انتقل إلى المحتوى

وقفة متأنية مع القضية الفلسطينية: دروس وعبر

رئیس التحرير العربية

دخل الخليفة الراشد الثاني، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مدينة القدس فاتحًا سنة 638م، بعد حربٍ طويلة أعقبتها مفاوضات مثمرة مع الجانب المسيحي الذي مُني بالهزيمة العسكرية. واشترط المسيحيون أن يأتي عمر بنفسه إلى القدس، وأن يتسلّم مفاتيح المدينة من أسقفها، فكانت زيارته الشهيرة للقدس، وكُتبت العُهدة العمرية، ثم انتقلت مقاليد الحكم في المدينة إلى المسلمين.

ومنذ ذلك الحين بقيت فلسطين تحت حكم المسلمين على نحوٍ متواصل. وفي القرن الثاني عشر الميلادي استولى الصليبيون على القدس وماجاورها من البلدان والقرى، واستمر احتلالهم لها ثمانيةً وثمانين عامًا، حتى أنهى السلطان صلاح الدين الأيوبي ذاك الاحتلال الظالم سنة 1187م.

والحقيقة أن المجاهد الكبير والسلطان العادل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله لم يحقق هذا النصر في يومٍ واحد، هو يوم معركة حطين (4 يوليو/تموز 1187م)، كما أن هذا الإنجاز لم يكن ثمرة حماسٍ عابر، وإنما كان ثمرة إعدادٍ طويلٍ ودقيق. فقد بدأ مهمته العظيمة بالقضاء على ملوك الطوائف المسلمين في بلاد الشام وما جاورها، أولئك الذين ظلوا يتناحرون فيما بينهم باستمرار، ويتآمر بعضهم على بعض، ولم يجدوا حرجًا في استدعاء الجيوش الصليبية والاستعانة بها لقتال إخوانهم في الدين والنسب، بدلًا من دفع الخراج والضرائب الباهظة لهم. ومع الفراغ من هذه المهمة العنيفة قد أمضى صلاح الدين أثناءها سنواتٍ في بناء قوته العسكرية وإعداد جيشه إعدادًا استثنائيًا، حتى أصبحت قوته تضاهي قوة الصليبيين اللاتينيين، فكان النصر نتيجةً طبيعيةً لذلك الإعداد المتواصل.

وقد اعترف المؤرخون بأن المسلمين، حين استعادوا القدس من أيدي الفرنجة، عاملوا سكانها بمنتهى الشهامة والإنسانية. فعندما استولى الصليبيون على المدينة ارتكبوا مذابح وحشية، وأراقوا دماء أهلها بلا رحمة. أما الفتح الإسلامي للقدس، فقد اتسم بالتحضر والوفاء وحسن المعاملة، إذ أظهر صلاح الدين الأيوبي وجنده أسمى صور الكرم والتسامح مع السكان. واعترف بذلك الأعداء أنفسهم:

كماجاء في الموسوعة البريطانية:

“وعلى النقيض تمامًا من استيلاء الصليبيين على المدينة، حيث سالت الدماء بغزارة في أثناء المذبحة الوحشية التي تعرض لها سكانها، فقد تميز استرداد المسلمين للقدس بروح الحضارة، وحسن النية، والسلوك المهذب الذي تحلى به صلاح الدين وجنوده.”

(الموسوعة البريطانية، ج16، ص177)

وفي سنة 583هـ فتح صلاح الدين الأيوبي القدس، وكانت آنذاك مدينةً حصينةً شديدة،ثم استولى عليه المماليك وبقوا مدة طويلة على ذلك. ثم بسط السلطان التركي سليم العثماني الأول سلطانه على البلاد العربية كلها واستمرالحكم التركي عليها إلى القرن العشرين. وبعد الحرب العالمية الأولى شارك الأتراك في الحرب بلاضرورة مع القوات المحورية (الألمان ومن والاهم) وثار العرب المغترون بوعود الفرنجة ضد الخلافة العثمانية وحكمها المستبد في نظرهم، فانهزم الأتراك شرهزيمة وبعد الانهزام قد قسم الاتحاديون الفاتحون كافة البلاد العربية فيمابينهم .

