انتقل إلى المحتوى

توافق علامات القيامة في الحديث النبوي مع الأحداث التاريخية في ضوء الكتاب المقدس والقرآن (15)

بقلم: الدكتور محمد سعد سليم / ترجمة من الأردية: أ. عثمان فاروق العربية

مواجهة المسيح عيسى (عليه السلام) للدجال في الأحاديث النبوية

خُصِّص للدجال في هذه الدراسة فصلٌ مستقلٌ؛ ولذلك يقتصر هذا القسم على ما ورد بشأنه من تفاصيل لم تُذكر في الفصل السابق.

طواف الدجال خلف المسيح عيسى (عليه السلام): محاولة الهيمنة العالمية

رأى النبي محمد ﷺ في المنام المسيح عيسى عليه السلام يطوف بالكعبة المشرفة، بينما كان الدجال يسير خلفه.172

وفي هذا المنام تمثل الكعبة مركز القوة العالمية، كما أنها تُعرف في التقليد الإسلامي بأنها بيت الله. وكما يطوف المسلمون بالكعبة ابتغاء مرضاة الله، فإن الدوران حول هذا المركز الرمزي للقوة في هذه الرؤيا يدل على السعي إلى تحقيق الهيمنة العالمية.

وتُفسَّر هذه الرواية بأنها تشير إلى التنافس على الزعامة العالمية بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي خلال فترة الحرب الباردة؛ إذ يرمز المسيح عيسى (عليه السلام) إلى الولايات المتحدة التي كانت تتولى قيادة النظام العالمي، بينما يرمز الدجال إلى الاتحاد السوفيتي الذي ظل يسعى، وهو يسير خلف الولايات المتحدة، إلى انتزاع موقع الصدارة، غير أنه أخفق في ذلك. ويغدو الطواف بالكعبة في هذا السياق رمزًا للتنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي على النفوذ العالمي، مع احتفاظ الولايات المتحدة بتفوقها.

كما أن طواف المسيح عيسى عليه السلام مستندًا إلى كتفي رجلين يرمز إلى الاصطفاف الاستراتيجي والدعم السياسي الحاسم الذي قدمه أبرز حلفاء الولايات المتحدة، وهما المملكة المتحدة وألمانيا الغربية، خلال فترة الحرب الباردة.

البحث عن الدجال: تعقُّب التحركات السوفيتية

يُفهم من الحديث أن بحث المسيح عيسى (عليه السلام) عن الدجال173 يرمز إلى سعي الولايات المتحدة الحثيث لتحديد الأنشطة الشيوعية، و تقييم مدى نفوذها ونقاط ضعفها، واستخدام القوة العسكرية والاستخباراتية في بعض الأحيان للحد من انتشارها. ويشمل ذلك التدخل العسكري في كوريا (١٩٥٠–١٩٥٣م) وفيتنام (١٩٥٥–١٩٧٥م)، فضلًا عن دعم المجاهدين في أفغانستان خلال ثمانينيات القرن العشرين في مواجهتهم للاتحاد السوفيتي.

ذوبان الدجال والدم على الرمح: الإخفاقات الاقتصادية للاتحاد السوفيتي وهزيمته في أفغانستان

ورد في الحديث174 أن الدجال يذوب بمجرد أن يرى المسيح عيسى عليه السلام. وأن هذا يرمز إلى أن الاتحاد السوفيتي بدأ يتآكل داخليًا منذ بدايات الحرب الباردة، إذ أسهمت الإخفاقات الاقتصادية، والقمع السياسي، والإحباط الأيديولوجي في إضعاف بنيته الصلبة تدريجيًا.

ويفسر الدم الذي يظهر على رمح المسيح عيسى عليه السلام بأنه يرمز إلى المجاهدين الأفغان الذين حظوا بدعم الولايات المتحدة؛ حيث وجَّه هذا الدعم غير المباشر ضربة قاسية إلى الاتحاد السوفيتي، فأصابه بضرر بالغ على المستويين الاقتصادي والعسكري.

قتل الدجال عند باب لُد: سقوط جدار برلين وانتهاء احتكار الحزب الشيوعي للسلطة

يفيد الحديث175 بأن المسيح عيسى عليه السلام سيقتل الدجال عند باب لُد، ثم يأتي إلى قوم عصمهم الله من فتنة الدجال، فيمسح على وجوههم، ويحدثهم عن منازلهم في الجنة.

وكانت مدينة لُد في عهد النبي ﷺ مركزًا إداريًا وتجاريًا مهمًا خاضعًا للإمبراطورية البيزنطية، وتمتعت بمكانة استراتيجية في الدفاع عن القدس. وخلال الحرب البيزنطية–الساسانية (٦٠٢–٦٢٨م) استولى الساسانيون أولًا على لُد، ثم تقدموا نحو القدس، وهو ما يبرز أهميتها الاستراتيجية. ويرى كاتب الدراسة أن هذه المكانة الاستراتيجية تقابل ما مثّله جدار برلين خلال الحرب الباردة، إذ كان أحد الأعمدة الرئيسة للاستراتيجية الدفاعية السوفيتية.

