انتقل إلى المحتوى

مدى شرعية التأذين والإقامة في آذان المولود

بقلم: الدكتور محمد عامر القَزدر العربية

(دراسة حديثية فقهية نقدية)

(الحلقة الخامسة)

وإن هذا الحديث في الموضوع يرويه عاصم بن عبيد الله1، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه. ويجد الباحث في أسانيده اختلافًا على عاصمٍ من ثلاثة أوجه، فقد رواه عنه:

1- سفيان الثوري

2- شريك بن عبد الله النخعي

3- حماد بن شعيب

ويسوق الباحث هنا كل ما أخرجه المحدثون من حديث أبي رافع رضي الله عنه من هذه الطرق الثلاثة عن عاصم بن عبيد الله، ويذكر كل طريق على حدة ناقلًا من مصادرها الأصلية مع بيان أحوال رواتها المتكلم فيهم، والحكم عليها في ضوء صناعة الحديث.

أوّلًا: طريق سفيان الثوري عن عاصم

فقد أخرجه أبو داود الطيالسي (ت204ﻫ)2 في “مسنده”3، وعبد الرزاق الصنعاني (ت211ﻫ) في “مصنفه”4، وأحمد بن حنبل (ت241ﻫ) في “مسنده”5، وأبو داود السجستاني (ت275ﻫ) في “سننه”6، وأبو عيسى الترمذي (ت279ﻫ) في “سننه”7، وابن أبي الدنيا (ت281ﻫ) في كتابه “العيال”8، والبزَّار (ت292ﻫ) في “مسنده”9، الروياني (ت307ﻫ) في “مسنده”10، والطبراني (ت360ﻫ) في “المعجم الكبير”11، والحاكم النيسابوري (ت405ﻫ) في “المستدرك”12، البيهقي (ت458ﻫ) في “السنن الكبرى”13، وكذلك في “شعب الإيمان”14.

رجال الإسناد15

إن جميع الرواة لطريق سفيان الثوري عند هؤلاء المحدثين ثقاتٌ سوى راوٍ واحد، وهو عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، العدوي، المدني، مات في أوّل دولة بني العباس سنة اثنتين وثلاثين”16، وعليه مدار حديث أبي رافع رضي الله عنه كما قال الحافظ في “التلخيص الحبير”17؛ وقد تكلم أئمة الحديث والرجال في عاصم هذا كثيرًا، فإليكم تفصيل ذلك:

رتبة عاصم بن عبيد الله عند أئمة المحدثين وأقوالهم فيه

عبد الرحمن بن مهدي (ت198ه) كان ينكر حديث عاصم أشد الإنكار18.

وقال أحمد: قال ابن عيينة (ولد107- ت199ﻫ): كان الأشياخ يتقون حديث عاصم بن عبيد الله.

وقال محمد بن سعد (ولد168- ت230ﻫ): كان كثير الحديث، ولا يحتجّ به.

وقال يحيى بن معين (ولد158 – ت233ﻫ): ضعيف، لا يحتج به.

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سئل أبي (ولد 164ﻫ- ت241ﻫ) عن عاصم بن عبيد الله، وعبد الله بن محمد ابن عقيل، فقال: ما أقربهما. قال: وسمعت أبي يقول: عاصم بن عبيد الله ليس بذاك.

قال البخاري (ولد194ﻫ– ت256ﻫ): “منكر الحديث”19.

وقال الترمذي: “قال محمد (ولد194ﻫ– ت256ﻫ): عاصم بن عبيد الله صدوق”20.

وقال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (ت259ﻫ): ضعيف الحديث، غمز ابن عُيَيْنَة في حفظه.

وقال العجلي (ولد 182 – ت261ﻫ): “لا بأس به”21.

وقال يعقوب بن شيبة (ولد182- ت262ﻫ): “قد حمل الناسُ عنه، وفي أحاديثه ضعف، وله أحاديث مناكير”.

وقال أبو زرعة (ولد194- ت264ﻫ)، وأبو حاتم (ولد 195- ت277ﻫ): منكر الحديث.

وقال أبو حاتم الرازي (ولد 195- ت277ﻫ): منكر الحديث، مضطرب الحديث، ليس له حديث يعتمد عليه، وما أقربه من ابن عقيل.

وقال ابن خراش (283ه) وغير واحد: ضعيف الحديث22.

