(الحلقة الرابعة)
اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا
يتبيّن من القرآن أن أهل الكتاب في العصور السابقة وقعوا في أسر هذه النفسية القائمة على تعظيم الأكابر، وأن أكثر المسلمين اليوم قد ابتلوا بهذه الآفة نفسها. وهذا المسلك يُعدّ قاتلًا للتطور الفكري والعلمي والإيماني والأخلاقي. ووفقًا للقرآن، فإن السبيل الوحيد لتجنب التفرق والتحزب هو أن يعتصم جميع أفراد الأمة اعتصامًا قلبيًا وعمليًا عميقًا بكتاب الله (آل عمران: ١٠٣)، وأن يستمدوا منه وحده الدين والمعرفة، والدعوة والتربية، وأن يتعرفوا من خلاله على مراد الله تعالى وإرادته. وهذا هو المقصود بإقامة الدين (الشورى: ١٣) التي أُمر بها المؤمنون. ووفقًا للآية، فإن إقامة الدين ليست هدفًا خارجيًا، وإنما هي في الأصل اسم للإصلاح الداخلي والجهاد العملي. غير أنه إذا استمر هذا الجهاد على المستوى المنشود، فقد يتجلى أثره في العالم الخارجي بعد ذلك في صورة الفتح والنصر (الصف: ١٣)، والاستخلاف في الأرض (النور: ٥٥).
والمقصود بصناعة الأصنام هو أن تُمنح هذه الحركات والشخصيات عمليًا المنزلة نفسها التي ينبغي أن تُمنح للقرآن والسنة. ومن مظاهر ذلك، على سبيل المثال، اعتبار أفكارهم وأبحاثهم وشخصياتهم فوق النقد والمراجعة، والامتناع عن إخضاع فكرهم للتحليل العلمي الموضوعي، مما يؤدي إلى وقف عملية تنقيحه وتطويره، وحصر النفس، بدافع التعصب، في دائرته إلى حد بعيد، ونحو ذلك.
وفي هذا السياق، يُنظر في الروايتين الآتيتين عن سيدنا عدي بن حاتم رضي الله عنه، وقد وردتا في عدد من كتب الحديث:
عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك. قال: فطرحته، وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة براءة، فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: قلتُ: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: قلتُ: بلى. قال: فتلك عبادتهم. (الطبراني، ١٧/٩٢)
“وروي عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يتلو هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣١). قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: فقلت: يا رسول الله، إنّا في الجاهلية لم نكن نعبد هؤلاء العلماء والمشايخ. فقال صلى الله عليه وسلم: أليس كانوا يحرمون ما أحل الله فتعدونه حرامًا، ويحلون ما حرم الله فتعدونه حلالًا؟ قلت: بلى، كان الأمر كذلك. فقال صلى الله عليه وسلم: “فتلك عبادتهم.”
That is how you worship them.
ووفقًا لرواية أخرى في سنن الترمذي، فقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى صراحةً بقوله:
“أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا حرموه.” (سنن الترمذي: ٣٠٩٥)
والمراد بألفاظ ’التحليل والتحريم‘ في هذه الرواية هو التعبير الرمزي؛ أي إن المقصود في الحقيقة هو منح هؤلاء العلماء والأئمة والقادة والمفكرين منزلة معيار الحق، وذلك بأن يُعطَوا – عن وعي أو غير وعي – حق تفسير دين الله وتشريعه من عند أنفسهم، بدلًا من الاكتفاء بمكانتهم الفطرية والمحترمة بوصفهم مربين ومعلمين، وأن يُنشأ معهم ارتباط عاطفي وفكري غير مشروط، بالمستوى الذي لا ينبغي أن يكون إلا مع الله ورسوله.
ولهذا صرّح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لا تجوز طاعة هؤلاء العلماء والقادة إذا كانت مخالفة للحق، فقال:
“السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية؛ فإن أمر بمعصية، فلا سمع عليه ولا طاعة.” (سنن الترمذي: ١٧٠٧، صحيح البخاري: ٢٩٥٥، صحيح مسلم: ١٨٣٩)
المؤسسة أم الحركة
في مثل هذه الحالة، يصحّ القول إن المنهج الإسلامي في الإصلاح والتربية ليس منهج الحركات الحزبية الحديثة، وإنما هو منهج المؤسسات القائمة على الأسلوب الفطري. ومن هذا المنطلق، يواصل كاتب هذه السطور تنبيه مؤسسة المورد إلى هذا الأمر مرارًا، حتى لا تتحول هذه المؤسسة العلمية، لا قدر الله، في ظل هذه الظروف، إلى صورة مماثلة للحركات الحديثة، ثم تنتهي إلى أن تصبح تحزّبًا دينيًا جديدًا.