وقد جعلت الولايات المتحدة وحلفاؤها من برلين الغربية رمزًا لنجاح النظام الرأسمالي، مما أوجد فجوة اقتصادية أصبحت غير قابلة للتحمل بالنسبة للاتحاد السوفيتي. وفي نهاية المطاف، أدى انهيار جدار برلين عام ١٩٨٩م إلى كشف مواطن الضعف السوفيتية، وشكَّل بداية انهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية. كما أسهمت الحرب الأفغانية في إنهاك الاتحاد السوفيتي من الداخل، فجاء سقوط جدار برلين ليكون اللحظة الحاسمة التي جعلت ذلك الضعف قاتلًا. ونتيجة لذلك انتهى عام ١٩٩٠م احتكار الحزب الشيوعي للسلطة، وهو الاحتكار الذي بدأ يتشكل بوصفه قوةً ثورية بعد عودة لينين إلى روسيا عام ١٩١٧م، ثم ترسخ منذ قيام الاتحاد السوفيتي عام ١٩٢٢م واستمر دون منازع. وانتهى هذا المسار أخيرًا بانهيار الاتحاد السوفيتي الكامل عام ١٩٩١م.

لقد بقيت ألمانيا الغربية، ولا سيما برلين الغربية، بمنأى عن فتنة الدجال – أي الاتحاد السوفيتي – وواجهت على مدى عقود ظروفًا قاسية وغير مستقرة بصبر وثبات. وعندما سقط جدار برلين، كانت لدى عدد من القوى الكبرى، في ضوء ذكريات الحرب العالمية الثانية، تحفظات بشأن قيام ألمانيا موحدة. غير أن الولايات المتحدة، رغم تلك المخاوف، دعمت عمليًا توحيد ألمانيا، وهو ما يراه كاتب الدراسة اعترافًا بإصلاح ألمانيا الغربية وصمودها في مواجهة النظام السوفيتي. ويرى أن هذه الصفات هي التي أشارت إليها الأحاديث النبوية في وصف المسيح عيسى عليه السلام وهو يُظهر الشفقة على أولئك القوم، ويخبرهم بعلو منازلهم في الجنة.

الأحداث التي تلي الدجال في الأحاديث النبوية

لا يرد في صحيحي البخاري ومسلم تحديدٌ لعمر المسيح عيسى عليه السلام. غير أن فترة السلام التي تمتد سبع سنوات176، والمذكورة في الأحاديث بعد هلاك الدجال، تعكس المرحلة الممتدة من ١٩٩١م إلى ١٩٩٨م. وخلال هذه السنوات السبع شهد العالم قدرًا من الاستقرار النسبي، وبرزت الولايات المتحدة بوصفها القوة العظمى الوحيدة.

الرياح الباردة القادمة من الشام واليمن: رخاء الغرب والشرق الأقصى

يفيد الحديث بأنه بعد سبع سنوات من هلاك الدجال، يبعث الله تعالى ريحًا باردةً لطيفة تهب من جهة الشام177 واليمن178، فتقبض أرواح المؤمنين من تحت آباطهم.179 فلا يبقى على وجه الأرض إلا الأشرار؛ إذ تميت هذه الريح كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان أو خير. ويظل على الأرض قوم يتصفون بأنهم يواقعون الفواحش كما تفعل الحمير، ويتسمون بالخفة كالطيور، وتغلب عليهم الطباع الوحشية، ويعبدون الأوثان، ويفقدون التمييز بين الخير والشر، مع ما يكونون فيه من سعة العيش ووفرة الرزق. وعلى هذه الحال تقوم الساعة. وأن هذه الرياح ترمز إلى مظاهر الرخاء والرفاهية التي شهدها الغرب والشرق الأقصى في تلك المرحلة.

موت الدجال – أي انهيار الاتحاد السوفيتي – وقعت في ديسمبر عام ١٩٩١م، ومن ثم فإن فترة السنوات السبع اللاحقة تمتد إلى أواخر تسعينيات القرن العشرين. ويعرض كاتب الدراسة تفسيره لهذا الحديث على النحو الآتي:

١- الريح الباردة القادمة من الشام:

ترمز إلى نفوذ العالَم المسيحي الغربي؛ إذ كانت بلاد الشام في عهد النبي ﷺ خاضعة للإمبراطورية البيزنطية المسيحية. وكما كانت الرياح الباردة في الصحراء العربية الحارة رمزًا للراحة والسكينة، فإن النزعة الاستهلاكية، والتحرر الاجتماعي، والتقدم المادي في العالم الغربي قد امتدت – عبر العولمة والإنترنت – إلى مختلف أنحاء العالم، فأوجدت لدى الناس شعورًا بنوع من السكينة الزائفة.

