انتقل إلى المحتوى

إشراقة: الصين: نموذج القوة الاقتصادية الصاعدة في العصر الحديث

رئيس التحرير: د. محمد غطريف شهباز الندوي العربية

تُعدّ الصين اليوم واحدة من أبرز القوى الاقتصادية في العالم،كما بيّنا ذلك بتفصيل في إشراقة عددنا السابق من يونيو، بل إن كثيرًا من الخبراء يرون أنها في طريقها إلى احتلال المركز الأول عالميًا من حيث القوة الاقتصادية والتأثير التجاري. ولم يأتِ هذا الصعود المذهل من فراغ، بل كان نتيجة رؤية استراتيجية طويلة المدى، وعمل دؤوب، واستثمار مكثف في الإنسان والبنية التحتية والتكنولوجيا.

من أهم السمات التي تميز التجربة الصينية تحقيق معدلات نمو اقتصادي استثنائية على مدى العقود الأربعة الماضية. فقد انتقلت الصين من دولة نامية تعاني من الفقر والتخلف الصناعي إلى أكبر مركز صناعي في العالم، وثاني أكبر اقتصاد عالمي من حيث الناتج المحلي الإجمالي. وقد أسهمت السياسات الاقتصادية المرنة، وتشجيع الاستثمار، والانفتاح على الأسواق العالمية في تحقيق هذا التحول التاريخي. وعلى الرغم من أن تحرر الصين من السيطرة الأجنبية وظهورها فاعلًا على المسرح الدولي قد تزامن مع استقلال الهند، فإن بين التجربتين الهندية والصينية بونًا شاسعًا؛ إذ لم يقتصر الأمر في الصين على نيل الاستقلال السياسي، بل صاحبه اندفاع سريع ولافت نحو التنمية الاقتصادية، مما مكّنها من احتلال مكانة متقدمة في الاقتصاد العالمي. أما الهند، فما يزال الملايين من مواطنيها يعانون من الفقر والجوع والبؤس والحرمان، وهو أمر يدعو إلى الأسف الشديد.

التركيز على التنمية بدل الصراعات

وقد اتبعت الصين في سياستها الخارجية مبدأ التركيز على التنمية بدل الصراعات، وهو نهج مكّنها من بناء علاقات اقتصادية وتجارية مع مختلف الدول بغض النظر عن أنظمتها السياسية أو توجهاتها الفكرية. وبدلًا من الانخراط في النزاعات الخارجية، ركزت على التنمية الداخلية وتحسين مستوى معيشة مواطنيها، مما وفر بيئة مستقرة للنمو الاقتصادي. ويعتنق معظم الصينيين البوذية أو يتأثرون بتقاليد دينية وفلسفية متنوعة، بينما يتبنى الحزب الحاكم من الناحية السياسية رؤية مستمدة من الفكر الماركسي. وتنظر الدولة الصينية إلى الدين باعتباره شأنًا شخصيًا يتعلق بالفرد ومعتقداته الخاصة. وقد ساعد هذا التوجه، من وجهة نظر صانعي السياسات الصينيين، على توجيه الجهود الوطنية نحو التعليم والبحث العلمي والإنتاج الاقتصادي، مع الحفاظ على وحدة الدولة وتماسك مؤسساتها، وإن اتسم هذا النهج أحيانًا بقدر من المركزية والصرامة.

كما تمتلك الصين واحدة من أقدم الحضارات المستمرة في التاريخ الإنساني، حيث يمتد تاريخها لآلاف السنين. وقد أسهم هذا الإرث الحضاري في تشكيل هوية وطنية قوية تقوم على قيم الانضباط والعمل الجماعي واحترام التعليم. ولعبت الفلسفات الصينية التقليدية، وفي مقدمتها الكونفوشيوسية، دورًا مهمًا في ترسيخ ثقافة الاجتهاد والالتزام وتحمل المسؤولية. وأدركت القيادة الصينية مبكرًا أن المنافسة العالمية لا تُحسم بالموارد الطبيعية وحدها، بل بالعلم والمعرفة، ولذلك استثمرت على نطاق واسع في الجامعات ومراكز الأبحاث والتكنولوجيا المتقدمة. واليوم أصبحت الصين من الدول الرائدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والاتصالات والتصنيع المتطور واستكشاف الفضاء.

