انتقل إلى المحتوى

إشراقة حقيقة وقف لإطلاق النارفي غزة

د. محمد غطريف شهباز الندوي العربية

لقد تكرر استخدام مصطلح وقف إطلاق النار في غزة خلال السنوات الماضية، لكن عند النظر إلى الحقائق على الأرض يتبين أن هذا “الوقف لإطلاق النار” لا يعدو في كثير من الأحيان أن يكون مهزلةً مؤلمة. ففي كل مرة تطالب فيها منظمات حقوق الإنسان، والأمم المتحدة، ودول مختلفة بوقف إطلاق النار، تنخفض حدة القصف الإسرائيلي المدعوم غربياً لبضعة أيام أو أسابيع، إلا أن معاناة الشعب الفلسطيني لا تنتهي، كما لا يظهر أي حل للأسباب الجذرية لهذا الصراع.

ويعاني سكان غزة منذ عقود من الحصار، والفقر، والبطالة، ونقص الخدمات الأساسية، إضافةً إلى الهجمات العسكرية الإسرائيلية الوحشية المتواصلة. وعندما يُعلن عن وقف لإطلاق النار، تصفه وسائل الإعلام العالمية بأنه خطوة نحو السلام، غير أن الحقيقة هي أن حياة ملايين سكان غزة ومعهم سكان الضفةالغربية لا تعود إلى طبيعتها. فالمنازل المدمرة، والمستشفيات المنهارة، والمدارس المهدمة، والصدمات النفسية تبقى جميعها قائمة حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار.

وحتى اليوم، لا تزال إسرائيل تفرض سيطرتها على معظم قطاع غزة، في حين أن الدول الإسلامية التي تسعى إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، مثل باكستان وتركيا وقطروالسعودية ومصر، لا تقوم – في نظر نا – بأكثر من إصدار البيانات، دون اتخاذ خطوات عملية لتحرير القطاع من الاحتلال الإسرائيلي، بينما تكتفي بمشاهدة معاناة سكان غزة وسقوط الضحايامنهم كل يوم.

وجاء في تقرير حديث للجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة أن السلطات الإسرائيلية وقوات الأمن تعمدت استهداف الأطفال الفلسطينيين في غزة، وهو ما يمكن أن يندرج ضمن جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب. ووفقًا لما نقلته قناة تي آرتي التركية، قال رئيس مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الدكتور إس. إس. مورليدهر من الهند، خلال إحدى جلسات الأمم المتحدة:

“لقد أُطلقت النار على الأطفال بدقة نحو الأعضاء الحيوية في أجسادهم، باستخدام الطائرات المسيّرة، ونيران القناصة، وغيرها من الأسلحة الحديثة عالية الدقة. كما استُهدفت المنازل، والمدارس، ومخيمات اللاجئين بهجمات شديدة الكثافة، رغم وجود أعداد كبيرة من الأطفال فيها”. ويؤكد التقرير أن القتل المنهجي للأطفال وتعريضهم لصدمات نفسية بالغة ،يشكلان من أهم الأدلة على وجود نية للإبادة الجماعية، وأن أطفال غزة هم من يدفعون الثمن الأكبر لهذا الصراع:

: http:// trt.world/ http:// trt.world/ ytlive

ويُذكر أن تقارير كثيرة من هذا النوع قد صدرت من قبل، إلا أن إسرائيل ترفضها باستخفاف، أو تصفها بأنها معادية للسامية، ثم تمضي غير مكترثة بها، في حين تعجز الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية عن اتخاذ إجراءات فعالة بحقها.إنها كثيراًما توافق على قرارات ضد الدولة العبرية الاحتلالية فتقوم الولايات المتحدة إما بإلغاء القرار باستخدام حق الفيتو أو تعاقب أجهزة الأمم المتحدة على اتخاذ ذاك القرارأي بمعنى آخرتحكم العالم اليوم شريعة الغاب فقط.

وفضلًا عن ذلك، فإن اتفاقات وقف إطلاق النار تُبرم في الغالب في ظل اختلال واضح في ميزان القوى؛ إذ تقف قوة عسكرية تمتلك أحدث الأسلحة في مواجهة شعب محاصر يفتقر إلى الإمكانات. ولذلك فإن وصف هذه الاتفاقات بأنها سلام دائم يعد ابتعادًا عن الواقع. فما لم تؤخذ المطالب الأساسية للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها الحرية، والاستقلال، والعدالة، على محمل الجد، فإن كل وقف جديد لإطلاق النار لن يكون سوى هدنة مؤقتة.

