(أهميته وغايته وفضائله وثمراته وأنواعه وصوره وآدابه)
(الحلقة الأولى)
تمهيد
الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عبده المصطفى، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن ذكر الله تعالى من أجلِّ العبادات وأيسرها على المسلم، وهو عبادة لا تتطلب جهدا كبيرا ولا ترتبط بوقت مخصوص، وإنما يستطيع المؤمن أن يصل بها قلبه بربه في مختلف أحواله. وقد جعل الله تعالى الذكر سببا لحياة القلب وطمأنينة النفس، وأرشد عباده إلى الإكثار منه، فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.
[الأحزاب: ٤١-٤٢]
وقد تناول العلماء قديماً وحديثاً موضوع الذكر بالبحث والبيان، ومن أجمل ما صُنِّف فيه كتاب الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله «الوابل الصيب من الكلم الطيب»، لما اشتمل عليه من بيان مكانة الذكر وفضائله وآثاره في حياة المؤمن. وليس المقصود من هذا المقال استقصاء ما كتب في هذا الباب، وإنما التذكير بهذه العبادة العظيمة، وبيان أهميتها وغايتها وفضائلها وثمراتها، مع الإشارة إلى أنواعها وآدابها وصورها في حياة المسلم.
أولاً: مفهوم ذكر الله
الذكر في اللغة ضد النسيان، ويأتي بمعنى استحضار الشيء في القلب أو جريانه على اللسان. أما في الاصطلاح، فمفهومه أوسع من أن يقتصر على التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار ونحوها من الألفاظ؛ إذ يشمل كل ما يقرب العبد إلى الله تعالى.
ويمكن النظر إلى الذكر من جهتين: معنى عام، ومعنى خاص.
فالمعنى العام يشمل سائر العبادات والطاعات التي يقصد بها العبد التقرب إلى الله تعالى، كالصلاة والصيام والحج وقراءة القرآن والدعاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم العلم وتعلمه. ويدخل في ذلك كل عمل صالح يقصد به وجه الله تعالى.
أما المعنى الخاص، فهو ذكر الله بالألفاظ الواردة في القرآن الكريم والسنة النبوية، مما يتضمن التسبيح والتحميد والتمجيد والتوحيد والاستغفار والدعاء وغير ذلك من الأذكار المأثورة. وتأتي تلاوة القرآن الكريم في مقدمة هذا النوع؛ لأن القرآن كلام الله تعالى، وتلاوته عبادة وقربة.
وبهذا يتبيّن أنّ الذكر ليس مجرد ألفاظ تردد باللسان، بل هو عبادة تجمع بين القول والقلب والعمل، ويكتمل أثرها حين يستحضر المؤمن معاني ما يقول، ويظهر أثر ذلك في سلوكه وحياته.
ثانياً: نصوص من القرآن والسنة في فضل الذكر
جاء القرآن الكريم حافلاً بالأمر بذكر الله تعالى وبيان فضله وآثاره، ومن ذلك قوله سبحانه:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]
وقال تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]
وقال سبحانه:
﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾
[الأحزاب: ٣٥]
وقال تعالى:
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]
وقال سبحانه:
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]
وفي السنة النبوية أحاديث كثيرة تبيّن فضل الذكر وعظيم منزلته، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم».
(رواه البخاري ومسلم)
وقال صلى الله عليه وسلم:
«لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس». (رواه مسلم)
وقال صلى الله عليه وسلم:
«سبق المفرِّدون». قالوا: وما المفرِّدون يا رسول الله؟ قال: «الذاكرون الله كثيرا والذاكرات». (رواه مسلم)
وقال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل:
«أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم».
(رواه البخاري ومسلم)
وتكشف هذه النصوص عن مكانة الذكر في الإسلام، وأنه عبادة عظيمة تجمع بين سهولة الأداء وعظم الأجر، وتصل العبد بربه في مختلف أوقاته وأحواله.
