فالمعقولية الغربية لم تستطع ربط مقوماتها التي ترعرعت في الحداثة (العدل، الإنصاف، الحقوق، الاختلاف) بنمط عملها في تواصلها مع الآخرين. أو بتعبير آخر لم تستطع هذه المعقولية استضافة المعقوليات الأخرى لإحداث كوينيّة عادلة ومشتركة بين الناس وبين الشعوب. هذا الإخفاق كان أيضاً سبباً من أسباب إخفاق العولمة وانقراض عصر ما بعد الحداثة.
وفي حقيقة الأمر، كلما أخضعنا العقل إلى منطقية الجغرالسياسية ازداد التوتر بين الحضارات والهويّات، وكاد التفاهم بين الشعوب يكون مستحيلاً، لأنه لا تواصل ممكن بين المجموعة الهائلة من التنوع الحضاري والثقافي إلا إذا كان العقل محايداً لا يخضع إلا لمعايير منطقية مقبولة من الجميع. فأزمة العقل في تمظهره الغربي يتمثل في أنه يحاول تعويض هذه المنطقية المقبولة بمنطق القوة القاهرة الجبارة، وكأن الغلبة (اقتصاداً واجتماعاً) ستعوض القبول العمومي للعقل، وستضع بذلك المعقولية الغربية نفسها حكماً ووازعاً بين المعقوليات، وهي التي اتخذت صبغة براغماتية نفعية وشكلاً جغراسياسياً معيناً يبرر غلبة العولمة ويجعلها نهاية التاريخ. لذلك كان لا بد من العودة إلى كيانه لعقله من جديد، وتمييز نواته الأساسية من غاياته النفعية.
وقد حاول الفيلسوف الألماني هابرماس القيام بذلك من خلال أعمال مدرسة فرانكفورت، وبين أن العقل التواصلي هو الذي يمكن أن يكون القاسم المشترك بين كل الثقافات، وهو الضامن الأول لإمكانية توحيد التنوع والاختلاف. وعلى الرغم من أهمية هذا النقد، فإن هذا العقل التواصلي في صبغته الكونية والاجتماعية قد لا يكفي أيضاً ليكون هناك حقيقة تحاور بين الثقافات واتصال متواصل يصل إلى مستوى الكوني.
المهم على كل الحال هو الاعتراف بالكثرة والتنوع في الثقافة والأفكار وفي نمط العيش الاجتماعي للأفراد والمجتمعات. ففي هذا الاعتراف الحقيقي يكمن التحول من معقولية الغلبة إلى معقولية الحوار. ولكنه لا يكفي، لأن حق الكثرة وحق الاختلاف قد يتحولا هما أيضاً إلى نوع من الاستبداد، بحيث لن يكون هناك إمكانية للانفتاح وللتحاور. فباسم الاختلاف يمكن اقتراف أبشع الجرائم البشرية. لذلك فلا بد أن يؤدي الاعتراف بالكثرة والاختلاف إلى إقرار أرضية للحوار الكوني الذي يحترم الهويّات الشخصية للأفراد والمجتمعات، والشعوب ويبني بينها نقط التقاء ليصبح العيش سوياً بينها ممكناً.
فالمعقولية الغربية تحاول عكس ذلك تجاوز الهويّات لإقرار كونية لا تخدم إلا مصالحها. هذا لا يعني أن مثقفي الغرب كلهم قد نهجوا نهج هذا التوجه السياسي للمعقولية الغربية. فمن بينهم الكثير من نقد ذلك التوجه وحاول ربط الجسور مجدداً مع الآخر وعدَّ أن الهوية في صبغتها الانفتاحية ضرورة للتعايش.
فعلاقة العولمة بالهوية عويصة في حد ذاتها. فمن ناحية تحاول العولمة ضم الهويّات بعضها إلى بعض من خلال تقنيات الاتصال للقضاء عليها باعتبار أنها يمكن أن تكون عائقاً لتطورها إن لم تصبح نقطة انطلاق للصمود ضدها. ومن ناحية أخرى، فهي قد تنمي بعضها (كهويّة الأقليات) لتكون مناطق مؤزّمة في العالم تشتعل فتيلها متى اقتضت الضرورة الاستراتيجية لذلك. إلا أن الهوية في كنهها وفي نمط تطورها يمكن أن تلعب دور الصمود ضد العولمة، وسيأخذ هذا الصمود شكلاً تراجعياً ورجعياً ارتكاسياً برفض العلم والتكنولوجيا مثلاً والتوقع في نمط حياة ذي أنموذج ماضوي (مشروع طالبان في أفغانستان مثلاً) إذا أخذت الهوية صبغة سكونية ماضوية ضيقة.
أما إذا تحددت الهوية من خلال انتماء الإنسان إلى ماضيه وحاضره ومشروعه الإقبالي، فإن الهوية ستتقبل نتائج العلوم والتكنولوجيا وستحافظ بذلك على كل الانتماءات الرمزية والمعنوية والمادية، وستصبح صموداً تقدمياً واستراتيجياً للهيمنة الإمبريالية في صبغتها الجديدة التي تمثلت في العولمة.
(يُتبع…)
كتاب “الحداثة وما بعد الحداثة”، د. عبد الوهاب المسيري والدكتور فتحي التريكي، صـ ١٧٩- ١٨٢