منهج دراسي يرتكز على القرآن والسنة
والترتيب الصحيح في هذا الشأن هو أن يُقبل الناس، ولا سيما أهل العلم، قبل دراسة هذه التفسيرات والمؤلفات، على دراسة متعمقة للغة العربية، والقرآن الكريم، وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام، والأحاديث والآثار. وبعد ذلك تتكون لديهم البصيرة التي تؤهلهم للنقد والإفادة من مختلف أنواع المؤلفات.
وكذلك، لو أن المدارس الدينية غرست في نفوس الطلاب، على أيدي معلّمين أكفاء وجادين، حب اللغات، وأكسبتهم قدرة جيدة على اللغة العربية، ثم أفردت لهم – بعيدًا عن المؤثرات اللاحقة، وبعيدًا عن المناهج المذهبية والتفسيرية، وعلى أساس علمي وتربوي خالص – دراسة القرآن الكريم وحده، مع الثروة الواسعة من الأحاديث والآثار، لأمكن تحقيق الفائدة المنشودة في وقت أقصر بكثير من الوقت الذي يستغرقه المنهج الحالي المطول.
وعندئذٍ يصبح هؤلاء الطلاب، الذين يظهرون اليوم متبحّرين في شتى ’الفنون‘ غير القرآن والسنة، علماء بالكتاب والسنة. ويكونون علماء وحدة بدلًا من أن يكونوا خبراء في الخلاف، ويكتسبون رسوخًا عميقًا في كلام الله وكلام رسوله.
ليت الناس يدركون أن العلوم التي يظنون أنها وسيلة لاستكمال القرآن، هي نفسها محتاجة إلى أن تستمد أولًا شهادة صدقها من القرآن. ولما كان القرآن لا يجعلنا إلا عبادًا لله، ويقرر أن نفسه وحده ’كافٍ‘ للهداية والإرشاد (العنكبوت: ٥١)، فإن عقولنا المستعبدة لا تستطيع أن تتقبل هذه الحقيقة البسيطة. وكما قال شاعرنا المتفرد العلامة إقبال:
اِن غلاموں کا یہ مسلک ہے کہ ’ناقص‘ ہے کتاب
کہ سکھاتی نہیں مومن کو ’غلامی‘ کے طریق!
[مذهب هؤلاء العبيد أن الكتاب ’ناقص‘، لأنه لا يعلِّم المؤمن طريق ’الرقّ‘!]
بعض الوقائع والمشاهدات
وفي هذا السياق، يمكن إدراك طبيعة هذه النفسية الحزبية من خلال الوقائع الآتية:
١- قال لي في الآونة الأخيرة أحد الأعضاء البارزين في إحدى الحركات الإسلامية: ينبغي لك أن تنضم إلى الحركة، وإلا فإنه في هذا الزمان يستحيل القيام بخدمة دين الحق والمحافظة على الدين والإيمان. فهذه الحركة وحدها هي الحارس الحقيقي للإسلام وأهله.
فقلتُ له: هل كتب المؤسس العظيم للحركة هذا الكلام، أم أنه مجرد رأي منك؟
فقال: لا، بل هذا ما أعتقده أنا.
فقلتُ: كيف يجوز لشخص آخر أن يقول ما لم يقله مؤسس الحركة نفسه؟
٢- وكان ذلك في عام ٢٠١٧م. فقد قال لي أحد علماء السلفية المخلصين، المنتمين إلى إحدى البعثات الدينية، وكان بيننا شيء من الألفة:
لقد كنتَ قريبًا من الشيخ وحيد الدين خان مدة عشر سنوات (٢٠٠٥-٢٠١٥)، وقد لاحظت خلال المجالس الطويلة معه أنك كنت تدوّن بإيجاز، في سطر أو بضعة أسطر، أهم أقواله، وأن لديك عدة دفاتر تضم هذه الأقوال. فأرجو أن ترسل إليَّ نسخة منها لأطالعها.
فقلتُ: لا أنكر ما في أقوال الشيخ وحيد الدين خان وإرشاداته من فائدة، غير أن حقيقتها أنها تمثل أفكار عالِم ومشاعره، وهي مما يحتمل الصواب والخطأ. وفي مثل هذه الحال، فلن أرسل إليك نسخة من تلك الدفاتر إلا إذا اطمأننت إلى أن لديك، من غير تشبيه، الاهتمام نفسه بأقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: وكيف يُعرف ذلك؟
فقلتُ: هل لديك مجموعة من كتب الحديث؟
قال: نعم، بل إن جميع ما لم يكن مطبوعًا منها متوافر عندي في نسخة إلكترونية (Soft Copy).
فقلتُ: اختر أي مجموعة من مجموعات الحديث، ثم أخبرني بعد أن تكون قد درستها دراسة متعمقة، وعندئذ سأطرح عليك بعض الأسئلة المتعلقة بها لأتأكد من ذلك، ثم أرسل إليك نسخة من تلك الدفاتر التي تضم أقوال الشيخ الجليلة. ولكن العجيب أنه، رغم تكرار التذكير، لم يُبدِ أي اهتمام بهذا الأمر.