وقال النسائي (ولد215 – ت303ﻫ): ضعيف.

وقال ابن خزيمة (ولد 223 – ت 321ﻫ): لا أحتجُّ به لسوء حفظه23.

وذكره أبو جعفر العقيلي (ت323ﻫ)، وأبو العرب القيرواني (251 – 333ه) في جملة الضعفاء. وقال الآجري: “قلت لأبي داود: قال ابن معين: عاصم، وفليح، وابن عقيل لا يحتج بحديثهم. قال: صدق”. “وفي موضع آخر، قال أبو داود: عاصم بن عبيد الله لا يكتب حديثه”24.

وقال ابن حبان (ولد سنة بضع وسبعين ومائتين- ت354ﻫ): “وكان -عاصم- سيء الحفظ، كثير الوهم، فاحش الخطأ، فترك من أجل كثرة خطئه”25.

وقال ابن عدي (ولد 277ﻫ- ت365ﻫ): هو مع ضعفه يكتب حديثه.

وقال الدارقطني (ولد 306ﻫ- ت385ﻫ): يترك، وهو مغفل.

وقال البيهقي (ولد 384ﻫ- ت458ﻫ): “ليس بالقوي”26. وقال أيضًا: “يأتي بما لا يتابع عليه، ضعفه يحيى بن معين، والبخاري، وغيرهما من الأئمة”27.

قال أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي (ولد448- ت507ﻫ): “فيه عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب ضعيفٌ”28.

وقال ابن القطان (ت628ﻫ): “ضعيف الحديث، منكره، ومضطربه”29.

وقال الذهبي (ولد 673ﻫ- ت748ﻫ): “ضعفه مالك، وغيره”30، وقال في تعليقاته على “المستدرك”: “عاصم بن عبيد الله ضُعِّف”31.

وقال الحافظ ابن حجر (ت852ه): “مداره-أي حديث أبي رافع- على عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف”32.

يقول الباحث: قد رأينا أن غالب عبارات الأئمة في عاصم شديدة؛ إلا أن العجلي والترمذي لم يُسقطاه، وقال العجلي: “لا بأس به”. وهو قول لا يعتمد عليه، لأن العجلي معروف في التساهل، وكيف يقبل توثيقه في مقابل أقوال الأئمة الموثوق بنقدهم وجرحهم33. واتفقت أقوال الأئمة على أن عاصمًا ضعيفٌ.

وأما توثيق الترمذي لعاصم، فهو مبني على ما نقله نفسه من قول البخاري بأنه “صدوق” في كتابه “العلل الكبير”34. وإن في هذا النقل عن البخاري نظر؛ لأن في ظاهره تعارضا مع حكم البخاري نفسه على عاصم بأنه “منكر الحديث” في كتاب “الضعفاء الكبير”35 الَّذي ألفه نفسه في الضعفاء، وكذلك جاء في كتابه “التاريخ الكبير”36؛ وبناء على ذلك قال البيهقي: ضعفه البخاري37، فحُكْم البخاري في عاصم واضحٌ بأنه “منكر الحديث”؛ لأنه خطَّه بيده في الكتابين، وأما نقل الترمذي عنه أنه “صدوق” فهو عن طريق سؤالات سأله إياها. فكيف يترك ما خطَّه البخاري نفسه، ويؤخذ ما نُقل عنه في السؤالات أو المذاكرة؛ فليس لأحد من أهل العلم إلا أن يَرُدَّ هذا النقل للترمذي عن البخاري بسبب تعارضه الظاهري مع حكم البخاري نفسه في كتابيه، أو يرفع هذا التعارض، ويجمع بين القولين للبخاري في عاصم بعد قبول النقلين منه.

(يُتبع…)

