(الحلقة الثالثة)
دين الله فطريٌ لا تأويليٌ
ولهذا فإن دين الله ليس دينًا تأويليًا، بل هو دين فطري، كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِیْ فَطَرَ النَّاسَ عَلَیْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، أي إن جميع مقتضيات الفطرة قد أُعطي كلّ منها مكانته المستقلة فيه. فمثلًا، لا يجوز أن تكون الأنشطة الدعوية على حساب الأزمة الأخلاقية، ولا الأنشطة السياسية على حساب الدعوة والإنفاق. ويمكن التعبير عن الفهم الصحيح للإسلام بكلمة واحدة، هي: التفسير النبوي؛ أي تلقّي الدين الذي بلَّغه النبي صلى الله عليه وسلم إلينا في صورة القرآن والسنة، والأخذ به على ما هو عليه، من غير حذف أو إضافة، ولا تأويل أو تحديد مُختلَق.
وبهذا الاعتبار، فإن التفسير الدعوي، أو السياسي، أو غيرهما من التفسيرات، لا يعبّر عن المراد من دين الله. ولذلك، فإن استعمال مصطلح ’التفسير النبوي‘ أولى من استعمال مصطلحات ’التفسير الفقهي‘، أو ’التفسير الكلامي‘، أو ’التفسير الدعوي‘، أو ’التفسير الروحي‘.
إن نتيجة هذه التفسيرات أن الأدبيات الدينية المرتبطة بها أصبحت، في الواقع، متداولة في الأوساط المنتمية إليها بوصفها بديلًا عن كتاب الله وسنة رسول الله. فأخذ الناس يجعلونها مرجعهم ومصدرهم من غير تحليل ولا تحقيق. وأصبحوا أكثر معرفة بعالمهم، أو مفكرهم، أو مرشدهم من معرفتهم بكتاب الله، وأكثر إلمامًا بإرشادات هؤلاء القادة من إلمامهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن ثم، فإنهم لا يكونون أكثر اطلاعًا على أقوال مرشديهم من اطلاعهم على كلام النبي صلى الله عليه وسلم فحسب، بل إن ارتباطهم الوجداني ينشأ، في الواقع، مع تلك الأقوال والكتب. ويمكن لأي أحد أن يلمس ذلك مباشرة عند مخالطة أفراد أي حركة من هذه الحركات؛ إذ يرى أن أعينهم تفيض بالدموع عند ذكر قائدهم أكثر مما تفيض عند ذكر الله ورسوله، وأن مجالسهم تعمر بتلاوة كتب العلماء أكثر مما تعمر بتلاوة كتاب الله.
وأما موقف هذه الحركات من القرآن، فإن النفسية السائدة فيها، في الواقع، تتمثل في قولهم:
ما زِ قرآن مغز رابرداشتيم
اُستخوان پیشِ سگاں انداختیم!
ترجمة: لقد استخلصنا من القرآن لُبّه وروحه، وألقينا العظام (أي ألفاظه الظاهرة) للكلاب (أي لمن لا معرفة لهم بحقيقته).
أي إنهم يرون أن روح القرآن الحقيقية، وما يتضمنه من العلم والمعرفة، قد استُخلص كله في أدبياتهم، ولم يبق في القرآن إلا ألفاظه. ولذلك، لم يعد ارتباطهم بالقرآن الكريم قائمًا على التذكير الشخصي وتلاوته، وإنما اقتصر على توزيعه في مجال الدعوة أو التعامل معه بوصفه مادة من مواد النشر. أما من حيث الهداية، فإنهم يرون أنهم قد حصّلوها من أدبيات حركتهم، فلم تعد هناك حاجة إلى المحافظة على صلة مستمرة بالقرآن الكريم من خلال التذكير وتلاوته.
