(الحلقة السابعة)
كيف يمكننا تحديد الهوية دون السقوط في عملية استبعاد الآخر والغير؟ يبدو أن الواحدية التي تقطن كيان الهوية هي التي تفرض هذا الاستبعاد، وهي التي تحول الآخر إلى عدو يجب القضاء عليه، ذلك ما دعا بعضهم إلى تعويض تصور الهوية بمفهوم جمعي يؤكد على التنوع والتعدد ويقضي على الواحدية. فقد أكد فرنسوا لارويل مثلاً (François Laruelle) أن التفكير المعاصر، بما في ذلك العلوم المختلفة هو تفكير في الاختلاف والكثرة والتنوع، لذلك يجب أن نتكلم في الهوية بصفة الجمع ونقول هويات حتى نزيح عن هذا المفهوم كل توقع في الذات وكل انكماش في الوحدة.
ميزة هذه المقاربة التنوعية أنها تحرر الهوية من صيغتها الكلية التوحيدية التي تقوم على إقصاء الآخر، كما يمكنها أن تحررها من برنقة المانيا الإيديولوجية والمواقف المسبقة في المقاربات الأنثروبولوجية.
ولكن إقرار الكثرة في كينونة الهوية قد لا يؤدي حقاً إلى معرفة حقيقتها وواقعها، أفلا تكون هذه الكثرة – في حقيقة أمرها – هي كثرة نظرنا نحن للذات حسب اختلاف الثقافات والعصور والحالات الاجتماعية حيث تبقى الهوية رغم ذلك كله مظهراً موحداً للأنا الشخصي والمجتمعي والكلي؟ إذا لم تكن هناك ثوابت موحدة في الهوية فلماذا نتكلم عنها؟
لكن لذلك لا بد من مقاربة تأخذ بعين الاعتبار في نفس الوقت هذا الأس الموحد لثوابت الهوية وهذا المظهر المتغير والمختلف ولا سيما في العلاقة الصعبة مع الغير.
هناك تقريباً نمطان لفهم قضية الهوية:
١- فهم ذاتوي لمفهوم الهوية قد أفرز موقفين متكاملين بإزائهما: موقف صادر عن البلدان التي طورت ثقافتها وأعطتها صبغة عالمية وكونية وقد يتمظهر هذا الموقف في إرادة الهيمنة والاستغلال والتمركز اقتصاداً وسياسةً وثقافةً، وموقف صادر عن الثقافات الأخرى المرغية التي كثيراً ما تأخذ صبغة الدفاع عن الذات وتنظم نفسها للصمود. ولعل صموئيل هانتنغتون في كتابه حول صدام الحضارات يعني بتأكيده على هذه الصراعات أن الهويات لا يمكن أن تأخذ غير هذه الصيغة التوترية وأن محرك التاريخ يكمن في صراع الهويّات.
٢- والفهم الموضوعي لهذه الإشكالية يحاول إقرار تناظر وتناسق بين الهوية والعقل في صيغته المنفتحة والكونية في الآن نفسه، وهو فهم يأخذ بعين الاعتبار ثوابت الوجود ومتغيراته، ويفتح الوجود على الحياة بتغيراتها ومفاجآتها ونضالها وتوتراتها، فالذات في هذا الفهم مؤسسة للعقل وللوعي المتحرك والمتواصل أي إنها تتحدد بتاريخيتها. وتاريخيتها هي الفعل في الوجود والانتزاع عن قيوده.
لنعرّف تاريخية الإنسان بحضوره الآني في الوجود من حيث هو انعكاس للماضي واستتباع لإفرازاته وانفتاح للمستقبل وانتظار دائم لحضوره. فقد أكد هايدغر على هذا التفتح على الإقبال، لأن تاريخية الإنسان لا تكمن فقط في تعلقه بالماضي وبالذاكرة، بل تتمحور أيضاً حول أفعاله الآنية وحضوره ومساهماته في ثنايا الحياة وفي نظرته إلى الأمام واستقباله للجديد وللإحداثيات. ذلك يعني أن للتاريخية في حد ذاتها بعدين، بعد مؤرخ يجعل الوعي الذاتي مرتبطاً بالوعي بالماضي وبالذاكرة، فيؤسس هويته بالنظرة إلى التراث الماضي وباستحضار ما قد سجلته الذاكرة ونعني به “بعد عملية غربلة وتمييز”، وبعد صيروري يجعل الوعي الذاتي مرتبطاً بالانفتاح على إحداثيات المستقبل وصيرورتها سواء كان ذلك في صيغة مأساوية (الوجود للموت) أو كأمل وانتظار (الوجود للحياة)، ونعني به “بعد تأسيس الذاتية المشروعة”.
