تعدد الأزواج
قال الله تعالیٰ:
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ. وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا. (النساء: ٣- ٤)
والآیة تخاطب أولیاء الیتامیٰ، وترشدھم إلی أنھم إن یخافون أن لا یقوموا بتبعاتھم بإشراف أموال الیتامی وأملاكھم وحقوقھم كما ھو حقھا، فعلیھم أن يتزجوا من أمھات الیتامی إن كن ممن یجوز النكاح بھا. فإذا ساھمن معھم في تحمل تلك المسئولیات لكان الأصلح لھم. وذلك لأنه لا یمكن لأي شخص آخر أن یتعامل مع الأیتام بالعلاقة القلبية التي یمكن أن تتمتع به أمھاتھم، وأن یھتم بحقوقھم بالوعي الذي یمكھن القیام به.
وواضح من ھذه الآیة أنھا لم تنزل لتحكم حكماً فیما یتعلق بتعدد الزوجات. وإنما نزلت ترغیباً للاستفادة من تقلید سائد لتعدد الزوجات متواجد من قبلُ في جزیرة العرب، نظرًا إلی مصالح الیتامی. وإشارات القرآن في المقامات الأخری توضح أن الفطرة التي فطر الله الناس علیھا، تقتضي أن تقوم مؤسسة الأسرة علی علاقة زواجیة بین رجل وامرأة فقط، مع خیراتھا وحسناتھا الأصلیة. فمثلاً ذكر القرآن في آونة وأخري أن البشریة قد استھلت من آدم علیه السلام وقد خلق الله له زوجةً واحدة. وفیما بعد من الأزمان لقد احتاج التمدن البشري ومصالح الإنسان النفسیة والسیاسیة والاجتماعیة إلی أن راج تعدد الزوجات في كل المدنیات علی أقل حد علی مر الحضارة الإنسانیة، ومراعاة لھذهً المصالح فإن الله لم یحرمه في أیة شریعة له. وھنا أیضًا قد أباح الله الاستفادة من رواجه لصالح الیتامی ولكن بشرطین:
أولاً: تحدید الزوجات في نكاح أحد إلی أربع علی أكثر حد. وإن كان النكاح قد حصل في مراعاة حقوق الیتامیٰ.
وثانیاً: شریطة العدل بین الزوجات شرط ضروري لازم بحیث إذا خاف المرء أن لا یعدل بینھن، فلا یجوز له أن ینكح أكثر من واحدة. وما ھي حدود ھذا العدل؟ فإن كان المراد به میلان القلب والمساواة الكاملة في التعامل الظاهري فھذا لا یمكن لأي إنسان، لأنه إن كان عند شخص زوجته الحبیبة ولكنه یتزوج بزوجة أخری لمحض أن یؤدي حقوق ومصالح أولادھا الیتامی في صورتها، فلا یمكن أن یساوي في الحب والمعاملة المجاملة بینھما. وقد ثار ھذا السؤال في زمن الرسالة نفسھا، وأجاب علیه القرآن في الآیات ۱٢٧ – ۱٣٠ من النساء. فأوضح أولاً أن العدل والمھر ھما من حق الزوجة سواءً تم النكاح بھا مراعاةً لمصالح وحقوق الیتامیٰ أو لمقصد آخر. فیجب أن یعطی لھا أجرھا نحلة وبطیب الخاطر. ثم نصح القرآن المرأة أنھا إذا خافت من بعلھا نشوزاً أو إعراضاً بنتیجة إصرارھا علی العدل بین الزوجات، فلا حرج أن یعقدا بینھما اتفاقیة، فقال:
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (النساء: ۱٢٨)
ویقول الأستاذ أمین أحسن الإصلاحي في تفسیر ذلك:
’’أي تعطي المرأة لزوجها امتیازات في حقوقھا من المھر والعدل والنفقة أن ترفع بھا الخطر بقطع العلاقات، ولذا قال: والصلح خیر، لأن العلاقة الزوجیة إذا قامت فالخیر كله للجانبین أن تبقی وتستمر وإن طلبت إیثاراً كبیراً. ولذا قال: وأحضرت الأنفس الشح. وعلاج ھذا المرض الكبیر ھو إما الإیثار من كلا الفریقین أو الإیثار من الفریق الآخر إن كان مرض الحرص والشح عند الواحد منھما قد أصبح داءً عضالاً. ولذلك، إذا كان علی المرأة أن تضحي من أجل الحفاظ علی علاقة الزواج، فالأفضل ھو الحفاظ علیھا. ثم حث المرءَ علی أن الإیثار والتضحیة والإحسان والتقویٰ ھو في الأصل میدانه ھو، ویلیق بشأنه فقال: “إن تحسنوا وتتقوا”، فعلیه أن یفي بفتوته ومروءته وأن یكون ھو المعطي للمرأة لا الآخذ منھا، وكان الله بما تعملون خبیراً، وسوف یجزي الجزاء الكامل علی كل عمل صالح.‘‘ (تدبر القرآن، ٢/ ٣٩٩)
ثم أوضح حدود العدل في الآیات التالیة:
وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا، وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا. (النساء: ۱٢٩ – ۱٣٠)
فعُلم منه أن العدل بین الزوجات الذي یتقاضاه القرآن لا یعني بالضرورة أن لا یكون ھناك فرق بینھن في التعامل الظاھر ومیلان القلب من كل وجه. لأنه لا یستطیعه رجل ولو حرص علیه. فإن المرء لا یملك قلبه، ولذا طلب منه القرآن فقط أن لا یمیل إلی جانب زوجة كل المیل فیذر الأخرى كالمعلقة كأنه لا زواج لھا. وعلیه فقد طلب القرآن من الرجل أن یحاول لإقامة التوازن في السلوك وأداء الحقوق، وإذا صدر نقص أو ھضم للحق تلافی ما فاته وأصلح سلوكه واتقی الله، ومع كل ذلك إن كان ھناك خطأ فإن الله غفور رحیم، ورحمته واسعة محیطة بكل شيء.