كما أن دور المجتمع الدولي لا يخلو من علامات الاستفهام؛ فالقوى الكبرى ترحب عادة بإعلانات وقف إطلاق النار، لكنها تتجنب اتخاذ إجراءات فعالة لمعالجة الأسباب التي تؤدي إلى تجدد الحرب مرارًا. ونتيجةً لذلك، لا تلبث أن تندلع بعد أسابيع أو أشهر جولة جديدة من القتال، وما يصاحبها من دمار ومآسٍ إنسانية جديدة.إن مشهد فلسطين يشهد لهذا التاريخ المؤلم منذ قرن كامل.

وإلى جانب الدمار الذي تشهده غزة، يواصل المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية وخاصةً منذ ثلاث سنوات ممارسة اعتداءات واسعة بحق الفلسطينيين؛ إذ يهاجمونهم، ويقتلعون أشجار الزيتون، ويهدمون منازلهم، ويستولون على أراضيهم بمساعدة الجنود الإسرائيليين وأفراد الشرطة، كما يقوم بعض القادة الإسرائيليين السياسيين بتوزيع الأسلحة على المستوطنين، في حين يعجز الفلسطينيون العزل عن الدفاع عن أنفسهم. وقد بلغ حجم الإرهاب الذي يمارسه هؤلاء المستوطنون حدًّا دفع حتى بعض القادة الغربيين إلى انتقاده، وأصبحت وسائل الإعلام تصفه بـ”إرهاب المستوطنين”

ويُناقش هذا الملف مرارًا داخل الأمم المتحدة، وتُعقد بشأنه الاجتماعات، وتُصدر القرارات، لكن إسرائيل تواصل التعامل معها بازدراء وسخرية، غير آبهة بها. والحقيقة أن الأمم المتحدة، – في نظرنا نحن- لم تُظهر في أي قضية أخرى من قضايا العالم مثل هذا القدر من العجز وعدم الفاعلية كما أظهرته في القضية الفلسطينية.

في سياق غزة، سيظل الحديث عن وقف إطلاق النار يبدو وكأنه سخريةً عبثية ما دام لا يُنظر إليه بوصفه الخطوة الأولى نحو حلٍّ سياسي عادلٍ ومستدام، بل يُختزل في مجرد توقفٍ مؤقت لإطلاق النار. فالسلام الحقيقي ليس مجرد صمت البنادق، وإنما هو إقامة العدل، وصون الحرية، وحفظ الكرامة الإنسانية. وإذا غابت هذه المقومات، فإن إعلانات وقف إطلاق النار لن تكون سوى بيانات دبلوماسية، بينما يظل سكان غزة مضطرين إلى مواصلة حياتهم وهم يرزحون تحت وطأة جراحهم ومعاناتهم.

وبعد أحداث السابع من أكتوبر عام 2023، أي عملية “طوفان الأقصى”، – والتي رأى بعض المحللين لاحقًا أنها اتسمت بالتسرع وسوء التقدير من جانب المقاومة – كان هناك دمار شامل وخراب أوسع لقطاع غزة لم يشهد له التاريخ الإنساني وجريمة حرب كبيرة ارتكبته الدولة الإرهابية الصهيونية الوحشية الجزارة بحق الغزيين العزل. احتجت عليها جماهير وشعوب العالم كله، وأخيراً ظهرت خطة ترمب للسلام الموهوم في غزة.

ما هو «مجلس السلام»؟

كان العنصر الأكثر تميزاً في خطة ترامب هو إنشاء ما سُمّي بـ”مجلس السلام”

وقد صُوِّر هذا المجلس على أنه هيئة دولية للإشراف والرقابة، تضم الولايات المتحدة، وعدداً من الدول العربية والإسلامية، وقوى أوروبية، إضافةً إلى ممثلين عن منظماتٍ دولية. وكان الهدف منه الإشراف، خلال فترة انتقالية تمتد عامين، على إدارة قطاع غزة، والملف الأمني، وتنسيق المساعدات الإنسانية، ومتابعة جهود إعادة الإعمار.

وكان قد وصف ترامب هذا المجلس بأنه «أكثر مؤسسة دولية فاعلية في التاريخ»، مدعياً أنه سيقود غزة من دائرة الحرب إلى مرحلة الاستقرار، وفوضت إلى هذا المجلس المزعوم مهام واختيارات منقسمة إلى بنود كثيرة.