وأدّى ذلك عام 1948 إلى بداية مرحلة جديدة في تاريخ فلسطين 1917م، حين بسطت بريطانيا سيطرتها السياسية على القدس في ظلِّ نظام الانتداب. وكانت الامبراطورية البريطانية ترزح تحت ضغوط اقتصادية هائلة جراء الحرب الكبرى وقد أقرضت الحركات الصهيونية اليهودية العالمية ثروات هائلة للبريطانية في الحرب، وتقديراً لهذه القروض المالية وإشادةً بجهود اليهودية لدعم البريطانية العظمى قد أعلن وزيرخارجيتها بلفور الذي كان صديقا مقربا للقادة اليهود الصهاينة، إعلانه المشؤم بتقسيم فلسطين، عُرف على نطاق واسع باسم «وعد بلفور». ووفقًا لهذا التقسيم، في عام 1917م وضعت الإمبراطورية البريطانية صيغةً لتقسيم فلسطين عبرآلية المجلس العمومي للأمم المتحدة في عام 1948م وخُصِّص نصفُ فلسطين لإسرائيل، بينما خُصِّص النصفُ الآخر، مع مساحةٍ إضافيةٍ يسيرةٍ، للعرب. وكان يشمل مدينة القدس بأكملها. غير أن القيادة العربية الإسلامية آنذاك رفضت قبول هذا المشروع رفضا باتاً.

فقد كان كلهم يعانون من التفكيرالتقليدي، والواقع المر أن هذا التفكيرُ التقليديُّ قد ألحق بالمسلمين في العصر الحاضر أضرارًا لا تُحصى، ولم يحقق لهم أيَّ فائدة تُذكر. فعلى سبيل المثال، لو أدرك عربُ فلسطين وعرب آخرون أن القتالَ المسلحَ ضدَّ الكيان المحتل يعني، في حقيقته، مواجهةً علنيةً مع الغرب بأسره، الذي أنشأ دولةَ إسرائيل ورعاها لتكون آخرَ بؤرةٍ غربيةٍ متقدمةٍ في الشرق، وأنه سيظل متمسكًا بها ومدافعًا عنها في جميع الأحوال، مسخرًا في سبيل ذلك كلَّ ما يملك من طاقاتٍ وإمكانات. ،لو أدركواهذا السرَّ، لما دخلوا بعد عام 1948م في كفاحٍ مسلحٍ من غيرإعداد كاف له وكانت عواقبه وخيمة، بل لسلكوا طريق العمل السلمي، مستفيدين من الإمكانات الحديثة. وعندئذٍ لكان التاريخ مختلفاً تماماً.

وقد دعا أحد الزعماء العرب إلى قبول هذه التسوية،وهو الملك عبد الله بن حسين الأول ملك الأردن الذي كان من أكثر القادة العرب ميلًا إلى قبول الواقع ،لكنه كان يريد ضم الجزء العربي إلى مملكة الأردن ولما كان ذلك مواتيا لمايريده الصهاينة ،فاتهم بالخيانة للمصلحة العربية.

ثم توفي وهو يردد هذين البيتين:

سَيَعلَمُ قَومي أَنَّني لا أَغُشُّهُمُ

وَمَهما اسْتَطالَ اللَّيلُ فَالصُّبحُ واصِلُهُ

وأرى أنه لو أن القيادة العربية والإسلامية آنذاك تعاملت مع الأمر الواقع بحكمة، لكان وضع الفلسطينيين اليوم أفضل بكثير، ولتجنبوا كذلك تلك المأساة التي امتدت آثارها طوال العقود الثمانية الماضية، ولا تزال مستمرة إلى يومنا هذا.

فقد كان بإمكانها ألا تعترف بالكيان الإسرائيلي المحتل أو تمنحه الشرعية، وفي الوقت نفسه أن تقبل بقيام دولة فلسطينية على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، وأن تعمل على حمايتها والدفاع عنها. وعندئذٍ ما كان بإمكان إسرائيل أن تهاجم تلك الدولة أو تحتلها بسهولة، ولو أقدمت على ذلك لوجدت نفسها في مواجهة المجتمع الدولي، ولكانت الأمم المتحدة قد طالبتها بالانسحاب من أراضي دولة فلسطين بوصفها دولةً عضوًا فيها. ولكن، على الرغم من ذلك، خاض العرب الحرب ضد إسرائيل على عجل ومن غيرإعداد كاف لها، فانتهت بهزيمة الجيوش العربية، واستولت دولة الاحتلال الغاشم على معظم الأراضي العربية في فلسطين سوى بعض القطاعات والتي توزعت فيما بين مصروالاردن. كما دمَّرت أكثر من ثلاثمائة قرية فلسطينية تدميرًا كاملًا، حتى اندثرت معالمها، وهجَّرت السكان الفلسطينيين من ديارهم، وقتلت أعدادًا كبيرة منهم، وشرَّدتهم من منازلهم وأراضيهم. ونتيجة لذلك، أصبح الملايين منهم لاجئين في الدول المجاورة، مثل الأردن ولبنان ومصر وغيرها، ثم هاجر كثير منهم لاحقًا إلى البلدان الغربية.وهذا الانكساروالانهزام وماجلبه من ويلات وويلات على الفلسطينين يعرف حتى اليوم باسم “النكبة الفلسطينية” التي ما تزال تذكركل عام على الشارع الفلسطيني وهي في الحقيقة مأساة لها دوركبيرفي بناء النفسيةالانتقامية والشخصية الفلسطيينية النضالية.

