود السيد، مقالة؛ تجليات المقاومة في الشعر العربي المعاصر: مجمع اللغة العربية بدمشق 2008م.
- 1. الباحث بجامعة لكناؤ، لكناؤ، يوفي.
- 2. وانغ آن تشيع: الشاعر الملحمي عنترة ومقاومته الشعرية، مجلة "فكر الثقافية" الإثنين 22 يناير 2024م.
- 3. الدكتور محمد عبد الحليم غنيم، شعراء حول الرسول، الطبعة الأولى، 2002م، ص 109.
- 4. وليد قصاب: قطري بن فجاءة حياته وشعره، دبي: دار الثقافة، ط 1، 1993، ص 11 – 33.
- 5. دعوة الحق؛ مجلة شهرية، تصدر عن وزراة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية، العددان: 78 / 79.
- 6. ديوان الرصافي: تعليق و شرح؛ مصطفى علي: بغداد، وزارة الإعلام، 1972 – 1977.
- 7. ديوان حليم دموس، ديوان الشورى الحربي، مكتبة قطر،
- 8. الشابي: أبو القاسم؛ ديوان أبو القاسم الشابي ورسائله: بيروت: دار الكتاب العربي، ط 1994، ص 33.
- 9. دكتور محمود السيد، مقالة؛ تجليات المقاومة في الشعر العربي المعاصر: مجمع اللغة العربية بدمشق 2008م، ص 4- 6
- 10. المصدر نفسه
- 11. المصدر نفسه
- 12. 11 دكتور محمود السيد، مقالة؛ تجليات المقاومة في الشعر العربي المعاصر: مجمع اللغة العربية بدمشق، 2008م، ص 4- 6
- 13. المصدر نفسه.