وتشهد التجارب أنه، على الرغم من كل ما يتحلى به هؤلاء من إخلاص، فإن الصلة التي تربطهم عمليًا بقادتهم، وبإرشاداتهم وأدبياتهم، لا تُرى لهم مع كتاب الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك، يكون الناس أكثر اطلاعًا على أقوال أساتذتهم، وأئمتهم، ومرشديهم، ومولوييهم، وقادتهم ومفكريهم، من اطلاعهم على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر معرفة بإرشاداتهم من معرفتهم بهديه. وهذا المظهر ليس مذمومًا في ذاته، غير أنه إذا جاء على حساب الصلة المطلوبة بالقرآن والسنة، أو حلَّ محلّها، فلا ريب أنه من أقبح ما يكون: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.
وهذا هو الأثر المباشر لهذه التفسيرات؛ إذ تحولت ’الأمة الواحدة‘ إلى ’أمم متفرقة‘، وحلَّ هذا الأدب الديني محل القرآن. ومن ثم، أصبح هذا الأدب يُتلى ويُنشر عمليًا كما يُتلى القرآن. وقد أكَّد الخالق أن يكون القرآن هو الأصل في الدعوة والتذكير، كما قال تعالى: ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقال: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥]، ومع ذلك، فقد أصبحت صلة الناس المباشرة بالتذكير والتلاوة قائمة على هذه الأدبيات بدلًا من القرآن. وبهذا الاعتبار، فقد أصبحت هذه الأدبيات بالنسبة إلى الأمة هي ’المشناة‘ التي أُخبر عنها في قوله: “… ويُقرأ بالقوم المشناة”.
إن التعبير الوارد في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ’يُقرأ‘ ذو دلالة عميقة؛ فكأنه يشير إلى أن هذا الأدب البشري سيغدو في العصور اللاحقة بمنزلة ’قرآن‘ آخر بينهم، أي مادةً تُقرأ وتُدرَّس على نطاق واسع وبصورة مستمرة (perpetually read material). ومن المعلوم أن المعنى اللغوي لكلمة ’القرآن‘ هو النص المدوَّن الذي يُكثر الناس من قراءته وتلاوته فيما بينهم. وإذا شملتنا عناية الله وتوفيقه، فسيكون لنا إن شاء الله حديث مستقل في المستقبل عن الجوانب المتعددة لهذه الرواية المهمة.
نوعا الأدب
وبالنظر إلى التقسيم العام، ينقسم الأدب إلى نوعين:
١- الأدب العلمي
٢- الأدب الدعوي والتفسيري
فالمراد بالأدب العلمي ذلك الأدب القائم على تدوين العلوم وتحقيقها، كعلم اللسانيات، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، وأصول العلوم، وغيرها. وهذا الأدب يتسم في الغالب بطابع تجريدي، ولا ينتسب في أصله إلى دين أو مذهب أو جماعة بعينها. ويدخل فيه أيضًا ذلك التراث العلمي النفيس الذي بين أيدينا في صورة مدونات واسعة، ويشمل الأحاديث والآثار، والدواوين، والمعاجم، وسائر المصادر والمراجع.
أما الأدب الدعوي والتفسيري، فهو، على خلاف الأدب العلمي، الأدب الذي يعبّر فيه العالم أو المفكر عن فهمه في قالب تفسيري. ومن أمثلته: التفسير السياسي، والعصري، والدعوي، والفقهي، والمذهبي، والصوفي للدين. ولا يكون هذا المنهج في التفسير صحيحًا إلا إذا ظل وسيلةً للربط المباشر بالقرآن الكريم.
وكذلك ينبغي أن يواصل المنتسبون إليه عرضه على القرآن والسنة، وعلى مسلمات العقل والفطرة، وأن يستمروا في تنقيحه بروح علمية مجردة، وأن ينظروا إليه، مهما بلغت أهميته، على أنه عمل بشري. وعندئذٍ ينتفعون بجوانبه الصحيحة، ويواصلون تنقيح ما يظهر فيه من جوانب غير صحيحة.