إذا أُجري تقييمٌ منصفٌ لكل بندٍ من هذه البنود، فسيتبيّن أن أياً منها لم يُنفَّذ على أرض الواقع. فالفلسطينيون اليوم في غاية الضعف، ولم يعد لهم صوتٌ مؤثر. كما أن القدرات العسكرية لحركة حماس قد تعرضت لتدميرٍ كبير. وقد ظلّت إسرائيل وجميع داعميها الغربيين يركّزون، قبل كل شيء، على بندٍ واحد، وهو القضاء على القدرات العسكرية لحماس، ولا يزال الإعلام الغربي حتى اليوم يقدّم هذا البند على سائر القضايا.لأنهم يصفونها بالحركة الإرهابية.

أما السلطة الفلسطينية في رام الله، فهي تعتمد إلى حدٍّ كبير على الدعم العربي، وتنتظر مواقف الدول العربية في معظم القضايا كأنهادمية في أيديها وليس لها موقف على أية حال، ولذلك لم يكن لها أيضاً تأثيرٌ يُذكر في فرض تنفيذ بنود الاتفاق.

أما الدول التي تصدّرت جهود الوساطة لإقرار وقف إطلاق النار، مثل باكستان، والمملكة العربية السعودية، ومصر، وتركيا، وقطر، فقد استطاعت أن تُلزم طرفاً واحداً فقط، وهو حركة حماس والجهاد الإسلامي معها، بتنفيذ جميع الالتزامات المطلوبة منها؛ إذ سلّمت جميع الرهائن الإسرائيليين- أحياءً وأمواتاً- إلى إسرائيل، كما وافقت على تسليم إدارة قطاع غزة إلى الجهات المعنية وقد فعلت ذلك عمليا في السابع من هذا الشهر، ولم يبقَ سوى قضية تسليم السلاح، وهي مسألة ربطتها الحركة بتحقيق شروطٍ محددة. والكيان الصهيوني المشؤم لايزال في عنجهيته وغطرسته لاتعبأ بهذه، الشروط وتسقطها في المزبلة.

في المقابل، لم تتمكن تلك الدول من إلزام إسرائيل بتنفيذ أي بندٍ من البنود المقابلة. فلم تسمح بإدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة بالكميات المطلوبة، ولم تسمح للمرضى والجرحى بمغادرة القطاع لتلقي العلاج، كما لم تنفذ الانسحاب العسكري التدريجي المنصوص عليه. بل على العكس، فرضت سيطرتها على نحو ستين في المائة من مساحة قطاع غزة، وأقامت فيه قواعد عسكرية ونقاط تفتيش في أماكن متعددة، وقسّمت القطاع إلى مناطق منفصلة، وأنشأت ما تسميه «مناطق أمنية» أو خط أصفر ولا تُظهر أي استعداد للتراجع عنها.

وكان الهدف -كما أعلن – من المجلس المذكور الإشراف على إدارة قطاع غزة، وضمان الأمن، وتنسيق المساعدات الإنسانية، ومتابعة جهود إعادة الإعمار خلال فترة انتقالية تمتد لعامين.

تصوّر الحكومة الانتقالية في غزة

وكان التصوروفقًا لخطة ترامب،أن لن تتولى إسرائيل حكم غزة بصورة مباشرة، كما لن تبقى حركة حماس في السلطة بصورتها الحالية. وبدلًا من ذلك، كان من المقرر تشكيل حكومة انتقالية تتكون من تكنوقراط فلسطينيين مستقلين تتولى إدارة الشؤون اليومية للقطاع. وتشير بعض التقارير إلى أن الولايات المتحدة كانت ترغب في الإعلان عن حكومة فلسطينية تقنية، أو ما أُطلق عليه اسم “حكومة مجلس السلام”.

وكان الهدف من هذا التصور فصل إدارة غزة عن التنظيمات العسكرية، مثل حماس والجهاد الإسلامي، حتى لا تتأثر عملية إعادة الإعمار بالنزاعات السياسية، وأن تنفصل حركات المقاومة عن إدارة القطاع.

واليوم، وبعد مرور عدة أشهر على وقف إطلاق النار، ما تزال هذه الحكومة الانتقالية حبرًا على ورق، ولم يظهر لها أي وجود على أرض الواقع. ويضطر الفلسطينيون اليوم إلى إدارة شؤونهم اليومية، وتنظيم توزيع ما يصلهم من مساعدات محدودة، من خلال نظام قبلي ومحلي داخلي. فقد تولّت قبائل وعائلات عديدة، بصورة تطوعية، مسؤوليات مختلفة، وهي التي تقوم بإعداد قوائم المستحقين للمساعدات وتسليمها إلى المنظمات الإنسانية العاملة هناك.