فإذا زار شخص القدس المحتلة أو أي قرية فلسطينية يرى في جدرانها شعارات وهتافات من مثل:

قاتلو أعداء اللہ

الأرض لنا والقدس لنا

التحیۃ کل التحیۃ لشھداء الخلیل

العیدُ لمن مات شھیداً

تحیۃ لکل قطرۃ دم سالت دفاعا

وكان الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، الذي وصل إلى الحكم بدعم كامل من جماعة الإخوان المسلمين، قد أقدم، بدافع من الحماسة غير المحسوبة، في يوليو/تموز 1956 م على إلغاء امتياز قناة السويس قبل انتهاء مدته، وأعلن تأميمها ووضعها تحت السيطرة الحكومية. ثم شهدت المنطقة بعد ذلك تحولات كبيرة، كانت ـ بحسب رأينا ـ من نتائجها أن أصبحت القدس بأسرها تحت السيطرة الإسرائيلية.

فبعد الحرب العالمية الثانية دخلت القدس مرحلةً جديدة، وكانت المدينة في البداية كما شرحنا أعلاه، خلال الفترة من عام 1948 إلى عام 1967، مقسّمة إلى شطرين: أحدهما كان يُعرف بالقطاع الأردني، والآخر بالقطاع الإسرائيلي. ثم في حرب الأيام الستة التي اندلعت في يونيو/ حزيران 1967،التي ذكرناها آنفا والتي بالاسف انهزمت فيها الجوش العربية المتحدة شرهزيمة أخرى لامثيل لهافي تاريخهم الطويل والتي تعرف في تاريخ فلسطين بإسم النكسة.واحتلت إسرائيل على النصف المتبقي، وبسطت سيطرتها على القدس بأكملها.

ولأن إسرائيل انتصرت في جميع الحروب التي خاضتها مع العرب، فإنها، ومعها حاضنتها الولايات المتحدة الأمريكية، لا تريدان التوصل إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، بل تسعيان إلى منح الفلسطينيين شيئًا تافهًا لا قيمة له أي بلدية فلسطينية صغيرة، والقضاء على القضية الفلسطينية نفسها بصورة نهائية.

ولهذا، اضطر الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات المرحوم إلى تقديم تنازلات كبيرة لإسرائيل في اتفاقية أوسلو عام 1993، متخليًا عن كثير من المطالب والتطلعات الوطنية الفلسطينية. غير أن هذه الاتفاقية أيضاً باءت بالفشل، ولم تحقق للفلسطينيين شيئًا يُذكر من مطالبهم؛ ولذلك أصيب الشارع الفلسطيني بخيبة أمل ويأس، فعاد إلى الانتفاضة الشعبية من جديد.

وفي آذار/مارس 2002م ظهرت رؤية جديدة بين الدول العربية لحل القضية الفلسطينية، مفادها القبول الرسمي لإسرائيل. و تقدَّمت المملكة العربية السعودية بمشروع المبادرة العربية للسلام، الذي يقوم على انسحاب إسرائيل إلى حدود ما قبل عام 1967م، والسماح بقيام دولة فلسطينية حرة مستقلة، مقابل اعتراف الدول العربية بإسرائيل. وقد كان هذا المشروع يحظى بإجماع رسمي عربي ولايزال، وفقًا للتصريحات والبيانات الحكومية الصادرة آنذاك. غير أن المؤسف أن عددًا من الدول العربية أقدم لاحقًا على الاعتراف بالكيان المحتل وإقامة علاقات معه، قبل أن يوافق على المبادرة العربية أو يلتزم بشروطها. ولكن الآن لم تعد إسرائيل راضية بفكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة بل هي تحاول بواسطة الضغوط العسكرية والسياسة من خلال الولايات المتحدة أن يعترف جميع العالم العربي بها بدون أي مقابل.

وقد طرح عربي مثقف هذه الفكرة أمام يهودي في ندوة سلام عالمية فقال الأخيرمبتسماً:

Dear Neighbor, you are too late.