فما أعجب حال قوم تكون لديهم مجموعات الأحاديث النبوية مطبوعة في أبهى صورة، ثم لا يجدون في أنفسهم رغبة في الانتفاع بهذا الكنز الثمين، بينما يظلون شديدي التطلع والحرص على الإفادة من أقوال البشر!
وفي هذا السياق، يحضرني هنا قول نفيس من أقوال أئمة أهل العلم:
“من كان في بيته مجموعة من الأحاديث، فكأنما في بيته نبيٌّ يتكلم.”
وفي مثل هذه الحال، كيف يسع المؤمن العالم أن يكون مولعًا بكلام البشر، بينما لا يجد في نفسه اهتمامًا بإرشادات النبي صلى الله عليه وسلم؟! أفهذا هو الذوق الذي يسمى معرفة؟! أهذه هي الربانية والروحانية؟! أهذه هي ثمار الارتقاء العقلي؟!
٣- وفي عام ٢٠١٢م، عقد كاتب هذه السطور جلسة خاصة مع عدد من كبار العلماء المنتسبين إلى إحدى البعثات الدينية، فقال لهم:
إن الغاية من انتسابكم إلى هذه البعثة كانت أن تتربوا على يد مربٍّ عظيمٍ، وبعد مضي زمن طويل، فقد تم هذا المقصود بحمد الله. والآن ينبغي لكم ألا تقفوا عند هذا التراث الفكري وتكتفوا به، بل تنتفعوا منه، وتتخذوا المصادر الأصلية للإسلام، وهي القرآن والسنة، موضوعًا خاصًا لكم، لتزدادوا فيها فهمًا وإدراكًا. فمكانتكم في هذه البعثة ليست مكانة الأعضاء العاديين، وإنما عليكم أن تؤدوا فيها دور العلماء. ولذلك فإن هذا الأمر ضروري للغاية من أجل ارتقائكم العلمي، ولتحقيق المصلحة العلمية والدعوية للبعثة. فبعد صاحب البعثة، تقع على عاتقكم مسؤولية توجيه الأعضاء الآخرين وتربيتهم، وهي مسؤولية دقيقة وحساسة.
وفي هذا الصدد، كرّرتُ عليهم مرارًا الواقعة البليغة للإمام محمد بن الحسن الشيباني، فقلت: لقد قيل للإمام محمد بن الحسن مرة، حين رآه أحدهم منهمكًا في المطالعة إلى وقت متأخر من الليل: لِمَ لا تستريح في مثل هذا الوقت؟
فأجاب: كيف أنام، وقد نامت عيون المسلمين توكُّلًا علينا، ويقولون: إذا وقع لنا أمرٌ رفعناه إليه، فيكشف لنا. (أبو غدة، قيمة الزمن عند العلماء، صـ ٥٩)
ثم قلتُ لهم: إذا كان الأمر هناك لا يتجاوز بعض المسائل الفقهية، فإن أمامكم هنا بعثة كاملة. ولذلك فإن مقتضى المرحلة اليوم هو أن تواصلوا الإفادة من الكتابات النفيسة للمربي الكريم، مع تعميق معرفتكم بالقرآن الكريم، والسيرة النبوية، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يزداد علمكم وإيمانكم، وتكونوا قادرين كذلك على أداء واجب توجيه سائر أفراد البعثة.
ولكن العجيب أن هؤلاء المخلصين لم يأخذوا هذه النصيحة على محمل الجد، بل عدّوا كلام كاتب هذه السطور، بسبب شدة ارتباطهم بالبعثة، دعوةً إلى فصلهم عنها. ولذلك ثارت حميتهم، وأظهروا شدة الانفعال، ثم قالوا:
لقد كنتَ أنت الذي ربطنا بهذه البعثة فدفعنا إلى الأمام، أما الآن فإنك تريد أن تعيدنا إلى الوراء! وعلى أي حال، قلتُ لهم: أليس من واجبنا، بوصفنا مؤمنين ودعاة وعلماء، أن ندرس القرآن والسنة دراسة عميقة؟ غير أن هذه الجلسة انتهت في آخر الأمر دون نتيجة، ولم تبقَ إلا لحظة من لحظات التاريخ. ومع ذلك، ظلّ كاتب هذه السطور يلفت انتباه هؤلاء المخلصين إلى هذا الهدف المهم باستمرار، غير أنه ظهر أن انشغالاتهم الدعوية والنشرية والحركية، على ما لها من قيمة، قد أصبحت تحول بينهم وبين اتخاذ القرآن والسنة موضوعًا خاصًا ومستقلًا للدراسة المتعمقة.
(يُتبع …)
- 1. رئيس تحرير مجلة “إشراق” الإسلامية الشهرية الأردية، الصادرة عن مؤسسة المورد، الهند.