انتقل إلى المحتوى

كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ

الكاتب: الإمام المحدّث شبير أحمد أزهر الميرتهي أخذ وتقديم: د. محمد غطريف شهباز الندوي العربية

(الحلقة السادسة)

(مقتطف من شرحه الحافل تحفة القاري بشرح صحيح البخاري)

]المختارات هو قسم مخصص لاختيارات من كتابات المؤلفين القدماء والجدد، وهدفه تقديم الفكر والنظر للماضي والحاضر أمام القراء والدار سين. ويتم فيها اقتباس مقاطع من تصانيف ممثلة لعلماء الماضي والتي تسلط الضوء على أفكارهم وأساليبهم، وكذلك تُضاف كتابات المؤلفين الجدد الفعّالة والموثوقة. وليس بالضرورة أن يتفق مدير التحرير والمؤسسة مع محتويات هذا القسم. الإدارة[

وقال أحمد حدثنا عامربن صالح الزبيري ثني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن الحارث بن هشام أنه سأل: الخ (مسند أحمد ج 6 ص 108 و207. وعن الحارث خطأ والصواب أن الحارث.

وقال مسلم حدثنا أبوبكربن أبي شيبة نا سفيان بن عيينة نا هشام به.ولم يسق لفظه وساقه النسائي فقال أخبرنا اسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت سأل الحارث بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي قال في مثل صفقة الجرس فيفصم عني وقد وعيت عنه وهو أشده عليّ وأحيانا يأتيني في مثل صورة الفتى فينبذه إليّ. (سنن النسائي 1 باب جامع ماجاء في القرآن)

قال مسلم: حدثنا أبو كريب نا أبو أسامة وابن بشر جميعا عن هشام بن عروة به، ولم يسق لفظه، وقال أحمد حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت إن كان لَينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغداة الباردة ثم تفيض جبهته عرقاً. (مسند 6 ص 58 ورواه مسلم عن أبي كريب عن أبي أسامة به. (كتاب الفضائل عرق النبي صلى الله عليه وسلم في البرد حين يأتيه الوحي)

وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق انا معمرعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت سأل النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال:كيف يأتيك الوحي يا نبي الله؟ قال: يأتيني أحيانا له صلصلة كصلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت وذلك أشده عليّ ويأتيني الملك أحياناً في صورة الرجل فيخبرني فأعي مايقول. (مسند أحمد ص 163) فرواه عن هشام بن عروة سبعة:

مالك ومحمد بن بشر وعامر بن صالح وأبن عيينة وأبو أسامة ومعمر وعلي بن مسهر. ورواية على بن مسهر عند البخاري مخالفة لرواية الستة. فإن رواية الستة ناطقة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سُئل كيف يأتيك الوحي ذكرفي الجواب كيفيتين وحالتين لإتيان الوحي:

الأولى إنه يسمع صوتاً كصلصلة الجرس، فيفصم عنه وقد فهم ووعى ما أوحيَ اليه، والثانية أن الملك يأتيه متمثلاً في صورة رجل يعرفه النبي صلى الله عليه وسلم أنه ملك أرسله الله إليه فيقول له إن الله يقول كذا، يأمركذا وينهى كذا ويخبر كذا فيفهمه ويعيه. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأولى أشد عليه- فالحاصل أن الوحي قد ينزل عليه بدون واسطة الملك وقد يأتيه بواسطة الملك.

