انتقل إلى المحتوى

الكون كله يطوف حولكِ

الشاعر: محمد محمد السنباطي العربية

-1-

كسبيلٍ قديمٍ

تستقرين مكانكِ

على شطِّ ترعةٍ مقدسةٍ

بين الأرض والسماء

لا تراها العينُ…

أرفع الكوز إلى شفتي

فينزل الماءُ إلى قلبي

الذي يتلذذ متعبدًا…

فوقكِ سِدرةٌ هائلةٌ

أراها تحنو عليكِ

كأنكِ طفلتها الرضيعة

أم هي التي ترضع منك

نسغَها؟

أنتقي قطعة ظِلٍّ

أفرد عليها جسدي

لأقيل.

صفوفُ نخيلٍ

وسنديانٍ وجميزٍ

وتوتٍ

وسدرٍ وحسكٍ

ونباتاتِ ظلٍّ

كلها كلها

لا يتوقف لها طوافٌ

وأنا كمثلها أطوف

مع كوني ما أزال ملتصقًا

ببقعة الظلِّ

أقيل.

الكون كله يطوف حولكِ

وأنت راسخةٌ

كسبيلٍ قديمٍ

ينتظر مَن يَعطش

ويعرفُ مكان الكوز

ومكانته.

أيتها الكعبة التي

رفع قواعدها الأنبياء

وطاف حولها الأنقياء

وارتوى من زمزمها الأطهار

أسأل الله وأنا أطوف

أن أكون نقيًّا وطاهرًا

كماءِ السبيلِ

وظلِّ السدرةِ

الضاربةِ بجذورها في شطِّ

ترعةِ الإيمانِ.

-2-

تلك الكعبة السمراء المعطرة

المطرزة بالآيات

تجذبكَ إليها

وتطردكَ عنها

لتظلَّ أنيسَ حيرتك فيها

ترفع يدكَ لتسلمَ عليها

وأنت غارقٌ في دوامة الطواف

تناديها بقلبكَ

وتعرِّفُها بنفسكَ:

**

سيدتي وتاجَ رأسي

أنا واحدٌ من الذين

توجهوا إليكِ بصدورهم ووجوههم

مراتٍ كلَّ يوم

على مدار العمر

جئتكِ اليوم

ومعي امرأتي وابني

نحظى بأنسكِ

ونمتع الأنظارَ

أنتِ هنا تفاحة في عينِ جائعٍ

والمباني العملاقة

أمام جلال سموقكِ تتضاءلُ

يا أنتِ

يا الشمسُ السمراءُ

تدور حولك كواكبُ بلا عددٍ

ونيازكُ وصخورٌ

لا يصطدم أحدُها بالآخر

لأنكِ تشملينهم بأمانكِ

وتحسنين تطويفَهم

فهم من كل جنسٍ وعرقٍ

ولونٍ قصدوكِ..

ولأنَّ لونَ دموعهم وحجمَ لوعةِ شوقهم

تطلُّ عليكِ

مع بعض المطر الهاطلِ في غير أوانه

والذي يبلل الروح قبل الجسد.

أنتِ دائمًا موسمٌ للدموع

والاعترافِ بالخطأ والخطيئة

موسمُ ركوعِ الأرواح على ظلكِ أو شمسكِ

والمطر يشارك

فيغسلُ وينَقِّي

نحملكِ في أعيننا

نربتُ على كتفيكِ

أو تربتين على أكتافنا

وباشتياقِ السنواتِ العجافِ ننهلُ منكِ

نحملك في الصدور صورة

ورمزًا

وأنتِ راسخة مكانَكِ

والعالمُ حولكِ يدور.

  1. 1. شاعر، وكاتب، وروائي، ومترجم مصري، من مواليد ٢٢ ديسمبر ١٩٤٨م