هكذا تكون ميزة هذه المقاربة البديلة في انفتاح تاريخ الذات على الإقبال.
وللمزيد من التعمق فيها لا بد من الاستنجاد بمفاهيم قد طورها الفيلسوف الفرنسي بول ريكور من خلال قراءته لهايدغر، إذ إن تاريخية الإنسان تتحدد ببعديها الماضي والصيروري حول محور أنطولوجي يسطر وحدتها بحسب تعبير هايدغر من خلال ثلاث نقط:
أولاً “تعطى الوجود بين حياة وموت”.
وثانياً من خلال ثباته لذاته.
وثالثاً من خلال تحولاته.
لا يعني “تعطى الوجود بين حياة وموت” المسافة التي تفصل ولادة الإنسان عن فنائه، لأنه يفيد أساساً كما بين بول ريكور قلق الذات من خلال وجودها الحاضر ومن مصيرها الحتمي نحو الفناء، قلق وجودي لا محالة، ولكنه يفرض أن الوجود هو أيضاً حياة وأن الآتي هو أيضاً عنصر محدد للذات ولهويتها. فالثبات للذات هو غير الثبات في الذات. الذات لا تكون ثابتة بل تكون في تحولاتها وتغيراتها وتألمها المتواصل لبيئتها ورثية لأصلها. لذلك لا يعني الثبات للذات سكوناً في الأصل، توقفاً وانعزالاً وإعداماً للتغير، فكان العنصر الثالث المؤسس للهوية هو التحول (la mutabilité)، الذي يكون في الآن نفسه أصلاً ومبدأً مثل حالته كمفهوم في علم البيولوجيا. فهوية الذات تبدو في قلقها وثباتها لذاتها وصيرورتها وانفتاحها على الإقبال.
والجدير بالملاحظة أنه لا يجب أن نفهم هذا الطرح على مستوى الفرد فقط، بل لأن للفرد تاريخية، ولأن هذه التاريخية اجتماعية بالأساس فإن الوجود ينصب في التذاوت (intersubjectivité) فالذات مرتبطة بالآخر وهي في علاقة معينة مع الأشياء. لذلك لا ينفي البعد الأنطولوجي البعد الاجتماعي والتاريخي.
هكذا إذن ما يسميه هايدغر بالصيرورة للذات والعودة إلى الذات معاً يكونان ما سميناه بالمقاربة البديلة لمفهوم الهوية. فقد تعطي هذه المقاربة لهذا المفهوم حيوية جديدة ومشروعية استعمال، بل قد تعطيه وظيفة استراتيجية في واقعنا الحالي أمام تفاقم اللامساواة بين الناس وبين الشعوب.
هكذا إذن يكون إقرار هويتنا العربية الإسلامية إقراراً استراتيجياً إذا ما تحددت الهوية بالمقومات التي ذكرناها سالفاً، بحيث إن هذا الإقرار لم يعد يعني انعزالاً في الذات وتمجيداً لثوابتها الماضية وانحداراً نحو عصر ما قبل التكنولوجيا، بل أصبح يعني الإقرار تعويضاً لذاتنا في هذا العالم من خلال تأصيلها لا محالة، ولكن أيضاً من خلال تأقلمها مع راهنية المعارف والإبداعات، ومن خلال انغماسها الحقيقي في معمعة التجديد والتحولات التكنولوجية بالابتكار والخلق والاستيعاب، ومن خلال بناء مصيرها ومشروع مستقبلها في العالَم.
(يُتبع…)
_________________________________
كتاب “الحداثة وما بعد الحداثة”، د. عبد الوهاب المسيري والدكتور فتحي التريكي، صـ ١٧٩- ١٨٢