انتقل إلى المحتوى

لمسات بيانية في نصوص من التنزيل

عرض واقتباس: إدارة التحرير العربية

(الحلقة السابعة)

ما قال سبحانه الحمد لله رب العالمين فهو حاضر دائما فنودي بنداء الحاضر المخاطب. الكلام من أول الفاتحة إلى مالك يوم الدين كله ثناء على الله تعالى والثناء يكون في الحضور والغيبة، والثناء في الغيبة أصدق وأولى. أما (اِیَّاكَ نَعْبُدُ وَ اِیَّاكَ نَسْتَعِیْنُ) فهو دعاء والدعاء في الحضور أولى وأجدى؛ إذن الثناء في الغيبة أولى والدعاء في الحضور أولى والعبادة تؤدى في الحاضر وهي أولى.

قوله: (اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِیْمَ). هذا دعاء ولا دعاء مفروض على المسلم قوله غير هذا الدعاء، فيتوجب على المسلم قوله عدة مرات في اليوم وهذا بدوره يدل على أهمية الطلب وهذا الدعاء لان له أثره في الدنيا والآخرة ويدل على أن الإنسان لا يمكن أن يهتدي للصراط المستقيم بنفسه إلا إذا هداه الله تعالى لذلك. إذا ترك الناس لأنفسهم لذهب كل إلى مذهبه ولم يهتدوا إلى الصراط المستقيم وبما أن هذا الدعاء في الفاتحة ولا صلاة بدون فاتحة فلذا يجب الدعاء به في الصلاة الفريضة وهذا غير دعاء السنة في (رَبَّنَاۤ اٰتِنَا فِی الدُّنْیَا حَسَنَةً وَّ فِی الْاٰخِرَةِ حَسَنَةً) (البقرة آية 201)

والهداية: هي الإلهام والدلالة. وفعل الهداية هدى يهدي في العربية قد يتعدى بنفسه دون حرف جر مثل “اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِیْمَ” (تعدى الفعل بنفسه) وقد يتعدى بإلى (وَ اِنَّكَ لَتَهْدِیْۤ اِلٰى صِرَاطٍ مُّسْتَقِیْمٍ) (الشورى آية 52) (وَ اَهْدِیَكَ اِلٰى رَبِّكَ فَتَخْشٰى) (النازعات آية 19) وقد يتعدى باللام (الْحَمْدُ لِلّٰهِ الَّذِیْ هَدٰىنَا لِهٰذَا) (الأعراف 43) (بَلِ اللّٰهُ یَمُنُّ عَلَیْكُمْ اَنْ هَدٰىكُمْ لِلْاِیْمَانِ) (الحجرات آية 17)

ذكر أهل اللغة أن الفرق بين التعدية بالحرف والتعدية بالفعل نفسه أن التعدية بالحرف تستعمل عندما لا تكون الهداية فيه بمعنى أن المهدي كان خارج الصراط فهداه الله له فيصل بالهداية إليه. والتعدية بدون حرف تقال لمن يكون فيه ولمن لا يكون فيه كقولنا ” هديته الطريق ” قد يكون هو في الطريق فنعرفه به وقد لا يكون في الطريق فنوصله إليه. (فَاتَّبِعْنِیْۤ اَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِیًّا) (مريم آية 43) أبو سيدنا إبراهيم لم يكن في الطريق، (وَ لَهَدَیْنٰهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِیْمًا) (النساء آية 68) والمنافقون ليسوا في الطريق. واستعملت لمن هم في الصراط (وَ قَدْ هَدٰىنَا سُبُلَنَاؕ) (إبراهيم آية 12) قيلت في رسل الله تعالى وقال تعالى مخاطبا رسوله: (وَ یَهْدِیَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِیْمًا) (الفتح آية 2) والرسول مالك للصراط. استعمل الفعل المعدى بنفسه في الحالتين.

التعدية باللام وإلى لمن لم يكن في الصراط (فَاحْكُمْ بَیْنَنَا بِالْحَقِّ وَ لَا تُشْطِطْ وَ اهْدِنَاۤ اِلٰى سَوَآءِ الصِّرَاطِ) (ص آية 22) (هَلْ مِنْ شُرَكَآىٕكُمْ مَّنْ یَّهْدِیْۤ اِلَى الْحَقِّ) (يونس آية 35) وتستعمل هداه له بمعنى بينه له والهداية على مراحل وليست هداية واحدة فالبعيد عن الطريق، الضال، يحتاج من يوصله إليه ويدله عليه (نستعمل هداه إليه) والذي يصل إلى الطريق يحتاج إلى هادٍ يعرفه بأحوال الطريق وأماكن الأمن والنجاة والهلاك للثقة بالنفس ثم إذا سلك الطريق في الأخير يحتاج إلى من يريه غايته واستعمل سبحانه اللام (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) (الأعراف آية 43) وهذه خاتمة الهدايات.

ونلخص ما سبق على النحو التالي:

إنسان بعيد يحتاج من يوصله إلى الطريق نستعمل الفعل المتعدي بإلى. إذا وصل ويحتاج من يعرفه بالطريق وأحواله نستعمل الفعل المتعدي بنفسه. إذا سلك الطريق ويحتاج إلى من يبلغه مراده نستعمل الفعل المتعدي باللام.

الهداية مع اللام لم تستعمل مع السبيل أو الصراط أبدا في القرآن لان الصراط ليست غاية إنما وسيلة توصل للغاية واللام إنما تستعمل عند الغاية. وقد اختص سبحانه الهداية باللام له وحده أو للقرآن لأنها خاتمة الهدايات كقوله (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) (الإسراء آية 9) وقوله (يهدي الله لنوره من يشاء) (النور آية 35) قد نقول جاءت الهدايات كلها بمعنى واحد مع اختلاف الحروف. – (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع امن لا يهدي إلا أن يهدى) (يونس آية 35) جاءت يهدي للحق المقترنة بالله تعالى لان معنى الآيات تفيد هل من شركائكم من يوصل إلى الحق قل الله يهدي للحق الله وحده يرشدك ويوصلك إلى خاتمة الهدايات، يعني أن الشركاء لا يعرفون أين الحق ولا كيف يرشدون إليه ويدلون عليه.

(يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) (المائدة آية: 16) استعمل الهداية معداة بنفسها بدون حرف واستعملها في سياق واحد مع الفعل المعدى بإلى ومعنى الآيات انه من اتبع رضوان الله وليس بعيدا ولا ضالا استعمل له الفعل المعدى بنفسه والذي في الظلمات هو بعيد عن الصراط ويحتاج إلى من يوصله إلى الصراط لذا قال يهديهم إلى صراط مستقيم (استعمل الفعل المعدى بإلى)

نعود إلى الآية ” اهدنا الصراط المستقيم ” (الفعل معدى بنفسه) وهنا استعمل هذا الفعل المعدى بنفسه لجمع عدة معاني فالذي انحرف عن الطريق نطلب من الله تعالى أن يوصله إليه والذي في الطريق نطلب من الله تعالى أن يبصره بأحوال الطريق والثبات والتثبيت على الطريق.

(يُتبع…)

  1. 1. أستاذ النحو في جامعة الشارقة.