أما أكبر منظمة إنسانية كانت تعمل في فلسطين تحت إشراف الأمم المتحدة، وهي: وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)،

فإن إسرائيل لا تسمح لها بممارسة عملها. بل تقتل العاملين لها بغير مارحمة ولاهوادة. وهذا يعني أن قطاع غزة لا يزال، حتى اليوم، خاضعًا بالكامل للسيطرة الإسرائيلية.

وكانت إعادة إعمار غزة الركيزة الثانية الأساسية في الخطة السلامية هذه.

ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي وعدد من المؤسسات الدولية، فإن إعادة إعمار غزة تتطلب عشرات المليارات من الدولارات. وقد تضمنت خطة ترامب برنامجًا لإعادة مشاريع إسكانية، وإنشاء الموانئ، وإصلاح قطاع الطاقة، وتوفير برامج للتشغيل وخلق فرص العمل.

ويشمل إعادة تأهيل البنية التحتية، وتنفيذ الإعمار تبلغ قيمته نحو سبعين مليار دولار .

وكانت الولايات المتحدة تأمل أن تتحمل دول الخليج، ولا سيما المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، الجزء الأكبر من هذا العبء المالي، في حين تقدم الدول الغربية الدعم الفني والإداري.

وأرى أن دول الخليج كانت مستعدة لذلك، إلا أن الولايات المتحدة وإسرائيل- فرضتا حربًا على إيران ولبنان من دون مبرر. وأضيفُ أن الولايات المتحدة سوف تُمنى بالفشل على الجبهة الإيرانية بإذن الله، في حين لا تزال إسرائيل تفرض سيطرتها العسكرية على لبنان، وتستمر في قتل المدنيين الأبرياء هناك. كما أرى أن الحكومة اللبنانية، التي تضم ممثلين عن المسيحيين والمسلمين السنة، تقف موقف المتفرج، وتلتزم الصمت إزاء ما يصفه باستمرار قتل أبناء الطائفة الشيعية في جنوب لبنان. ولكننا نرى أن دولة إيران هي الآخر لم تُبدِ الاهتمام المطلوب بالقضية الفلسطينية، ولا سيما بما تعانيه غزة المنكوبة اليوم من مآسٍ وشقاء وحرمان من أبسط مقومات الحياة، في الوقت الذي جلست فيه إلى طاولة الحوار الدبلوماسي مع الولايات المتحدة، التي هي الداعم الأكبر لإسرائيل. وليس الاعتراض على مبدأ الحوار في حد ذاته، وإنما على غياب موقف عملي يوازي حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها أهل غزة.

وأخيراً نناشد الدول المتوسطة أن تقوم بواجباتها بجدية وسرعة حتى تعود الحياة في غزة المنكوبة إلى مسارها الطبيعي. وأن لا تكتفي بإصدار بيانات الإدانة والأسف على ماتقوم به الدولة الجائرة الغاشمة الجانية.

كما نوجِّه نداءً حارًّا إلى إخواننا المجاهدين المرابطين في فلسطين، حُرَّاسِ المسجد الأقصى، بألَّا يتسرعوا في اتخاذ القرارات، وأن يتخذوا خطواتٍ جادَّةً للحفاظ على ما تبقى من الدم الفلسطيني الكريم، والعِرض، والوجود الفلسطيني وتوحيد الصف الفلسطيني . كما نهيب بهم ألَّا يغضُّوا الطرف عمَّا يعانيه العالم الإسلامي بأسره من شللٍ في الإرادة، وصعلكة في التكنولوجيا الحديثة، وفتورٍ في الهمَّة، ووهنٍ وجبنٍ أمام الهيمنة الغربية، بما تمتلكه من رصيدٍ هائلٍ في مجالات التكنولوجيا والصناعة وآلة الحرب، ولا سيما مع توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعزيز تلك الهيمنة.

أماعددنا الحالي، فهو كسابقاته، حافل بالبحوث القرآنية والحديثية المتميزة والتحقيقات الإسلامية الرائدة النادرة، فضلًا عن بعض الدراسات عن الغرب، وزاوية زاخرة بالأدب العربي الحديث وشعره الجميل.

ونحن كلنا آذان صاغية بكل جد واهتمام إلى ما يورده قراؤنا الكرام من ملاحظاتٍ نقديةٍ، أو تصويباتٍ علمية، أو استدراكاتٍ نافعةٍ تسهم في تطوير ما نقدمه لهم والارتقاء به.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكم في الدين،

أ. د / محمد غطريف شهباز الندوي

(16 يوليو 2026م، علي كره)