[مقتبس من حوار الأستاذ غامدي مع محمد حسن إلياس]
(15)
وقد أوضح الشيخ أمين أحسن إصلاحي في تفسيره لبداية سورة القمر ونهايتها معنى لفظ “السَّاعَة” بطريقة تكشف المقصود من حادثة انشقاق القمر كشفًا تامًا. وخلاصة بيانه كما يلي:
يرى أن «السَّاعَة» تعني ساعة الفصل والعذاب. فالرسل — عليهم السلام — أنذروا أقوامهم بنوعين من العذاب:
عذاب دنيويّ يحلّ بالأمة إذا أصرّت على تكذيب رسولها بعد قيام الحجة عليها.
وعذاب أخرويّ يقع يوم القيامة.
والفرق بينهما ليس في الحقيقة والماهية، بل في التمهيد والخاتمة؛ فالعذاب الدنيويّ هو في حقيقته مقدّمة للعذاب الأخرويّ، ولذلك قد يُطلق لفظ «السَّاعَة» ويراد به مجموع الأمرين معًا. ومن هذا المنظور، فإن قوله تعالى:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾.
ليس أسلوب مبالغة، بل هو تقرير لواقعٍ حقيقيّ: فكل أمة بُعث فيها رسول فقد دنت ساعة الفصل في شأنها.
أما قوله تعالى:
﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾
فهو علامة على اقتراب تلك الساعة. ويقرر الإصلاحي أن من سنّة الله تعالى أنه مع أن آيات قدرته مبثوثة في الكون كلّه، إلا أنه عند بعثة الرسل يُظهر آياتٍ خاصة تؤيّد دعواهم وتُقوّي إنذارهم، حتى تقوم الحجة على الناس قيامًا تامًا.
فانشقاق القمر كان تأييدًا عمليًا لإنذار النبي ﷺ، ليُدرك المنكرون أن ما يُخبرهم به القرآن من أهوال القيامة — من زلزلة الأرض، وتسيير الجبال، وتفجير البحار، وطمس الشمس — ليس تخويفًا مجرّدًا، بل حقائق ستقع لا محالة، وليست مستحيلة الوقوع؛ إذ إن شواهد القدرة الإلهية تظهر في الدنيا أيضًا بأشكال مختلفة.
وكان من أسباب استبعاد المشركين للقيامة أنهم كانوا يرون الكون ثابتًا لا يتغير، والجبال راسخة لا تزول. فجاءت آية انشقاق القمر لتبيّن أن لا شيء في هذا الكون مستقلّ أو خالد أو ثابت بذاته، بل كلّه خاضع لأمر الله، يقلبه كيف يشاء، ومتى شاء.
ثم يلفت الإصلاحي النظر إلى أن الآية الأولى تشير إلى العذاب الدنيوي الذي يحيق بمكذّبي الرسل، بينما قوله تعالى:
﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾.
يتحدث عن العذاب الأعظم يوم الحساب، وهو أشدّ وأقسى.
وهكذا تتجلّى سنّة الله: أن مكذّبي الرسل يُصيبهم الخزي في الدنيا، ثم يكون مصيرهم الأعظم يوم القيامة. (تدبر القرآن8/ 90-91، 113)
الباب الثالث
حادث انشقاق القمر في ضوء الأحاديث والآثار
حادثة شقّ القمر مذكورة أصلًا في كتاب الله تعالى، في سورة القرآن المجيد، وقد بيّن فيها السياق العام للآيات الدالة على صدق الرسالة، كما أوضح طبيعة هذه العلامة وغايتها بجلاء. ولذلك فإن فهم هذه الحادثة ينبغي أن ينطلق أولًا من دلالة النص القرآني، فهو الأساس الذي تُبنى عليه سائر التفاصيل والشروح.
ومع ذلك، فقد رُويت هذه الحادثة أيضًا عن عدد من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ومن أبرزهم:
علي بن أبي طالب
عبد الله بن مسعود
جبير بن مطعم
عبد الله بن عباس
عبد الله بن عمر
حذيفة بن اليمان
أنس بن مالك
فبعضهم كان شاهد عيان على الواقعة، بينما نقلها آخرون اعتمادًا على شهادة غيرهم من الصحابة.
وقد وردت هذه الروايات في كتب الحديث والآثار بأسانيد متعددة ومتنوعة، من بينها:
صحيح البخاري
صحيح مسلم
سنن الترمذي
مسند أحمد
مسند أبي عوانة
مسند أبي داود الطيالسي
مصنف عبد الرزاق
تفسير ابن جرير
السنن الكبرى للبيهقي
المعجم الكبير للطبراني
تفسير ابن مردويه
حلية الأولياء
وهذه الروايات – بالنظر إلى طبيعة المشاهدة – يمكن تقسيمها إلى قسمين رئيسين:
روايات من شهد الواقعة بنفسه ووصف ما رآه.
روايات من نقلها عن غيره استنادًا إلى سماعٍ أو إخبارٍ ممن حضر الحدث.
وبهذا التقسيم تتضح طبيعة المادة الروائية المتعلقة بالحادثة، مما يساعد على دراستها دراسة نقدية دقيقة، قائمة على التمييز بين المعاينة المباشرة والنقل غير المباشر.
(للحديث صلة …)