ثورة كبيرة في مجال البنية التحتية

وإلى جانب ذلك، شهدت الصين ثورة حقيقية في مجال البنية التحتية، حيث أنشأت آلاف الكيلومترات من شبكات الطرق السريعة والسكك الحديدية فائقة السرعة، إضافة إلى الموانئ والمطارات الحديثة. وقد أسهمت هذه المشروعات العملاقة في تسهيل حركة التجارة والاستثمار وربط مختلف الأقاليم الصينية بعضها ببعض. ومن أبرز عوامل نجاح الصين أيضًا اعتمادها على التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد؛ فبدلًا من التركيز على المكاسب السريعة، وضعت خططًا تمتد لعقود تهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة، وتطوير الصناعة، وتعزيز الابتكار، ورفع مستوى معيشة المواطنين. وقد وفر هذا النهج قدرًا كبيرًا من الاستقرار والاستمرارية في السياسات التنموية، الأمر الذي ساعد الصين على تحقيق إنجازات اقتصادية وعلمية بارزة وجعلها واحدة من أهم القوى المؤثرة في العالم المعاصر.

الدبلوماسية الصينية في الشؤون العالمية

تُعَدّ الدبلوماسية الصينية واحدةً من أبرز الظواهر السياسية في النظام الدولي المعاصر، إذ استطاعت الصين خلال العقود الأخيرة أن تنتقل من دولة نامية تركز على قضاياها الداخلية إلى قوة عالمية مؤثرة في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية. وتقوم الدبلوماسية الصينية على مجموعة من المبادئ التي أسهمت في تعزيز مكانة الصين على الساحة الدولية.

من أهم سمات الدبلوماسية الصينية مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وهو مبدأ تؤكد عليه الصين باستمرار في علاقاتها الخارجية. وقد أكسبها ذلك قبولاً واسعاً لدى كثير من الدول النامية التي تنظر إلى الصين باعتبارها شريكاً يحترم سيادتها وخياراتها الوطنية. إلا ما بدرت منها من تدخلات عسكرية في ولاية سنكيانغ المسلمة ومحاولاتها الحثيثة لتحويلها ثقافياً من ثقافة مسلمة إلى ثقافة صينية علمانية، ومابدرت منها من تدخل عسكري واحتلال سياسي لبلد جبلي كتبّت وسياساتها في تائوان وبعض التواترات الثغرية مع الهند في مايتعلق بولاية اروناجل براديش وولاية لداخ على ثغورجامووكشمير. وتكمن وراء هذه الخطوات جملةٌ من الأسباب والدوافع والمحفزات التي تستحق دراسةً مستقلةً ومعالجةً تفصيليةً في مقالٍ مطوّلٍ.

كما تعتمد الصين على الدبلوماسية الاقتصادية بوصفها أداة رئيسية لتعزيز نفوذها العالمي. فقد أطلقت مبادرات كبرى مثل مبادرة الحزام والطريق التي تهدف إلى تطوير البنية التحتية وتعزيز التجارة والاستثمار بين آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية. ومن خلال هذه المبادرات أصبحت الصين شريكاً اقتصادياً رئيسياً لعشرات الدول حول العالم. أمّا السياسة الصينية، فهي في مجملها تختلف عن سياسات الدول الغربية، ولا سيّما الولايات المتحدة الأمريكية، التي تُعدّ سمة التدخّل في شؤون الدول الأخرى أبرز ما يميّز سياستها الخارجية. فهي تمتلك مئات القواعد والمنشآت العسكرية المنتشرة في أنحاء العالم شرقاً وغرباً، ولا سيّما في دول الخليج. ومنذ أكثر من مئة عام، ما تزال تواصل تدخلاتها العسكرية والاقتصادية في شؤون الدول الأخرى. وحين نكتب هذه السطور، فإنها تشنّ هجماتٍ شرسةً مع طفلتها الصهيونية المشؤمة على دولة إيران الشقيقة، التي ما زالت، رغم ما تتعرض له من ضغوط وعدوان، تقف في مواجهة هذه السياسات بثباتٍ وشموخ حتى الآن.

