انتقل إلى المحتوى

الحداثة وما بعد الحداثة *

الدكتور فتحي التريكي العربية

(الحلقة السادسة)

الفصل الثاني

الهوية

لقد قام الفيلسوف الأمريكي رورتي مؤخرًا بإعادة صياغة السؤال الذي ما انفك يشد انتباه الجميع منذ أوائل القرن العشرين ونعني به من نحن؟ وما المعايير الجديدة التي توحد بيننا وتسطر الخط الفاصل مع الآخرين؟ هل مازالت تتمثل في الوطن أو في الحدود الجغرافية أو اللغوية؟ هل تعتمد الخصوصيات الثقافية أم الدينية أم التاريخية؟ أو كما يقول رورتي: “ما المثال الموحد الذي يجعل جماعتنا تشبه فيلقًا عسكريًا أكثر من تشابهها لسرب من الأفراد؟”

إن الجدوى من إعادة صياغة هذه الأسئلة تتمثل أساسًا في تفادي السقوط في الفلكلورية أو الثقافوية التي قد تؤدي إما إلى التمجيد والنرجسية الفارغة أو إلى التعصّب والعنصرية، وفي كلتا الحالتين ستكون النتيجة هي التقهقر الهووي والترجعية والتطرف فكراً وثقافةً واجتماعًا.

فالهويّة التي نحن بحاجة إليها للتصدي ضد هيمنة الإمبريالية في صبغتها الجديدة لا بد أن تتعالى عن هذه الثقافوية الضيقة، ولابد أن يأخذ تصورها صبغة الانفتاح والحركة كي لا تؤدي في واقع الأمر إلى استبعاد الآخر.

فلا بد إذن من استنطاق مفهوم الهوية في حد ذاته وتحديد دلالاته وتطورها، وبخاصة في راهنية الفكر العالمي الذي ما انفك يراهن، كما لاحظنا سابقًا، على العولمة والكونية. فهل يمكننا التمسك بالذاتية والهوية في عالم أصبح بفضل التطور التكنولوجي والفيض المعرفي العلمي متقارب الحدود منفتحًا ومتداخل العناصر والهويّات، عالم السرعة، كما يحلو للفيلسوف الفرنسي فيريليو أن يسميه؟ فالتفاعل مع التغيرات المتسارعة في تكنولوجيا الاتصالات والحواسيب، ومع التحرك نحو سوق عالمية متكاملة قد يؤدي إلى تغير معاني القيم التقليدية والتعبيرات الاجتماعية، وقد تُحدث أنواعًا جديدة من المشاكل قد تكون غير منتظرة. وذلك لأن العولمة ليست وصفًا للأوجه الرئيسية للتحولات الاقتصادية والثقافية فقط، بل هي أيضًا عولمة تجارة المخدرات والإرهاب ونقل المواد النووية، وعولمة الإجرام والتنظيمات الإجرامية، وعولمة أنماط الحياة المنغمسة في الأرباح السهلة. فكان من بين عوامل الصمود ضد هذه العولمة غير الحميدة إعادة توثيق مفهوم الهوية بثوابت الأصل والماضي، وربطه بقيم أخلاقية مثبتة في الروحي عامة، وفي الديني خاصة.

هذه الثوابت، كما نعلم، تنتعش دائمًا تحت عوامل التغيير لتظهر في صورة ردة فعل أو حركة مقهورة ومغبونة. فلا غرابة أن تتبلور مع تبلور إحداثيات العلوم والتكنولوجيا تيارات فكرية غير واقعية تتوقع في أثناء مرجعيات الأصل، والأمثلة على ذلك تكاد لا تُحصى، لأن التحديث في واقع أمره عملية معقدة تقوم دائمًا على جدلية العودة والتجاوز، عودة إلى الماضي الذي قد أحكمنا السيطرة عليه، فنعود إليه عودتنا إلى سياق نعرف معناه وحدوده وإمكاناته، ولكننا في كل مرة يكون وعينا راسخًا بأن هذه العودة هي من أجل تنفيذ مشروع إحداثيات المعرفة والممارسة لتحقيق سعادة الجنس البشري بتحسين الوسائل الثقافية والعلمية والتقنية.

هكذا تكون ثوابت الهوية ضرورة حيوية، ولكنها قد تأخذ صبغة تراجعية فتصبح عوائق في سبيل هذا التحسين، وذلك كلما اشتدت أزمات التغيير، وكثرت عوارض الإحداثيات، وتزعزعت كيانات العوائد والعقائد والتقاليد. لذلك لا بد من إعادة التساؤل عن مفهوم الهوية الآن ونحن نعيش مثل هذه الأزمات ونعيش عصر تكنولوجيا الاتصالات والحواسيب، عصر العولمة وهيمنة المعارف، بل لعله من الأفضل أن نقارب هذا المفهوم مقاربة بديلة قد تخرجه من التوقع والتراجع، وتجعله يتناغم مع الإحداثيات، وربما يصبح حافزًا للإبداع والحفاظ على الذات.

يقول أبو نصر الفارابي في (التعليقات): إن هوية الشيء عينيته ووحدته وتشخصه وخصوصيته ووجوده المنفرد له كل واحد، وقولنا: “إنه هو” إشارة إلى هويته وخصوصيته ووجوده المنفرد له لا يقع فيه اشتراك (دار المناهل، بيروت ١٩٨٨). هكذا تتأكد الصبغة الواحدية لمفهوم الهوية على المستوى الفلسفي إذ هو يعني أصلاً المماثلة والتوحد ويضاده مفهوم المختلف والمتكاثر. وهو بهذا المعنى يقترب من مفهوم الهوهو. يقول الفارابي أيضاً:

“الهوهو معناه الوحدة والوجود، فإن قلنا: زيد هو كاتب، معناه زيد هو موجود كاتب” ونجد هذا المعنى في فكرة la mêmeté التي نجدها عند فولتير في معجمه الفلسفي.

لكننا نتذكر أن أفلاطون في محاولته لتحديد الواحد من خلال الهوهو، اعترضته معضلة الغيرية. حتى يكون زيد هو غير عمر، يجب أن نعطي للغير أرضية إيجابية ووجودية، وإذا قمنا بذلك فإننا سنكسر الوحدة في الهوهو. وقد كانت هذه المعضلة هي معضلة الفلسفة على مر الأيام، فهيجل ومن بعده ماركس والماركسيون لم يستطيعوا حلها إذ إنهم جدّلوا (أقحموا الهوية في تنظير جدلي) القضية وبحثوا عن تركيب التركيب، وبذلك تجاوزوا الآخر وأقحموه في النسق دون أن يحلوا المعضلة).

هكذا إذن كل تصور لفكرة الهوية، إذا ما أراد ألا يقع في فخ هذه المعضلة يجب أن يخرج عن الهوهو، وأن يعمل في حقل التنوع، بجانب ما كان يعتبر ضدها أي محاذية للآخر وللغير. ولكن هذه الحدود بين الهو والآخر حدودٌ متوترةٌ، لأننا سنلاحظ حتماً أن كل إقرار للهوية هو أيضاً تعيين للآخر باعتباره عدواً أو على الأقل منافساً له في الحياة.

(يُتبع…)

  1. 1. كتاب “الحداثة وما بعد الحداثة”، د. عبد الوهاب المسيري والدكتور فتحي التريكي، صـ ١٧٩- ١٨٢