  1. 1. وإن مدار حديث أبي رافع رضي الله عنه على عاصم هذا، وقد أُعِلَّ الحديث به، وسيأتي تفصيل ذلك قريبًا إن شاء الله.
  2. 2. وهو عندي أوّل من أخرج في الباب هذا الحديث الفعلي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكرته في الفصل الأول.
  3. 3. انظر: الطيالسي، المسند، ج2، ص273، رقم1013. لقد تحقق لدى الباحث أن الطيالسي هو أوّل من أخرج حديث أبي رافع رضي الله عنه هذا في الباب في تاريخ مؤلفات الحديث والآثار، وأما من أخرجه من المحدثين غيره فهو من بعده كما سيتبين في هذا الفصل.
  4. 4. انظر: عبد الرزاق الصنعاني، المصنف، ج4، ص336، رقم7986.
  5. 5. انظر: أحمد بن حنبل، المسند، ج45، ص166، رقم27186. وكذلك رقم27194، 23869.
  6. 6. انظر: أبو داود السِّجِستاني، السنن، ج7، ص431، رقم5105.
  7. 7. انظر: الترمذي، السنن، ج3، ص149، رقم1514.
  8. 8. انظر: ابن أبي الدنيا، العيال، ج1، ص194، رقم54.
  9. 9. انظر: البزار، المسند، ج9، ص325، رقم3879.
  10. 10. انظر: الرُّوياني، المسند، ج1، ص455، رقم682.
  11. 11. انظر: الطبراني، المعجم الكبير، ج3، ص30، رقم2578.
  12. 12. انظر: الحاكم، المستدرك على الصحيحين مع تعليقات الذهبي في التلخيص، ج3، ص197، رقم4827. وجاء في اللفظ عند الحاكم “الحسين” مصغّرًا بدلًا من “الحسن” مكبّرًا، كما تقدم ذكره.
  13. 13. انظر: البيهقي، السنن الكبرى، ج9، ص305، رقم19086.
  14. 14. انظر: البيهقي، شعب الإيمان، ج6، ص389، رقم8617، 8618.
  15. 15. إن طريق المؤلف في عرض تراجم الرواة في هذا الفصل هو أنه يذكر تراجم رواة فيهم كلامٌ ومقالٌ عند الأئمة والمحدثين، ثم إذا يذكر ترجمة راوٍ متكلَّمٍ فيه مرةً في رواية، فلا يعيدها مرة أخرى في الروايات القادمة عندما يرى نفس الراوي في أسانيدها. وإن الرواة المتكلم فيهم يضع الكاتب تحت كل اسم منهم في السند خطًّا للإشارة إلى ضعفه أو كونه متهمًا بالكذب أو الوضع عند أئمة المحدثين.
  16. 16. انظر: ابن حجر، تقريب التهذيب، ص285، رقم3065.
  17. 17. انظر: ابن حجر، التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، ج4، ص272، رقم2422.
  18. 18. انظر: ابن عدي، الكامل في ضعفاء الرجال، ج5، ص387، رقم1381.
  19. 19. البخاري، الضعفاء الصغير، ص109، رقم294. والبخاري، التاريخ الكبير، ج6، ص293، رقم3088.
  20. 20. الترمذي، العلل الكبير، ص391.
  21. 21. العجلي، معرفة الثقات من رجال أهل العلم والحديث ومن الضعفاء وذكر مذاهبهم وأخبارهم، ج2، ص8، رقم812.
  22. 22. انظر المزي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ج13، ص503-505، رقم3014.
  23. 23. انظر: الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ج2، ص353-354، رقم4056.
  24. 24. مغلطاي بن قليج البكجري المصري، إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ج7، ص108، رقم2628.
  25. 25. محمد بن حبان التميمي، المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين، ج2، ص127، رقم722.
  26. 26. البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين، السنن الكبرى، ج4، ص272، رقم8110.
  27. 27. المرجع نفسه، ج9، ص222، رقم18590.
  28. 28. محمد بن طاهر المقدسي الشيباني، معرفة التذكرة في الأحاديث الموضوعة، ص154، الرقم:453.
  29. 29. ابن القطان، بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام، ج4، ص594، رقم2135.
  30. 30. الذهبي، ديوان الضعفاء والمتروكين وخلق من المجهولين وثقات فيهم لين، ص203، رقم2034.
  31. 31. الحاكم، المستدرك على الصحيحين مع تعليقات الذهبي في التلخيص، ج3، ص197، رقم4827.
  32. 32. ابن حجر، التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، ج4، ص272، رقم2422.
  33. 33. انظر: الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، ج2، ص218.
  34. 34. الترمذي، العلل الكبير، ص391.
  35. 35. البخاري، الضعفاء الصغير، ص109، رقم294.
  36. 36. البخاري، التاريخ الكبير، ج6، ص293، رقم3088.
  37. 37. انظر: البيهقي، السنن الكبرى، ج4، ص272، رقم8110.