وتتميز السياسة الخارجية الصينية أيضاً بالتركيز على التعاون والمنفعة المتبادلة، حيث تؤكد بكين أن العلاقات الدولية ينبغي أن تقوم على المصالح المشتركة والتنمية المشتركة بدلاً من الصراعات والمواجهات. ولذلك تدعو الصين إلى بناء عالم متعدد الأقطاب يشارك فيه مختلف الفاعلين الدوليين في صنع القرار العالمي.

ومن الجوانب المهمة في الدبلوماسية الصينية الاستفادة من إرثها الحضاري العريق. فالصين تُعد واحدة من أقدم الحضارات المستمرة في التاريخ، وتسعى إلى توظيف قوتها الثقافية والحضارية في تعزيز الحوار بين الشعوب ونشر قيم التفاهم والتعاون. كما تنظر الدولة الصينية إلى الدين باعتباره شأناً شخصياً للمواطنين، مع التركيز على الهوية الوطنية والتنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.

وفي السنوات الأخيرة لعبت الصين دوراً متزايداً في حل النزاعات الدولية والوساطة بين الدول،حتى إنها لعبت دورافاعلافي إقامة العلاقات الدبلوماسية بين إيران والمملكة العربية السعودية العزيزة. إضافة إلى مشاركتها الفاعلة في المنظمات الدولية والإقليمية. كما أصبحت من أكبر المساهمين في التجارة العالمية والاستثمار والتنمية، الأمر الذي عزز تأثيرها في القضايا العالمية الكبرى مثل التنمية المستدامة والتغير المناخي والأمن الدولي.

كيف يستفيد العالم الإسلامي من الصين؟

وفق مبدأ: ((خذ ما صفا ودع ما كدر))

يشهد العالم المعاصر صعود الصين بوصفها إحدى أكبر القوى الاقتصادية والتكنولوجية في العالم. وقد استطاعت خلال عقود قليلة أن تنتقل من دولة نامية إلى قوة عالمية مؤثرة في الاقتصاد والصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية. ومن الحكمة أن ينظر العالم الإسلامي إلى التجربة الصينية بعين الإنصاف والموضوعية، مسترشداً بالمبدأ العربي الشهير: “خذ ما صفا ودع ما كدر” ؛ أي الاستفادة من الجوانب النافعة وترك ما لا ينسجم مع قيمه ومبادئه.

ومن أبرز المجالات التي يمكن للعالم الإسلامي أن يستفيد فيها من التجربة الصينية في نظرنا ما يلي:

1- التركيز على التنمية الاقتصادية

جعلت الصين التنمية الاقتصادية وتحسين مستوى معيشة المواطنين أولوية وطنية كبرى، فاستثمرت في الصناعة والتجارة والتصدير والبنية التحتية. ويحتاج العالم الإسلامي إلى تبني سياسات تنموية جادة تجعل الاقتصاد والإنتاج والعمل في مقدمة الأولويات.

2- الاهتمام بالتعليم والبحث العلمي

أدركت الصين أن النهضة الحقيقية تبدأ من التعليم، فأنشأت الجامعات المتقدمة ومراكز البحث العلمي، وربطت التعليم بحاجات التنمية. والعالم الإسلامي بحاجة ماسة إلى تطوير مؤسساته التعليمية والبحثية إذا أراد استعادة مكانته الحضارية.

3- تشجيع العمل والانضباط

من أهم أسرار نجاح الصين انتشار ثقافة العمل الجاد والانضباط والالتزام بالإنتاجية. وهذه قيم إنسانية تتوافق مع تعاليم الإسلام التي تحث على الإتقان والجد والاجتهاد.

4- الاستفادة من التكنولوجيا والابتكار

استثمرت الصين بكثافة في التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي والاتصالات والصناعات المتقدمة، مما جعلها منافساً عالمياً قوياً. ويمكن للدول الإسلامية أن تستفيد من الخبرات الصينية في هذه المجالات عبر الشراكات العلمية والتقنية.