وكذلك ينبغي لأهل العلم والقائمين على هذه الحركات أن يغرسوا باستمرار في طلابهم ومنتسبيهم الشجاعة العلمية والأخلاقية التي تمكّنهم، عند الاختلاف، من أن يقولوا لهم، بأدب واحترام، بلسان الإمام أحمد بن حنبل: “ائتوني بشيء من كتاب الله حتى أقول”؛ إذ لا يستحق أي رأي أن ينال مقام الاعتبار إلا بعد إقامة الدليل الواضح عليه من القرآن الكريم.
وقد عبّر القرآن عن هذه الحقيقة بأبلغ بيان في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]. ومن ثم، ينبغي أن يكون الرجوع إليه صراحةً عند وقوع التعارض.
أما الذين لا يملكون في أنفسهم هذه الجرأة، فلا ينبغي لهم أن يلجوا هذا الميدان الوعر من ميادين العلم والدعوة؛ لأن حق التشريع إنما هو لله وحده، ربّ الدين والإسلام، الذي أنزل الدين، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. وقد وصف القرآن عملية إنشاء الدين من عند النفس بأنها ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٩٣]. ومن ثم، فإن دور غيره لا يتجاوز البيان والتفهيم، والدعوة والتذكير، ولا يمتد إلى التشريع أو ابتكار التفسيرات الذاتية، كما قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩].
أما إذا أُعرض عن هذا التنقيح والرجوع، وبلغ الأمر أن يقول صاحب رسالة عظيمة: “كل ما هو خارج عني جاهلية، وكل ما عدا أدبياتي ليس إلا ’هراءً‘ (Rubbish)، وما بعدي ليس إلا القيامة، لا ظهور شخصية أخرى، ورسـالتي هي آخر رسالة في التاريخ، وأنا آخر إنسان في التاريخ، وجماعتي وحدها هي المصداق الحقيقي لـ”إخوان الرسول”. وإن كنت قد وجّهت نقدًا صارمًا إلى التاريخ بأسره، فإنه لا يجوز لأحد بعدي أن يكتب أو يمارس النقد؛ لأن أحدًا غيري لا يحيط بهذا الفن البالغ الصعوبة، وهو فن الكتابة والنقد. ولذلك، فإن ما ينبغي لأفراد الحركة أن يقوموا به ليس البحث والتحقيق، وإنما الاقتصار على الدعوة إلى فكري، ونشر أدبياتي”؛ فبكل أدب، ومع بالغ الاعتذار، يقال: إن هذا قد يكون تعبيرًا عن قناعته الشخصية، غير أن اتفاق الآخرين معه ليس أمرًا لازمًا بحال.
ويرجع أحد أسباب ذلك إلى أن الشخص، بعد صدور مثل هذا الإذعان، لا يبقى مجرد داعية، أو عالم، أو معلِّم، بل يرتقي إلى منزلة شخصية غامضة تُجعل صلة الناس بها معيارًا للهداية والضلالة. وعندئذٍ لا يعود عمله مجرد جهد علمي أو دعوي جدير بالتقدير، وإنما يُنظر إليه بوصفه ذلك الدور الذي وردت الإشارة إليه في الروايات على سبيل التنبؤ. وتشهد الوقائع والتجارب أن هذه الأوساط الدعوية والفكرية، على الرغم من جميع جوانبها الإيجابية، تظل مشحونة على الدوام بأصداء هذه الخطابات الغامضة، والبشارات، والرؤى، والمبشرات.
ويترتب على هذا النمط من التفكير أن هذا المشروع، على الرغم مما يتمتع به من خصائص استثنائية جديرة بالتقدير، وما يقدمه من إسهام فكري ودعوي عظيم، يصاب عمليًا بالجمود، ويغدو معظم المنتسبين إليه مجرد ’جماعة مغلقة‘ (Cult). وقد وصف القرآن هذا النوع من التحزب المتعصب بأنه شرك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: ٣١-٣٢]؛ لأن غير الله يصبح، في الواقع، هو المقصد والمحور الأساس. ولذلك أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم نفسه أن يعلن براءته من هذا النوع من التحزب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩].
(يُتبع …)
- 1. رئيس تحرير مجلة “إشراق” الإسلامية الشهرية الأردية، الصادرة عن مؤسسة المورد، الهند.