انتقل إلى المحتوى

الأدب العربي قبل الإسلام

الأستاذ الدكتور خورشيد الحسن الرضوي* مراجعة :الأستاذ عبد الماجد النديم / ترجمة من الأردية :الأستاذ عمرفاروق** العربية

(الحلقة الأولى)

مكانة العرب ولغتهم بين الأمم السامية ولغاتها

صنَّفت البحوث العلمية الحديثة كل الأمم والشعوب المتواجدة على وجه البسيطة، ولغاتها في العالم، إلى أصناف وفروع مختلفة. فبحسب هذا التصنيف العلمي تنضوي الأمة العربية ولغتها تحت عنوان شامل هو: الأمم واللغات السامية (The Semites & Semitic Languages)(1). وقد اصطلح المؤرخون (واللغويون) على هذه التسمية نظرا إلى ما ورد في العهد القديم من بيان حول نسب النبي نوح عليه السلام حيث جاء ذكر أبنائه الثلاثة: سام وحام ويافث، الذين اعتُبروا أجدادا للأمم العالمية كلها بعد الطوفان.(2) فالأمم السامية تُعد منحدرة من سلالة سام.(3)، وسُميت لغاتها باللغات أو الألسنة السامية.

ومن أبرز الأمم السامية (ولغاتها): الأشورية (Assyrian) والبابلية (Babylonian) والآرامية (Aramaean) والعبرية (Hebrew) والفينيقية (Phoenician) والحبشية (Ethiopian) والعربية (Arabian).

لم يتفق الباحثون فيما يتعلق بالموطن الأصلي للأمم السامية الذي خرجت منه وانتشرت في أماكن وأصقاع مختلفة من المعمورة. وبفضل اختلاف نظرة الباحثين في الموضوع، وإلى قرائن علمية تحفه، اختلف عندهم موطن الساميين الأصلي، إذ قالوا إن الأمة السامية كانت تقطن أرمينيا أو بابل أو منحدر الفرات أو أفريقيا أو شبه الجزيرة العربية. تبدو بعض هذه النظريات والآراء ضعيفة وفقاً للبحوث العلمية التي أجريت في الآونة الأخيرة، إلا أن كلها لا تدعمها أدلة قاطعة. أما بعض الباحثين الموقرين(4) فيرون أن الجزيرة العربية هي الموطن الأصلي للساميين، ودلائلهم في هذا الصدد قوية إن لم تكن باتَّة.

والأمر الثاني هو التساؤل حول اللغة الأصلية للغات السامية، إذ لا نستطيع هنا أيضا أن نبتَّ في الأمر. ومجمل القول في هذا الصدد هو أن اللغة السامية الأصلية (Proto-Semitic)، والتي يُطلق عليها في الغرب “Ursemitisch”، قد اندثرت، وأن اللغة العربية – رغم كونها حديثة العهد باستعمالها الواصل إلينا وقصيرة العمر فيما يتعلق بآثارها المكتشفة – إنما هي أقرب اللغات السامية إلى الأصل لكونها خالصةً من الشوائب وحاملةً خصائصَ الأصل بالنسبة إلى غيرها.

وبالاختصار، فإن الأمة العربية هي خير ممثل للأمم السامية، واللغة العربية خير ممثل للغات السامية. وذلك لأن البيئة الجغرافية للعرب كانت تتسم بالوحدة وكان التغيير فيها بطيئاً جداً، مما أتاح بقاء الخصائص اللغوية والعِرقية نقية لفترة طويلة. وثانياً استطاع العرب بفضل الإسلام أن ينشروا تقاليدهم الاجتماعية على نطاق واسع، فأصبحت ثقافتهم منطبعة على جزء كبير من المعمورة الأرضية، وهو شرف لم تنله أي أمة سامية أخرى. أما التراث الذي تركته بقية الأمم السامية فهو قليل وغامض، لا يكفي لتشكيل صورة حية نابضة لتلك الأمم(5). أما فيما يتعلق باللغات السامية فإن اللغة التي بقيت متداولة بشكل حقيقي متسلسل هي العربية وحدها، إذ إن الحبشية باقية فقط كلغة كَنَسِيَّة في الحَبَشة(6)، وبعض لهجات الآرامية لا تزال حية في بعض القرى حوالي دمشق(7). أما العبرية فقد انتقلت بوصفها لغة دينية وعلمية بين اليهود من جيل إلى جيل حتى أعيد إحياؤها في العصر الحديث(8)، ولكن دراستها البحثية تحتاج بالضرورة إلى الاستعانة بالعربية(9). أما باقي اللغات فقد اندثرت تماماً. وهكذا فإن الكنوز الدينية والعلمية والأدبية والحضارية التي تحتضنها اللغة العربية – ومدى انتشارها الواسع عبر العصور وفي أراضٍ مترامية بعيدة – فإنها لم تصل إلى عشر معشارها أي من اللغات السامية الأخرى.