5- التخطيط بعيد المدى

تعتمد الصين على خطط استراتيجية تمتد لعقود، ولا تقتصر على الحلول المؤقتة أو السياسات قصيرة الأجل. والعالم الإسلامي بحاجة إلى رؤى مستقبلية طويلة المدى في مجالات الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا والأمن الغذائي.

ما الذي لا ينبغي تقليده؟

إن الاستفادة من التجربة الصينية لا تعني تبنيها بالكامل. فلكل أمة قيمها وهويتها الخاصة. ولذلك فإن العالم الإسلامي يتمسك بعقيدته وأخلاقه ومبادئه الدينية، ولا يرى في التقدم المادي بديلاً عن القيم الروحية والأخلاقية. فالتنمية الحقيقية تجمع بين التقدم المادي والرقي الأخلاقي.

كما يتبنّى النظام السياسي الصيني سياسةً اقتصاديةً مستندةً إلى مفهوم الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وهو نظام يقوم على السلطوية ومركزة السلطات في أيدي نخبة محدودة. ويتميّز المجتمع الصيني أيضًا بقدرٍ من الانغلاق الثقافي والحضاري، مما أدى إلى انتقادات واسعة بشأن أوضاع الحريات الشخصية والحقوق السياسية والدينية والمدنية. ومن ثمّ، فإن هذا الجانب من التجربة الصينية لا يمثّل نموذجًا يُحتذى أو يستحق التقليد. ولكننا نرى أن التجربة الصينية أكثر فائدة للعالم المتأخر تكنولوجياً، ومنه العالم الإسلامي، من التقليد الأعمى للغرب الذي قامت مسيرته الحديثةـ في كثير من جوانبها ـ على الاستغلال والخداع والمكر والتضليل، كما تشهد بذلك وقائع التاريخ، ولا سيما خلال القرنين الأخيرين.

ختام القول

إن التجربة الصينية تقدم دروساً مهمة للعالم الإسلامي في مجالات العمل والإدارة والتنمية والتعليم والتكنولوجيا. والحكمة تقتضي أن نأخذ من هذه التجربة ما ينفعنا، وأن نترك ما لا ينسجم مع هويتنا وقيمنا. فالأمم الناجحة هي التي تتعلم من تجارب الآخرين دون أن تفقد شخصيتها أو استقلالها الحضاري،وبهذا تتحقق القاعدة الحكيمة”خذ ما صفا ودع ما كدر”.

ونستخلص مماذكرناقبل أن الدبلوماسية الصينية تقوم على مزيج من القوة الاقتصادية، واحترام سيادة الدول، والتعاون الدولي، والاستفادة من الإرث الحضاري العريق. وقد ساعدت هذه المقومات الصين على ترسيخ مكانتها كإحدى القوى الرئيسية المؤثرة في تشكيل ملامح النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين.

فتمثل الصين نموذجًا فريدًا لدولة استطاعت أن تجمع بين عراقة الحضارة وحداثة التنمية. وقد ساعدها النمو الاقتصادي المتسارع، والتركيز على التنمية الداخلية، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، والاستثمار في التعليم والتكنولوجيا، على التحول إلى قوة عالمية مؤثرة. وبينما تختلف الآراء حول بعض جوانب التجربة الصينية، فإن نجاحها الاقتصادي يظل أحد أبرز الظواهر السياسية والاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، ويستحق الدراسة والتأمل من قبل الدول الساعية إلى تحقيق التنمية والتقدم.

أما عددنا الحالي، فهو كسابقاته، حافل بالأبحاث الشرعية المتميزة والتحقيقات الإسلامية الرائدة، فضلًا عن انطباعات القراء العرب، وزاوية زاخرة بالأدب العربي الحديث وشعره الجميل.

ونحن جميعًا نصغي باهتمام إلى ما يورده قراؤنا الكرام من ملاحظاتٍ نقديةٍ، أو تصويباتٍ علمية، أو استدراكاتٍ نافعةٍ تسهم في تطوير ما نقدمه لهم والارتقاء به.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكم في الدين،

أ. د / محمد غطريف شهباز الندوي

(16 يوليو/ تموز 2026م، علي كره)