(يا جارَنا العزيز، لقد تأخَّرتُم كثيرًا)

الفكرةُ في ذاتها جيّدة، لكنها صارت غيرقابلةٍ للتطبيق اليوم جراء تبجح إسرائيل واستكبارها ووقوف الولايات المتحدة معها تخدم مصالحها أكثرمن مصالها هي . وقد قال شاعرٌ أرديٌّ بصدق:

“ما مضى من الوقت لا يعود إلى الأبد”

الحقيقةُ المُرَّة هي أنَّ ما كان ممكنًا للعربِ عام 1917 صار مستحيلًا عام1948م، وما كان ممكنًا عام1948، لم يَعُد ممكنًا عام1967 وما كان ممكنًا عام1967، لم يَعُد سهلاً في 1993م وماكان ممكنا في اتفاقية اوسلولم يعد متيسراً في عام 2002م وماكان ممكناً لهم في2002 لم يعد قابلًا للحصول في 2026م. فبعد عملية طوفان الأقصى، وما أعقبها من غارات هجومية إسرائيلية عسكرية وحشية واسعة، تعرّض الفلسطينيون لعمليات قتل وجرح ونزوح وتهجير على نطاق واسع، كما شهد قطاع غزة دمارًا هائلًا همجياً في معظم مبانيه وبنيته التحتية. وأصبحت أجزاء كبيرة من القطاع عبارة عن أنقاض وركام، بعد تدمير أعداد كبيرة من المنازل والمنشآت، في ظل سيطرة قوات الاحتلال على مساحات واسعة منه.

قد تكون هذه الحقيقة قاسية، لكنها حقيقة تاريخية، والتاريخ لا يمكن تغييره، لا للعرب ولا لغيرهم. الشيء الوحيد الممكنُ للعربِ عام2002 في القضية الفلسطينية كان هو قبول ما حُصل عليه بالفعل من غزة وأريحا، ورام الله وغيرها والعمل على بناء المستقبل فوق هذا الواقع.

لكن المؤسف أن القيادات المتحمّسة، غير الواقعية، جعلت الآن حتى هذا الجزءِ المتحصل عليه محل شك وخطر.

ينبغي أن يعلم العرب ولاسيماإخواننا الفلسطينيون أنهم لن يحصلوا على شيءٍ عبر حركات عاطفية ولامن خلال ردود فعلٍ عاطفية وفي عالمِ الحقائق، لا تنتج النتائج إلا الأفعال المدروسة، لا الانفعالات المؤقتة.ومن الحقائقِ الثابتة أن الحاضر لا يحكم بالماضي، القرار الصحيح للحاضر يبنى على معطيات الحاضر، لا على أحلام التاريخ. هذا قانون تاريخي غير قابلٍ للنقض، ولا استثناء فيه: لا للمسلمين، ولا لغيرهم.

لقد أصبح المجتمع الإسرائيلي بأسره اليوم أكثر ميلاً إلى العنف، واقعًا تحت تأثير حاخامات متطرفين مصابين بالهوس.

الاختلاف من حيث الموقف الديني:

يرى عدد ضئيل من اليهود العلمانيين أو اليساريين أن الفلسطينيين يرغبون في السلام، وبالأسف هؤلاء هم في اقلية شديدة في الإسرائيل اليوم، في حين ترى الجماعات شديدة التدين ــ وهي تشكل الأغلبية اليوم، ولا يمكن تشكيل أي حكومة من دون دعمها ــ أن الفلسطينيين لا يريدون العيش بسلام أصلًا.

وتشير دراسة لمجموعات التركيز أجراها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) إلى أن بعض الإسرائيليين يرون ضرورة تسليم السيطرة على غزة إلى قوة دولية ، من أجل قمع القطاع وإصلاح أوضاعه جبرًاحتى لايشكل أي خطر للكيان العبري حالاً ومستقبلاً.

السردية اليهودية أو المتطرفة

لقد أصبحت هذه السردية، في الوقت الراهن، سائدة لدى أغلبية الجمهور الإسرائيلي. فقد ترسخ هناك الاعتقاد بأن شيئًا اسمه فلسطين لم يكن موجودًا في التاريخ أصلًا، وأن المنطقة بأكملها ــ القدس وغزة والضفة الغربية ــ جزء من «أرض إسرائيل» المقدسة الموعودة. ولذلك يُشار إلى غزة والضفة الغربية في وسائل الإعلام الإسرائيلية باسم “يهودا والسامرة”.

وبالتوازي مع ذلك، تسود نزعة إلى تصوير الفلسطينيين، بل العرب جميعًا، على أنهم متوحشون وهمجيون وغير متحضرين (Gentiles). كما أن المجتمع الإسرائيلي يؤيد عمليات القتل الجماعي التي ارتكبها جيشه في غزة، ولا يبدو عليه إزاء ذلك أدنى شعور بالندم أو الأسف. والأمرلايقف على هذا الحد بل تشير بعض التقارير المنشورة في المجلة الفرنسية Le Monde إلى وجود نزعة واضحة في أوساط واسعة من الإعلام والسياسة الإسرائيليين إلى تصوير الفلسطينيين بصورة تنزع عنهم صفتهم الإنسانية.