ثالثاً: أهمية ذكر الله
تتجلّى أهمية ذكر الله تعالى في كونه من العبادات التي أمر الله بها أمراً متكرراً، وربط بها كثيراً من معاني الإيمان والاستقامة والفلاح. فالذكر ليس عبادة موسمية تؤدى في وقت محدد ثم تنتهي، وإنما هو صلة مستمرة بين العبد وربه.
وقد أمر الله تعالى عباده بذكره، فقال:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]
وقال:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]
وتزداد أهمية الذكر حين ندرك أنه يصاحب المؤمن في عباداته وأحواله المختلفة؛ فهو حاضر في الصلاة، والصيام، وتلاوة القرآن، والدعاء، والاستغفار، وسائر الطاعات. كما أن الذكر يعيد القلب إلى ربه كلما شغلته مشاغل الحياة، ويعين المؤمن على استحضار مراقبة الله تعالى.
ومن هنا كان الذكر من العبادات التي ينبغي أن تكون لها منزلة ثابتة في حياة المسلم، لا أن تقتصر على أوقات معينة أو مناسبات محدودة.
رابعاً: غاية ذكر الله
لم يشرع ذكر الله تعالى لمجرد تحريك اللسان بألفاظ مخصوصة، وإنما شرع لتحقيق غاية أسمى، تتمثل في إحياء صلة العبد بربه، وإيقاظ قلبه من الغفلة، وترسيخ معنى العبودية في نفسه، حتى يظهر أثر ذلك في اعتقاده وخلقه وسلوكه.
ومن أوضح النصوص في بيان الغاية من الذكر قوله تعالى لموسى عليه السلام:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]
فقد جعل الله تعالى الذكر غاية ظاهرة من غايات الصلاة، وهي من أعظم العبادات، مما يدل على أن استحضار الله تعالى وتعظيمه ينبغي أن يكون حاضرا في عبادة المؤمن.
كما قال سبحانه:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]
فالغاية الحقيقية من الذكر أن ينتقل أثره من اللسان إلى القلب، ومن القلب إلى العمل؛ فيصبح المؤمن أكثر مراقبة لله تعالى، وأشد حرصا على الطاعة، وأبعد عن المعصية والغفلة. وبهذا يتحول الذكر من ممارسة لفظية إلى حالة إيمانية تؤثر في حياة الإنسان كلها.
خامساً: فضائل ذكر الله
وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية فضائل كثيرة للذكر، ومن أبرزها:
١- أن الله تعالى يذكر من يذكره
قال سبحانه:
﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]
وهذه منزلة عظيمة؛ إذ يكرم الله عبده بأن يذكره سبحانه في مقابل ذكر العبد له.
٢- أنه سبب للمغفرة والأجر العظيم
قال تعالى:
﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]
فالذكر من أسباب نيل مغفرة الله تعالى والفوز بالأجر العظيم.
٣- أنه من أسباب الفلاح
قال تعالى:
﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]
فقد قرن الله تعالى كثرة الذكر بالفلاح، مما يدلّ على عظيم أثره في حياة المؤمن.
٤- أن الذاكر يكون في معية الله تعالى
قال الله تعالى في الحديث القدسي:
«أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني…».
(رواه البخاري ومسلم)
وهذه المعية من أعظم ما يبعث في قلب المؤمن الطمأنينة والثقة بالله تعالى.
٥- أنه من أسباب السبق إلى الخيرات
قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«سبق المفرِّدون»، قالوا: وما المفرِّدون؟ قال: «الذاكرون الله كثيرا والذاكرات». (رواه مسلم)
فالسبق هنا ثمرة من ثمرات المسارعة إلى ذكر الله والإكثار منه.
٦- أنه عبادة مستمرة لا تختص بحال دون حال
قال الله تعالى في وصف أولي الألباب:
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]
وهذا يدلّ على سعة باب الذكر، وأنّ المؤمن يستطيع أن يذكر ربه في مختلف أحواله، ما دام ملتزماً بما شرع الله تعالى. وهذه الفضائل تبيّن أنّ الذكر من أعظم أبواب الخير، وأن المؤمن الحريص على تزكية نفسه وإصلاح عمله لا ينبغي أن يفرط فيه.
(يُتبع …)