[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]
(16)
ومع ذلك، قبل الشروع في دراسة حادثة انشقاق القمر لا بد من تحديد زمن وقوعها.
زمن وقوع حادثة انشقاق القمر
وقعت حادثة انشقاق القمر في حياة النبي ﷺ قبل الهجرة إلى المدينة المنورة. وقد اتفق علماء التاريخ والسيرة، وكذلك علماء الحديث والتفسير، على أن هذه الحادثة كانت في العهد المكي، قبل الهجرة بنحو خمس سنوات تقريبًا.
وبحسب تقديراتهم، فإن الواقعة حدثت في مكة المكرمة أثناء وجود النبي ﷺ هناك، وكان حينها في منىً.1 وقد شاهد هذه الحادثة عدد من الصحابة الكرام، كما رآها أيضًا بعض كفار قريش.
ويذكر شارح صحيح البخاري، الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري، عند شرحه لأحاديث انشقاق القمر، ما نصّه:
“قال: انشقّ القمر بمكة، يعني: إنَّ الانشقاق كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة.”(7/184)
وقال العلامة أحمد بن محمد بن محمد القسطلاني في كتابه المواهب اللدنیة:
“كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين.” ( 2/254)
وقد صرّح أيضًا بهذه التاريخ الأستاذ أبوالأعلى المودودي إذ كتب:
“ومن خلال جمع جميع الروايات تتبيّن التفاصيل الآتية: إن هذا الحادث وقع قبل الهجرة بنحو خمس سنوات تقريبًا. وكانت الليلة الرابعة عشرة من الشهر القمري، وكان القمر قد طلع لتوّه، فإذا به ينشق فجأة، فظهر جزء منه إلى جانب الجبل المقابل، والجزء الآخر إلى جانبه الآخر. ولم تدم هذه الحالة إلا لحظة واحدة، ثم التأم الجزآن من جديد. وكان النبي صلى الله عليه وسلم آنذاك مقيمًا في منى.”
(تفهيم القرآن، ج 5، ص 229″
وذكر السيد سليمان الندوي أن حادثة انشقاق القمر كانت آخر آيةٍ للهداية خُصَّ بها كفار قريش، وأعظم علامةٍ حاسمة قُدِّمت لهم قبل نزول آيات الهلاك. فمع كثرة الدلائل السابقة، كان انشقاق القمر هو العلامة الفاصلة، التي لو آمنوا بعدها لكان ذلك خاتمة الأمر، لكنهم مع وضوحها أصرّوا على الكفر.
ويقول إن هذه العلامة ظهرت قبل الهجرة، فلما لم يؤمن بها رؤساء قريش، أُمِر النبي ﷺ بالهجرة من مكة، وقَرُب وقت نزول العذاب. وقد كان خواصّ الصحابة رضي الله عنهم يدركون أن هذه الهجرة ستكون مقدمةً لهلاك قريش.
وجاء في المستدرك على الصحيحين (المجلد 3 ص 7) ومسند أحمد (المجلد 1ص216) أن النبي ﷺ لما خرج من مكة قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: «إنا لله، أخرج أهل مكة نبيَّهم، لا شك أنهم سيهلكون». ثم نزلت آية الإذن بالقتال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ…﴾. (سيرة النبي، 3/172–173)
روايات الصحابة الذين شاهدوا انشقاق القمر
من خلال تفاصيل الواقعة وبعض الإشارات الواردة في الروايات، يُرجَّح أن عددًا لا بأس به من الصحابة الكرام كانوا حاضرين مع رسول الله ﷺ في تلك المناسبة. غير أن عدد الصحابة الذين رووا هذه الحادثة — من بين الحاضرين — والذين كانوا شهود عيان، هو ثلاثة فقط، وهم:
عبد الله بن مسعود
علي بن أبي طالب
جبير بن مطعم
ورواياتهم كما يلي:
رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
عبد الله بن مسعود صحابي مكي، ويُعدّ من السابقين إلى الإسلام. وكان عمره وقت حادثة انشقاق القمر يقارب أربعًا وعشرين أو خمسًا وعشرين سنة.
وتُعَدّ روايته في هذه الواقعة الروايةَ الأساسية، وذلك لأنه شاهد عيان عليها، وقد حدّد فيها زمان وقوعها ومكانه، كما ذُكر فيها أيضًا موقف النبي ﷺ من الحادثة.
وقد روى هذه الرواية — بوجه عام — معظمُ المحدّثين الذين تناولوا موضوع انشقاق القمر في مصنفاتهم.
وخلاصة هذه الرواية كما يلي:
تُبيّن الروايات الواردة في صحيح البخاري وصحيح مسلم من طرق متعددة أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ رضي الله عنه كان حاضرًا مع النبي ﷺ في منىً.
وقد شاهد أنَّ القمر انشقَّ إلى شقَّين.
فانفصل أحدُ الشقَّين وذهب إلى الجهة الأخرى من الجبل.
فقال النبي ﷺ: “اشهدوا”.
وفي رواية البيهقي زيادةٌ مفادها أنَّ الكفار علّقوا على هذا الحدث قائلين: يبدو أنَّ محمدًا ﷺ قد سحرنا، فلننتظر القادمين من خارج مكة؛ فإن صدَّقوا بذلك دلَّ على أنَّ الأمر حقيقي. فلما سُئل القادمون من خارجها أخبروا أنهم قد شاهدوا ذلك أيضًا.
وفيما يلي بعض الطرق الممثِّلة لهذه الرواية:
حدثنا عبدان، عن ابي حمزة عن الاعمش، عن إبراهيم، عن ابي معمر، عن عبد اللّٰه رضي اللّٰه عنه، قال: انشق القمر ونحن مع النبي صلى اللّٰه عليه وسلم بمنى، فقال: اشهدوا وذهبت فرقة نحو الجبل (رواه البخاري، رقم 3869)
ولفظه:
حدثنا ابو بكر بن ابي شيبة، وابو كريب، وإسحاق بن إبراهيم جميعًا، عن ابي معاوية. وحدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا ابي كلاهما، عن الاعمش. وحدثنا منجاب بن الحارث التمیمی واللفظ له اخبرنا ابن مسهر، عن الاعمش، عن إبراهيم عن ابي معمر، عن عبد اللّٰه بن مسعود، قال: بينما نحن مع رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم بمنى إذا انفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه، فقال لنا رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم: اشهدوا. (مسلم، رقم 7250)
وفي رواية لمسلم أيضا:
حدثنا عبيد اللّٰه بن معاذ العنبري، حدثنا ابي، حدثنا شعبة، عن الاعمش، عن إبراهيم، عن ابي معمر، عن عبد اللّٰه بن مسعود، قال: انشق القمر على عهد رسول اللّٰه صلى اللّٰہ عليه وسلم فلقتين، فستر الجبل فلقةً، وكانت فلقة فوق الجبل، فقال رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم: اللهم اشهد . (مسلم، رقم 7251)
- 1. منى هو سهلٌ واسع يقع بين جبلين، ويبعد عن مكة المكرمة بنحو خمسة كيلومترات. يصل إليه الحجاج في اليوم الثامن من شهر ذي الحجة قادمين من مكة، ثم يعودون إليه في اليوم العاشر من ذي الحجة بعد الوقوف بعرفة، فيقيمون فيه ويُتمّون بقية مناسك الحج.