انتقل إلى المحتوى

دور الدعوة والداعية

الشيخ وحيد الدين خان رحمه الله صاغه بالعربية: د. محمد غطريف شهباز الندوي العربية

(الحلقة العاشرة)

الفرق بين بيان القرآن وبيانات الكتاب المقدّس

هنا تجدر الإشارة إلى أنّ هناك فرقًا مهمًّا بين ما يورده الكتاب المقدّس (الإنجيل/التوراة) وبين ما يورده القرآن الكريم في هذا الموضوع. ففي الكتاب المقدّس ذُكرت قصة سفينة نوح (Noah’s Ark) بتفصيل، غير أنّ هناك أمرًا أساسيًّا لا وجود له البتّة في الكتاب المقدّس، وهو الإخبار بأن سفينة نوح ستظهر في الأزمنة اللاحقة وتكون آيةً من آيات الله. هذا الجانب ورد في القرآن الكريم أكثر من مرّة، بينما لا وجود له إطلاقًا في الكتاب المقدّس.

وكان في ذلك إشارة إلى أنّ المؤمنين بالقرآن في العصور اللاحقة ينبغي أن يبحثوا عن سفينة نوح، ويكشفوا عنها، ليجعلوها حجّةً قائمةً على الناس من بعدهم. وهذا عمل لا يقوم به إلا من عنده ذوق للبحث العلمي، لكن واقع المسلمين اليوم أنّهم صاروا شبه محرومين من هذا الذوق البحثي والعلمي. والواقع أنّه لولا أنّ العلماء المسيحيين واليهود خاضوا في هذا التحقيق، لبقي هذا الجانب من تاريخ النبوّة مجهولًا عند الإنسان.

وظهور سفينة نوح ليس أمرًا عابرًا، بل هو إعلان متسابق عن اقتراب يوم القيامة. إنّه تذكير بالحدث التاريخي العظيم الذي كشف فيه الخالق، عبر أنبيائه، عن مشيئته، غير أنّ الإنسان أعرض عنه. إنّه إعلان بانتهاء الفاصل بين فعل الخلق الإلهي وبين التاريخ الإنساني الذي أقامه البشر على أساس تجاهل الخالق وخطّته في الحياة.

يوم القيامة هو يوم تجلّي الحقيقة الكاملة، أمّا ظهور سفينة نوح قبل ذلك فهو يوم تجلّي الحقيقة الجزئية. إنّه إعلان رمزي بأنّ الخالق رسم للإنسان خريطة حياة وبلّغها عبر رسله، لكنّ الإنسان أهملها تمامًا بل وحذفها من تاريخه. وظهور سفينة نوح سيكون بمثابة إعادة إظهار هذا التاريخ المحذوف.

وهذا هو الوقت الذي يُرفع فيه القرآن الكريم – الكتاب المحفوظ – أمام البشرية جمعاء، لأنّه الكتاب الوحيد الذي أوضح فيه تاريخ الأنبياء وخطّة الله في الخلق بيانًا جليًّا. فظهور سفينة نوح سيكون اكتشافًا لباب مفقود من أبواب التاريخ الإنساني، ويكون القرآن هو البيان الموثوق لهذا الباب المفقود.

سفينة نوح وتركيا

كما سبق ذكره، فإن سفينة نوح انطلقت من منطقة العراق (بلاد الرافدين). وكان يمكن لها أن تتجه إلى جهات متعددة، لكنها سارت في اتجاه محدّد، حتى استقرّت فوق جبل جودي يقع على الحدود الشرقية لتركيا.

فلماذا حدث ذلك؟ كانت أمام سفينة نوح خيارات متعددة، لكنها أخذت خيارًا واحدًا فقط، وهو خيار جبل تركيا. ولا شك أن ذلك كان بتوجيه من الله تعالى. لا يمكن أن نعتبره حدثًا عشوائيًّا أو اتفاقًا محضًا، بل ينبغي أن نؤمن أنه جرى ضمن الخطة الإلهية.

ومن خلال التأمل في هذا الأمر، يتبيّن أن الموقع الأنسب للدور الذي أراده الله لسفينة نوح، كانت تركيا، نظرًا لخصائصها. فقد كان الله يعلم أن تركيا ستصبح في العصور التالية دولة مسلمة، وأنها بلد يحتل موقعًا فريدًا كجسر يصل بين الشرق والغرب. وكان الله يعلم أيضًا أن تركيا ستكون مقصدًا لسيّاح العالم من مختلف البلدان. ومع ذلك، كان الله يعلم أن تركيا ستكون ـ من بين الدول الإسلامية الكثيرة ـ الدولة الوحيدة الخالية من التشدّد الديني، ولهذا ستكون الأكثر مناسبةً للقيام بالدور المطلوب من سفينة نوح.

وما هو هذا الدور المطلوب؟

إنه بلا شك الدعوة، أي أن يطّلع الرجال والنساء على الخطة الإلهية للخلق. فسفينة نوح تمثل شاهدًا تاريخيًّا على تلك الخطة الإلهية التي ظهرت من خلال نبي الله نوح عليه السلام. إنها شهادة مادية مباشرة على تاريخ نوح، وشهادة غير مباشرة على تاريخ جميع الأنبياء.

لقد شاء الله أن يكون قبل القيامة إعلانٌ ملموس أمام البشر كافة يبيّن لهم ما كانت خطته في خلق الإنسان. فسفينة نوح هي شهادة لا يمكن إنكارها على خطة الله للخلق، وكان المكان الأنسب لإبراز هذه الشهادة هو تركيا.