٢- الريح التي هي ألين من الحرير من جهة اليمن:

تشير إلى دول شرق آسيا، ولا سيما الصين وغيرها من الدول الصناعية. فكما كان اليمن في عصر الرسالة يُعد مركزًا تجاريًا مهمًا ومصدرًا للسلع الفاخرة، أصبحت دول شرق آسيا اليوم من أبرز مراكز الإنتاج والوفرة المادية والاستهلاك العالمي. كما أن هيمنتها على طرق التجارة الدولية، ولا سيما في بحر الصين الجنوبي، تمثل نظيرًا معاصرًا للمكانة التجارية التي اشتهر بها عدن واليمن في العصور القديمة.

٣- قبض الريح أرواح المؤمنين من تحت آباطهم:

أن الإبط من أكثر مواضع الجسد حساسية، وأن خروج أرواح المؤمنين من هذا الموضع يرمز إلى تراجع الصفات الباطنية والروحية لدى الإنسان نتيجة الإرهاق الحسي المستمر (Sensory Overload)، الناجم عن فيض المؤثرات الحديثة، من تقنيات رقمية ووسائل ترفيه وموسيقى ومأكولات، حتى غدت كثرة الإثارة واللذة سببًا في إنهاك الحواس وإضعافها.

٤- الزنا كزنا الحمير:

يرمز إلى انهيار الحياء والقيم الأخلاقية.

٥- الخفة كالطير:

تعبر عن اللامبالاة والتسرع وسطحية السلوك، في حين أن “أحلام السباع” تجسد هيمنة النزعات العدوانية والشهوات المجردة من الضوابط الأخلاقية.

٦- عبادة الأوثان:

ترمز إلى الإلحاد (Atheism)، والمادية (Materialism)، والربوبية العملية (Functional Deism)، وهي صور معاصرة لتجدد الشرك والوثنية؛ إذ يجعل الإنسان من ذاته، أو المادة، أو شهواته، محورًا لحياته وموضعًا لرجائه بدلًا من الله تعالى. وبذلك أن الأحاديث النبوية ترسم مشهدًا لعالم يسبق قيام الساعة، تسوده الرفاهية، وتأليه التقدم المادي، والاغتراب عن الله، حتى ينقرض أهل الإيمان، وتغلب الفئة الفاسدة على وجه الأرض.

أسئلة تتعلق بالتأويل

دور الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة

خلال الحرب العالمية الثانية، كان الاتحاد السوفيتي مع قوات الحلفاء، وكان يعارض ألمانيا النازية (التي تُعبَّر عنها في الأحاديث بيأجوج ومأجوج). إلا أنه بعد الحرب، وخلال الحرب الباردة، اتخذ الاتحاد السوفيتي، بوصفه قوة شيوعية، موقفًا معاديًا للمعتقدات الدينية والقيم الأخلاقية، وروّج للشيوعية والإلحاد، وأصبح منافسًا للولايات المتحدة في النفوذ العالمي. وبهذا أظهر دورًا يشبه دور الدجال، مما يجعل في شخصيته تناقضًا ظاهريًا.

وفي الأحداث المذكورة في الأحاديث، قد تؤدي القوة نفسها أدوارًا رمزية مختلفة في سياقات تاريخية مختلفة. ونجد مثالًا مماثلًا لذلك في الكتب السماوية. فالإمبراطورية البابلية تُصوَّر في سِفر دانيال على أنها قوة ظالمة ووثنية دمّرت هيكل سليمان (عليه السلام).180 ولكن القرآن الكريم في سورة بني إسرائيل يصف البابليين أنفسهم بأنهم ’عِبَادًا لَّنَا‘ عندما سلّطهم الله على بني إسرائيل عقوبةً لهم. وهذا البيان القرآني لا يؤيد عقائد البابليين، وإنما يبيّن أن القوى الجبارة قد تكون، في ظروف معينة، وسيلةً لتحقيق المقصد الإلهي، تمامًا كما كان الاتحاد السوفيتي، الذي اتصف بصفات الدجال، جزءًا من قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.

وتشير هذه الأمثلة إلى أن العلامات ينبغي أن تُفهم في سياقها التاريخي والديني، وألا تُقيَّد بأدوار جامدة أو ثابتة.

(يُتبع …)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

172- Sahih Bukhari 5902: https://sunnah.com/bukhari:5902

173- Sahih Muslim 2937a: https://sunnah.com/muslim:2937a

174- Sahih Muslim 2897: https://sunnah.com/muslim:2897

175- https://sunnah.com/muslim:2940a Sahih Muslim 2937a

176- Sahih Muslim 2940a https://sunnah.com/muslim:2940a

177- Sahih Muslim 2940a: https://sunnah.com/muslim:2940a

178- Sahih Muslim 117: https://sunnah.com/muslim:117

179- Sahih Muslim 2937a: https://sunnah.com/muslim:2937a

180- Daniel 7:1–28: https://www.bible.com/bible/111/DAN.7.1-28.NIV

  1. 1. باحث وكاتب باكستاني مقيم في أستراليا، تتركز اهتماماته البحثية على دراسة أشراط الساعة ونبوءات الأنبياء في ضوء المقارنة بين الكتاب المقدس (Bible) والقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.