وفي آخر الآیة قد أوضح أنه ینبغي بالتأكید أن یحاول المرء إنقاذ البیت فھذا ما یریده الله، ولكن إذا ما أجبرت الحالات ویتم التفریق بین الزوجین فینبغي أن یرجوا من الله رجاءً حسناً لأنه ھو الرزاق، وھو الذي یأخذ بأیدي عباده في آلامھم ومشاقھم، إنه یغني الزوجین كلیھما بعنایته، یقول الأستاذ الإمام:
’’ویعني ذلك أن الجھد والتفاني مطلوب من كل من الزوج والزوجة للحفاظ علی ھذه العلاقة ولكنه مطلوب مع الغیرة واحترام الذات. فكما لا یجوز لأحد الزوجین أن یكون متصلباً متعنتاً فلا یجوز أیضًا الخضوع أكثر من حد معین. وإن كانت ھناك عمومیة في الألفاظ ولكن سیاق الكلام یدل علی تشجیع النساء بشكل خاص علی أن یحاولن للمصالحة بقدر الإمكان، وأن یقمن بالتضحیة من أجل المصالحة، ولكن لتشجعن علی أنه إن لم تتم المصالحة علی الرغم من محاولتھن فإن الله ھو الرزاق المتین، إنه یغنیھن بإعطائھن من خزانة جوده العظیمة.‘‘ (تدبر القرآن ٢/ ٤٠۰)
ولیتضح ھنا أن الله تعالیٰ قد استثنی رسول الله صلی الله علیه وسلم بحیث كونه خاتمَ الرسل من ھذین الشرطین لتعدد الزوجات، لیقوم ببعض متطلبات مسئولیات منصبه. فمثلاً إنه صلی الله كان قد قام بتزویج مولاه ومتبناه زید بابنة عمته زینب. ولم یكن بینھما تصالح فلأجل إنھاء التصور الجاھلي بحرمة زوجة المتبنی من أساسه، وھدفًا إلی التعاطف مع زینب قد أمره الله تعالیٰ أن یتزوج بنفسه بزینب مع أنه كانت تحته آنذاك أربع زوجات. وفي الوضع الذي كان قد حدث بین زید وزینب كان رسول الله صلی الله علیه وسلم نفسه یفكر أنه سوف یقوم بذلك وكان لا یبدي ذاك الخیال فقد أبداه الله، ونبّه أنه لیس له أن یخشی الناس في القیام بمسؤولیات منصبه الرسالي فقد أعلن الله تعالیٰ نكاحه بزینب في القرآن وقال:
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا. (الأحزاب: ٣٧)
ولما تم ھذا الإعلان فقد أعطی الله تعالیٰ معه ضابطاً مفصلاً لرسول الله خاصة للنكاح والطلاق في السورة نفسھا، رفع فیه منه شرائط تعدد الزوجات ذكرت آنفا، ولكن قد أضاف وأعاد علیه بعض التحدیدات المختصة به، والتي لم تكن لعامة المسلمین، فقال:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا. تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا. لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا. (الأحزاب: ٥۰. ٥٢)
وھذا الضابط ینبني علی نكات تالیة:
أولاً: بعد الزواج من زینب كان له أن ینكح نكاحاً مزیداً إن شاء لأھداف ثلاثة وھي كما یأتي:
(۱) لتكریم الحرائر والمحصنات مما ملكتھن یمینه بنتیجة إقدامه الحربي.
(٢) لتكریم وتشریف الحرائر اللاتي یردن الزواج به حصولاً للنسبة إلیه ویھبن أنفسھن له بأنفسھن.
(٣) تألیفاً للقلب لبنات العم وبنات العمات وبنات الخال وبنات الخالات التي ھاجرن معه، وصحبن معه مغادرات بیوتھن وأقربائھن.
ثانیاً: وبما أن ھذه الأنكحة إنما تتم فقط لإیفاء ذمة دینیة فقط ولذا فإن رسول الله غیر مسؤول عن العدل بینھن في التعامل.
ثالثاً: أما بقیة النساء سوی ھؤلاء فھن حرام علیه بعد ذلك. ومن أجل ھذا التقیید لم یمكن له التزوج بماریة فبقیت عنده علی طریقة ملك الیمین، كما لم یجز له بعد ذلك استبدال زوجة من زوجة أخرى مهما أعجبه حسنها.
فقد تزوج رسول الله صلی الله علیه وسلم لیفي بالغرض الأول بجویریة وصفیة وتزوج بمیمونة للمقصد الثاني ونكح بأم حبیبة نظراً إلی المقصد الثالث. ثم إنه قد أبان الله تعالیٰ أن زوجات النبي صلی الله علیه وسلم ھن أمھات للمسلمین فحرم علی المسلمین النكاح معھن للأبد، ولا ینبغي أن یخطر ذلك یبال أحد من المسلمین. فقال: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ. (الأحزاب: ٦) وقال: وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا. (الأحزاب: ٥٣) فعلم من ذلك أن ذلك كانت مسؤولیة دینیة عادت علی رسول الله صلی الله علیه وسلم بسبب مقتضیات رسالیة ونبویة، وقد أتمھا في أحسن صورة. وكان ذلك لا یتصل بالرغبات البشریة والنزوات الجنسیة أیما اتصال. فكان من الضروري أن یُستثنی من القانون العام.