في هذه الحالة، يواجهنا تحدٍّ كبير يتمثل في إقناع المجتمع الإسرائيلي بضرورة تسوية العلاقات مع الفلسطينيين بالوسائل الدبلوماسية والسلمية. ومع ذلك، فليس أمامنا اليوم خيار آخر سوى هذا الخيار؛ ولذلك لا بد من تجربته.ولذلك الغرض لابد من إيجاد سبل وفتح طرق للحوارمع هذا المجتمع الإسرائيلي المتشدد.

ونرى أن هناك عوامل عديدة حاسمة ستؤدي الدور الرئيس في إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية: أولها تصاعد الحركة الشعبية العالمية المؤيدة لفلسطين وهو بحمد الله متواجد الآن ،وثانيها صمود الشعب الفلسطيني وثباته.وثالثها هو تقلص دورالإدارات الصهيونية ومنظماتها وتغلغلها في الغرب وهيمنتها على الولايات المتحدة وهذا العامل أيضا في تصاعد مستمرسوف يؤتي نتائجه المثمرة في المستقبل القريب بإذن الله.

ففي الوقت الراهن تدور معركة الدفاع عن حقوق الفلسطينيين في الجامعات والكليات بالولايات المتحدة وألمانيا والمملكة المتحدة وفرنسا وغيرها من البلدان. فقد تبنّى آلاف الشبان والشابات من الطلاب والطالبات القضية الفلسطينية بكل حماس، واضعين مستقبلهم الأكاديمي والمهني على المحك. وهم لا يواجهون غضب السلطات وإجراءاتها العقابية فحسب، بل يتعرضون أيضًا لحملات التشهير والدعاية المعادية التي تشنها وسائل الإعلام الصهيونية في الغرب.

وفي الولايات المتحدة وحدها تشهد نحو أربعين جامعة حراكًا طلابيًا واسعًا يرفع راية المطالبة بحرية فلسطين ووقف العدوان الإسرائيلي على غزة. وقد أصبحت هتافات: «أوقفوا إطلاق النار الآن» و«فلسطين حرة، فلسطين حرة» تتردد في أرجاء المدن والجامعات الغربية.

ورابعها الشرعية الدولية لفلسطين: وهي قائمة فعليًّا في الوقت الراهن نتيجة اعتراف عدد كبير من الدول الكبرى بدولة فلسطين؛ بحيث بات العالم ينظر إلى فلسطين لا بوصفها قضية شعبٍ مظلوم فحسب، بل بوصفها دولةً مرشحةً للقيام كدولة مستقلة. وفي الوقت الراهن، وباستثناء الولايات المتحدة، ينظر معظم دول العالم إلى فلسطين من هذه الزاوية.

وخامسها، وهو أمر لا يقل أهمية عمّا سبق، أن دولة الاحتلال وجماهيرها تستعد لمنح الشعب الفلسطيني حقَّه المشروع في الاستقلال الكامل، كما يشهد بذلك تاريخ نضالات الشعوب من أجل تحرير أوطانها في كثير من البلدان، ومن أمثلة ذلك: حركة استقلال الهند، وحركة تحرير الجزائر من براثن الاحتلال الفرنسي، وانسحاب روسيا من أفغانستان، وغير ذلك. نعم، إنهم لا يستعدّون لذلك اليوم، ولكن لا بدّ لهم من الاستعداد، ولذلك نحتاج إلى استراتيجية براغماتية وفعّالة ومثمرة، حتى يتحقق الهدف المنشود ويسود السلام في الشرق الأوسط.ولتحقيق هذه الأمنية، يحتاج العرب والفلسطينيون، قيادةً وشعبًا، إلى الشروع في حوار مع الكيان الإسرائيلي، قيادةً وشعبًا وهي بلا شك عملية صعبة وحسّاسة في هذه المرحلة، لكنها مع ذلك عملية لازمة وضرورية.

أماعددنا الحاضر فهو كسابقاته مزدان بالأبحاث الشرعية الجادة والتحقيقات الحديثية والفقهية المثمرة والدراسات حول العقلية الغربية وغيرها-كما هو مزود بالشعرالعربي الحديث الرائع الرصين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكم في الدين،

أ. د / محمد غطريف شهباز الندوي

(17 أغسطس 2026م، علي كره)