وذكر علي بن مسهر في حديثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سئل كيف يأتيك الوحي فأجاب يأتي الملك أحياناً في مثل صلصلة الجرس ويتمثل لي الملك أحياناً رجلاً – فذكرأن لإتيان الملك حالتين: مرة يأتيني الملك في مثل صلصلة الجرس غير متمثل وتارةً يأتيني الملك في صورة رجل فلزم محذوران شديدان. الأول أن الجواب لايبقى مطابقاً للسؤال فإن السائل لم يسئله كيف يأتيك الملك، وإنما سأل كيف يأتيك الوحي. والثاني أن رواية الواحد لاتقاوم رواية الجماعة. لقد تبين بالنظر إلى رواية الجماعة أن علي بن مسهر أخطأ إذ ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مجيباً: يأتي “الملك” أحيانا في مثل صلصلة الجرس، فزاد على بن مسهر لفظ الملك فيه وهما وخطأً كان عليه أن يذكر: يأتي أحيانا في مثل صلصلة الجرس والضمير المستتر في يأتي يرجع إلى الوحي المذكور في السؤال. فإتيان الوحي في مثل صلصلة الجرس قسم من الوحي وتمثل الملك رجلاً قسم آخرمنه. وإذا نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل صلصلة الجرس كان أشد القسمين عليه. لأنه شبيه بوحي الله إلى الملائكة كما جاء في حديث مروي عن أبي هريرة مرفوع :

إذا قضى الله في السماء أمرا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه صوت سلسلة على صفوان (أي حجرأملس).

ونرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترقى ويصعد في إدراك هذا الوحي من الطبع البشري إلى الوضع الملكي بقطع حواسه ومشاعره عن هذا العالم. وتشبيه هذا النوع من الوحي بصلصلة الجرس لتقريب المراد إلى فهم المخاطب فكان ذلك الوحي صوتا متداركاً يأخذ بمجامع قلب النبي صلى الله عليه وسلم ويجذبه إلى إدراكه وفهمه.ولنضرب لك مثلاً:

إذا تفكرت في شيئ لاتعرفه وأردت أن تقف على حقيقته غرقت في بحر الفكر وصرت كالمنقطع عماحولك فربما لا تشعر في هذه الحالة بالمارين ولا الحاضرين وتذهل عما يحيطك من الأشياء، كأنك لست بموجود في ذلك المقام. وأما إذا أتاك من تثق بقوله وأخبرك عن أمر لاتعرفه فأصغيت إلى قوله ووعيت ماقال فهذا لايقطعك عما حولك. إن تحصيل العلم بالتفكر والقلب أثقل وأشد على الإنسان من تحصيله بالسماع والتلقي من المخبر المحسوس المشاهد، فلهذا كان إدراك المعاني أعسر فإنها تدرك بالقلب والقوة الفكرية، والاستماع إلى الكلام المسموع والإصغاء إلى الكلمات المنقولة أيسر فإنها تدرك بالقوة السمعية.

ومناسبة هذا الحديث للباب ظاهرة فإن المذكور فيه نوعان من الوحي كان أحدهما أشد وأشق على النبي صلى الله عليه وسلم. ومقتضى العقل أن الابتداء في الأمريكون بما خف ويسر ثم يترقى من الخفيف إلى الثقيل العسير. فهذا الحديث يشير إلى أن بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بأخف نوعيه وهو تمثل الملك له رجلاً يكلمه.كما يأتي مصرحا في الحديث التالي. وقوله في هذا الحديث -حديث عبد الله بن يوسف- قالت عائشة ولقد رأيته-الخ متصل بالإسناد المذكور وليس بتعليق- فإن البخاري رحمه الله حيث يريد التعليق يأتي بحرف العطف. وقد أخرجه الدارقطني من طريق عتيق بن يعقوب عن مالك مفصولاً عن الحديث الأول وكذا فصلهما مسلم وأحمد من طريق أبي أسامة عن هشام كما ذكرت. وأخبرت أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها بمسئلة الحارث بن هشام ثم أخبرت بما شاهدت تأييداً للخبرالأول.

تنبيهٌ مهمٌ:

“الإشراق” نودّ أن نوضّح لقرّائنا الكرام أنّنا قد أوردنا في الأعداد السابقة من مجلتنا مقتطفاتٍ كثيرة من هذا الشرح العلميّ المحقّق اللطيف، تحت عناوين مختلفة، تناولنا فيها الحديثين الثالث والرابع من “الصحيح” بالشرح والتفصيل الكافي. ولذلك لا نعيد نشرها هنا، بل نشرع الآن في أعدادنا القادمة في شرح الحديث السادس وما يليه.

(قلم التحرير)