انتقل إلى المحتوى

علم الحديث في شبه القارة الهندية

بقلم: د. محمود أحمد غازي ترجمة: فضل الرحمن محمود العربية

(الحلقة الرابعة)

علماء فرنكي محل:

في الهند مدرسة أخرى، أذكرها باختصار. لعلماء هذه المدرسة أيضا إنجازات خارقة في علم الحديث. هذه مدرسة علماء فرنكي محل. كان في مدينة لكناو قصر . منح الملك جهانكير هذا القصر للتجار الإنجليز، الذين وردوا في الهند في زمنه وطلبوا منه الإذن لتأسيس المراكز التجارية. إن “لكناو” من المدن التي أسس فيها الإنجليز مراكزهم. يسمى هذا القصر “فرنكي محل”، لأن الإنجليز كانوا يسكنون فيها، ولكن أخرجهم الملك أورنك زيب عالمكير من هذا المكان لمّا تجاوزوا الحد في المؤامرات، وأعطى الملا نظام الدين السهالوي إياه، ليؤسس فيه معهدا دينيا، فكل من تخرج في هذا المعهد يعرف بلقب فرنكي محل، وعددهم كثير، أبرزهم: مولانا عبد الحي اللكنوي، له مصنفات كثيرة حول الحديث. عديدٌ من كتبه تستحق الذكر، ولكني أذكر الآن كتابين له. أحدهما: شرح موطأ الإمام محمد، المسمى بـ “التعليق الممجد على موطأ الإمام محمد”، والثاني: الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، أحسن كتاب في علم الجرح والتعديل وشهير جدا، طبع في الهند، وباكستان، وبيروت، وسوريا، ودمشق، وحلب، والقاهرة، والأماكن الأخرى. وهناك علماء آخرون ينتمون إلى فرنكي محل، عملوا في ميدان الحديث.

الأمير صديق حسن خان:

وشيخ آخر، يجب ذكره، كان يسكن في مدينة بوفال – الهند الوسطى-، وهو في الأصل عالم الفقه والحديث، وله اهتمام بالرجال وتراجم العلماء، اسمه: صديق حسن خان، تزوج ملكةَ بوفال التي صارت أرملة. فغدا يُلقَّب بـ “الأمير”، لأن ملكة بوفال تزوجته، وزمام الحكومة كان بيد الملِكة. تيسرت له بهذا الزواج الوسائل الكثيرة، فاستغلها وأنشأ مؤسسة بحثية كبيرة جدا، وألف عدة كتب بنفسه، وبعضها كُتبت تحت إشرافه. منها عشرات الكتب حول الحديث، التي طُبِعت بعناية الحكومة، ووُزّعت في الهند كلها. ازدهر علمُ الحديث بجهودِه ازدهارا جديدا، وهي صفحة بيضاء لتاريخ علم الحديث في شبه القارة الهندية. دام عطرها إلى مدة طويله.

دعا الأمير صديق حسن خان، المحدث الكبير العلامة علي بن محسن اليماني إلى بوفال، وهو تلميذ العلامة الشوكاني بواسطة. كان الإمام الشوكاني محدثا شهيرا، ولُقّب بخاتم المحدثين في اليمن. فجاء العلامة علي بن محسن إلى بوفال، وأقام هنا طويلا حتى درَّس أولاده – جيلا بعد جيل – الحديث في بوفال، واستفاد منهم كبار العلماء على نطاق واسع. العديد من أعلام ندوة العلماء نهلوا من علمهم بواسطة أو بدون واسطة، أشهرُهم: العلامة حيدر حسن خان. أكثر مدرسي الحديث في ندوة العلماء تلاميذ العلامة حيدرحسن.

دائرة المعارف العثمانية:

هذا استعراض موجز للغاية للخدمات الحديثية في شبه القارة الهندية. ينبغي فيه ذكر مؤسسةٍ، وهي وإن كانت حكومية لكنها قدمت خدمات جليلة حول الحديث. أُنشئت هذه المؤسسة في مدينة حيدر آباد – دكن، اسمها: دائرة المعارف العثمانية. أسسها الأمير عثمان علي خان، حاكم الدولة الآصفية في حيدر آباد. نشرت هذه الدائرة عشرات الكتب الحديثية لأول مرة. ليست عندي قائمة توجد فيها أسماء كل الكتب التي نُشرت من هذه الدار، ولكن حسب اطلاعي، فيها كتب قيمة، مثل الكفاية في علم الرواية، المؤلَّف المشهور للخطيب البغدادي، ولسان الميزان وتهذيب التهذيب ، الكتابان المعروفان المعتمدان في علم الرجال، كلاهما للحافظ ابن حجر العسقلاني و المؤتلف والمختلف، كتاب جامع جدا للحافظ ابن ماكولا. جُمعت فيه الرجال الذين تتفق أسماؤهم خطا، وتختلف لفظا، كي لاتشتبه الرواة على القارئ. وهو في مجلدات. هذه الكتب كلها خرجت إلى الضوء لأول مرة بسبب دائرة المعارف العثمانية.

وكذلك كانت لرواة كل كتاب حديثي مؤلف مفرد، مثلا، رجال صحيح البخاري ورجال صحيح مسلم وهكذا، ثم دُوّنت مؤلفات جمعت بين رجال الكتب الحديثية المختلفة، فجاء كتاب يشتمل على تراجم الرجال المذكورين في “صحيح البخاري” و”صحيح مسلم”، وهو كتاب الجمع بين كتابي أبي نصر الكلاباذي وأبي بكر الأصفهاني في رجال البخاري ومسلم. طبع للمرة الأولى من الدائرة، وعلاوة على ذلك طبعت منها قرابة خمس وعشرين أو ثلثين كتابا ووزعت في الدنيا كلها.كأن آثار هذه الكتب طبقت الآفاقَ ببركة دائرة المعارف العثمانية، فلذا ينبغي أن لاتهمل عند ذكر تاريخ الحديث.

هذا استعراض في منتهى الاختصار للأعمال الحديثية تم إنجازها في شبه القارة الهندية. يعرف منها، أن تجديد علم الحديث الذي يرجع فضله إلى الشاه ولي الله الدهلوي، بركته مستمرة حتى اليوم، وكل من نرى من علماء الحديث، أو أساتذته، أو طلبته في شبه القارة الهندية، جميعهم تلامذة الشاه الدهلوي بواسطة أو بدون واسطة.

تحدث الشاه ولي الله المحدث الدهلوي عن أمرين؛ كيف نوحد الأمة المسلمة على رصيف واحد، ونقضى على التفرق والتمزق بينهم. هذا دائما كان سعيُه الأول. والثاني: كيف يتم التوفيق بين المذاهب المختلفة والآراء المتنوعة لتنسجم مع الحديث النبوي وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف ينشر الحديث ليعم الانتفاع به، حتى لاتجاوز الاختلافات المذهبية الحدود. لذا ألتمس من جميع طلبة الحديث أن يطالعوا مؤلفات الشاه ولي الله الدهلوي عموما، وكتابه حجة الله البالغة على الأخص. لهذا الكتاب قسمان: القسم الأول منه صعب شيئا، ينبغي قراءته أيضا، ولكن إن لم يستطيعوا مطالعة هذا القسم، فليطالعوا القسم الباقي، الذي يشتمل على الدروس والحكم المستنبطة من الأحاديث النبوية. سيتربى منها نزعة الوحدة والتجمع على رصيف واحد التي تسمى بالإنجليزية Accommodative tendency، هذا كان محور جهد الشاه ولي الله الدهلوي ومسعاه.

(للحديث صلة…)