الهوامش:

يُعد العالم الألماني لودونج شلوزر (A. Ludwing Schlozer: 1735-1809) مبتدع مصطلح “السامية”.

2- الكتاب المقدس، العهد القديم، سفر التكوين، الإصحاح 10.

3- أما التصنيف العلمي الأحدث نسبيا فيختلف في تحديد تفاصيل الأمم السامية عن النسب المذكور في الكتاب المقدس. ومما يجدر بنا ذكره والإحالة إليه في هذا الصدد هو ما كتبه العالم اللاهوتي الألماني يوحنا جوتفريد (Johann Gottfried Eichhorn: 1752-1827) الذي يُعد مؤسس النقد الحديث الموجه إلى العهد القديم. [وليس من نافلة القول أن نشير إلى أن وصف “السامي” في الكتاب المقدس لا يشمل العرب القاطنين اليمنَ (Arabia Felix) والأحباش الذين هم من أرومة سامية أيضا: المترجم].

4- أمثال شبرنجر (Sprenger)، شرادر (Schrader)، سائيس (Sayce)، وهيوجو (Hugo Winckler). انظر: Geog. Fact, p26

5- Nicholson, Introduction, xvi-xvii.

6- Enc. ox. Jnr. 4/403, Semitic Languages.

7- Ibid, 4/183, Hebrew Language.

8- تعد جهود إليزر بن يهودا Eliezer Ben-Yehuda (1858-1922) بارزة للغاية وذات أهمية كبيرة فيما يتعلق بإحياء اللغة العبرية.

9- Why Learn Arabic, 10-23.

*هو محمد خورشيد الحسن الرضوي (د: 1942م)، أستاذ الأدب العربي المعروف في باكستان وفي الخارج. يقرض الشعر بالأردية والعربية، وله أربعة دواوين من الشعر الأردي (وقد نُشـرت في شكل مجموعة كاملة باسم یکجا: مجتمع). وله ديوانان آخران جاءا بعد نشـر یکجا. ظهرت الرصانة والتفوق منذ أول ديوانه الأردي المعنون بـ: شاخِ تنہا (الغصن الوحيد) حيث اعترف بشعريته الشاعر الأردي الكبير أحمد ندیم القاسمی (فـ: 2006م) والناقد الأردي الكبير وزیر الأغا (فـ: 2010م)، كما أن له شعرا عربيا يدل على امتلاك ناصية القريض العربي وهو بعدُ يعيش في بلد غير عربي. اختير عضوا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. حقق الجزء السادس من قلائد الجمان لابن الشعار الموصلي، كما قام بدراسة حول بعض جوانب القلائد وعن حياة مؤلفه قدمها سابقا لنيل درجة الدكتوراه مع تحقيق نموذجي لستين ورقة من الجزء الأول من الكتاب المخطوط. نُشرت له أخيرا سلسلة من المقالات حول الأدب العربي قبل الإسلام في مجلة سویرا الأردية الصادرة في لاهور، (وهي الآن منشورة في شكل كتاب بعنوان: عربی ادب قبل از اسلام). وقد نُشـر الجزء الثاني من الكتاب كذلك: الكتاب الذي نقوم هاهنا بتقديم ترجمته العربية عبر صفحات الإشراق في حلقات متتالية. تقاعد سنة 1995م كرئيس قسم اللغة العربية بالكلية الحكومية بلاهور. وقد عمل رئيسا لقسم الترجمة أيضا بمجمع البحوث الإسلامية، الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد، حيث قام بترجمة محاضرات الباحث التركي المعروف فؤاد سيزكين (في تاريخ العلوم العربية والإسلامية) إلى الأردية. منحته الحكومة الباكستانية وسام نجمة امتياز سنة 2009م. يعمل حاليا كأستاذ شرف (Professor Emeritus) بجامعة الكلية الحكومية (G.C. University) بلاهور. ومن شعر الدكتور الرضوي بالعربية ما يُعتبر مثلا سائرا يقول: [من الطويل]

يهابونكمْ رغم الُهزال بدا بكمْ

وتخشى الكلاب الليثَ والليثُ ناحلُ

** الاسم الكامل: عمر فاروق محمد عباس

مدرّس اللغة العربية سابقًا بالجامعة الإسلامية العالمية، إسلام آباد، باكستان.

مترجم مستقل حاليًا في تورنتو، كندا.

البريد الإلكتروني: umarfarooq33@yahoo.com

(للحديث صلة …)