ومن الواجب أن يفهم جميع المسلمين في العالم، وبالأخص مسلمو تركيا، هذه الخطة الإلهية، وأن يقوموا بما يلزم لإتمامها. فعلى سبيل المثال: تطوير موقع سفينة نوح ليصبح مركزًا سياحيًّا رفيع المستوى، وتوفير جميع خدمات النقل والزيارة، وإنشاء مكتبات هناك، وتوزيع أو بيع ترجمات القرآن بلغات متعددة، وتوفير مرشدين مدرّبين قادرين على تقديم الرسالة النبوية المرتبطة بسفينة نوح بصورة مُقنِعة ومشرّفة. وهكذا لا يكون الموقع مجرد مكانٍ لظهور سفينة، بل يصبح مركزًا دعويًّا بمعايير حديثة وعالمية.

وبحسب الخطة الإلهية، فإن الأرض قدّر لها سيلان عظيمان: الأول في زمن نوح، والثاني عند ختام التاريخ البشري. فسفينة نوح هي تذكار تاريخي للسيل الأول، وفي الوقت نفسه تذكير تاريخي بالثاني.

وفي الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، فإن ظهور سفينة نوح (الهيكل) هو بمثابة إنذارٍ للناس: “استعدّوا، فقد اقترب وقت الطوفان الأخير.”

طوبى للذين يفهمون هذه الخطة الإلهية، ويعملون على إتمامها، فينالون الأجر العظيم عند الله. والحقيقة أن ظهور سفينة نوح بعد أن بقيت آلاف السنين مطمورة تحت الجليد، هو أعظم حدث يسبق نفخة الصور. وما بعد ذلك إلا النفخة نفسها، التي ستكون الإعلان الأخير بأن وقت العمل قد انتهى، وبدأ وقت الجزاء.

التبشير بالدعوة العالمية

ورد في حديث عن النبي ﷺ: «لا يَبقَى على ظهر الأرض بيتُ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلا أدخله الله كلمةَ الإسلام، بعزِّ عزيزٍ أو بذلِّ ذليل» (مسند أحمد، رقم الحديث 24215). ومعناه: لن يبقى على وجه الأرض بيت مبنيّ ولا خيمة إلا ويدخلها الله كلمة الإسلام، إمّا بعزٍّ وكرامة لأهله أو بذلٍّ ومهانة.

أي أن يوماً ما سيأتي حين يدخل كلام الله في كل بيت على وجه الأرض، صغيراً كان أو كبيراً، برضا أهله أو رغماً عنهم.

هذا الحديث فيه بشارة بأن المستقبل سيشهد زمناً يصبح فيه من الممكن أن يصل كلام الله (كلمة التوحيد) إلى جميع البشر على وجه الأرض. وهذا الحدث ليس أمراً غامضاً أو سحرياً، بل سيتحقق وفق قوانين الفطرة وبوساطة الوسائل المعروفة بين الناس، لا بواسطة الملائكة أو بطرق خيالية.

فإذا أراد الله أمراً، هيّأ له الظروف المناسبة، ولكن دون إعلان مباشر. والواجب على الإنسان أن يستخدم عقله ليفهم إشارات الفطرة، ويوظفها في سبيل الهدف المطلوب. ومثال ذلك نزول المطر: فهو من عند الله، لكن عمل الفلّاح أن يصغي إلى رسالته الصامتة ويوظّفها في الزراعة.

وكذلك هو حال الدعوة. فالزمن الذي نعيش فيه زمن جديد كلياً، وقد ظهرت فيه أمور كثيرة بالغة المناسبة للدعوة إلى الله، مثل: حرية الأديان، اختراع المطبعة، الرحلات العالمية لأغراض السياحة والتجارة وغيرها، وسائل الاتصال الحديثة، الإعلام المطبوع والمرئي والإلكتروني، سهولة الأسفار… كل هذه مظاهر تعلن بلغة صامتة: يا من تؤمنون بالله، انهضوا، فإن الفرصة التي بُشِّرتم بها في الحديث قد آن أوانها. استغلّوا هذه الفرص لإبلاغ رسالة الله إلى جميع البشر، حتى لا يبقى رجل أو امرأة على وجه الأرض غافلاً عن “الخطة الإلهية للخلق”.

في الأزمنة القديمة لم يكن أي عمل كبير ممكناً إلا بدعم الدولة، لأن كل الوسائل والإمكانات كانت بيدها. أمّا اليوم فقد انفصلت الفرص عن السلطة السياسية.

فإن كان الماضي عصر الدول، فإن الحاضر هو عصر المؤسسات والتنظيمات. واليوم يمكن عبر المؤسسات والمنظمات أن يُنجز على نطاق واسع ما لم يكن ممكناً إلا جزئياً بواسطة السلطة السياسية. بل أصبح ممكناً الآن أن يُقام “إمبراطورية دعوية” أكبر بكثير من أي إمبراطورية سياسية قديمة. فبينما كانت الإمبراطوريات السياسية محدودة بالجغرافيا، فإن الإمبراطورية الإلكترونية (يمكن أن تمتد بلا حدود إلى سطح الأرض كله. وهذه الإمكانات العالمية إنما خُلقت – بلا شك – لأجل الدعوة إلى الله.

رسالة ومهمة أمة محمد ﷺ

مهمة أمة محمد ﷺ هي واحدة لا غير، وهي: أن تبلّغ رسالة محمد ﷺ في كل زمان ولكل قوم. أن تواصل هذا العمل جيلًا بعد جيل حتى تقوم الساعة. هذه هي مهمة الأمة المحمدية الوحيدة، وهذا هو فرضها الأصيل. وسعادة الأمة المحمدية في الدنيا والآخرة متوقفة على أدائها لهذه المهمة الدعوية. ولا يوجد أي عمل آخر يوصِلها إلى الفلاح والسعادة، لا في الدنيا الحاضرة ولا في الآخرة.

)يُتبع…(