الباب الثاني
التشریع الاجتماعي
إنه قد أعطی الخالق جل وعلیٰ الإنسان طبیعة حیوان اجتماعي، ووجه ذلك أن الإنسان لم يتم خلقه بحیث یخلقه خالقه في مكان ما في السماء شاباً وينزله مباشرة إلی الأرض في عالم الشباب، ثم یعیده إلیه دون مروره بمراحل الهرم والشیبة، بل علی عكس من ذلك إنه یولد من حیث طفل رضیع ضعیف في ظلمات بعضها فوق بعض ،یفتح عینیه في حضن أمه یضحك ویلعب ویأكل ویشرب علی أیدی غیره ،ویقضي جمیع حاجیاته كذلك. ففي البدایة یزخف علی الأرض ثم یمشی علی ركبتیه ویستطیع الوقف علی قدمیه بصعوبة كبیرة وبعد ذلك أیضا یحتاج إلی الكثیر من العماد والمساعدة في كل میدان من میادین الحیاة، حتی یبلغ شبابه بعد المضي بمراحل عدة من الطفولة والمراهقة وهو ابن الخامس عشر والسادس عشر. ومرحلة الشباب أیضا لا تطول علی عشرین أو ثلاثین سنة ثم أخذ یذهب إلی المشیب،وبعد أن وصل إلی اعلی مراتب العلم والمعرفة إنه یضطر مرة أخری أن یقضي أیامه تحت رحمة الآخرین كالطفل الرضیع الضعیف.
فطبیعة البشر هذه تتقاضیٰ منه أن يتعايش حیاة اجتماعیة، وهذه العشرة الاجتماعیة تكمن فیه من لدن خلقته البدائیة ولا یحتاج الإنسان – رجلا وامرأة – أن یخرج من وجوده ویذهب بعیدا للبحث عن تلك العشرة الجماعیة، إنه یأتي إلی هذا العالم مع كل متاعه وكل ماله و منزله ، وسواء كانت الودیان والتلال أو السهول والصحاري فإنه یزین حفله الجماعي في كل مكان بنفسه.
والتاریخ البشري بأجمعه یشهد أن أبا البشر آدم لما بعث إلی وجه هذا الأرض تحت هذا المخطط الكامن في خلقه من حیث أول إنسان، فإنه لم یُبعث وحیداً شریدا بل خلق الله لرفاقته زوجاً من نفسه ثم بث رجالاً ونساءاً في هذا العالم، وكانت الأسرة فالقبیلة فالنظم الجماعي علی الصعید الإقليمي أوالدولي، وتیسر من كل ذلك للإنسان كل ما كان له ضروریا لازما لیدرك امكاناته الخفیة ویعمل علیها. وقد اعرب القرآن عن هذه الحقیقة كما یأتي:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا۔ (النساء: ١)
ففي هذه الآیة – إذا تدبرت علمت – قد بُیّنت كافة المبادئ والأصول التي بنی علیها خالق الكون الاجتماع البشري. وفي لفظ الأستاذ الإمام هذه الأصول مندرجة فیما یأتي:
’’أولاً إن هذا العالم لیس رعیة من دون راع لها، بل خلقه الله وهو الخالق الرب ولذا لایجوز لأحد أن یتعدی حدوده ویتجاسر علی امتثال أهواءه بل علی الكل أن یتقوا ویحذروا من عذاب الله الخالق المالك.
وثانیاً إن الله تعالیٰ قد خلق كل إنسان من نفس واحدة – آدم علیه السلام – فالكل ولد آدم نسباً الأب الواحد، فلا فضل لأحد علی أحد، لا لعربي علی أعجمي ولا لعجمي علی عربي ولا لأبیض علی أسود، الكل متساوون إلا بالتقویٰ أي بصفات اكتسابیة وكل معیارات الشرف دون ذلك باطل.
وثالثاً: لأن التعاون والتناصر في المجتمع البشري یقوم علی وحدة الإله ووحدة آدم واشتراك الرحم النسبي فیجب علی أن یعرفوا حقوق هذا الاشتراك ویؤدونها وأن لاتغلبهم نعرة تهدم الاشتراك المفطور ومما یبعث علی العواطف الجاهلیة، وإذا كان هناك شیئ یثور من هذا القبیل في الاجتماع الانساني فإنه بوقة خطر للاجتماع كله ویتوجب علی كل فرد صالح مؤاسي أن یصرف كل ماله من طاقة وامكانیة للصد عنه. وجاءت فقرة ’’واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام‘‘ تنبیهاً وتحذیرا من ذاك الخطر الشدید، لأن الأرحام هي التي تعتمد علیها بنایة الأسرة والاجتماع والدولة في الإسلام، فما دامت هذه الاركان قائمة تدوم البنایة أیضاً وإذا داهمها خطر تضعضت البنایة وإذا تهدمت انهدمت البنایة أیضاً۔ (تزكیة النفس، ٤٣٨٢)
ونظراً إلی هذه الأسس قد انتهج الأنبیاء علیهم السلام منهاج الرفاقة المستقلة بین الزوجین في دینهم، فقد أحبر الله سبحانه أن جمیع داعیات هذا المقصد الكبیر الهادف البناء قد أودعت في فطرته منذ الأزل، حتی یقومان مجتمعَین بأداء واجبات هذه الرفاقة المطلوبة، فقال تعالیٰ:
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الروم: ٢١)
ومن الواضح إذا كان الإنسان كله یُنظر إلیه من الطفولة إلی الشیخوخة ،أن هذه الطریقة هي الأوفی والأوفق لكيانه وطبيعته اعتباراً بضروراته الحیاتیة والنفسیة والاجتماعیة. لذلك، في بعض الجوانب الهامة للمجتمع الذي یأتي إلی حيزالوجود منه ،فإن الله تبارك وتعالیٰ قد أعطی قانوناً مفصلاً وتشریعاً حكیماً ترشیداً للعقل البشري فیها لبني آدم، ففیما یأتي سوف نفصل تلك النصوص القرآنیة والحدیثیة التي جاءت متصلة بها في الشریعة الخالدة الآن.