انتقل إلى المحتوى

الحوارات بين زعماء فارس والصحابة الكرام رضي الله عنهم

بقلم: أ. د / محمد عمار خان ناصر ترجمة إلى العربية: عثمان فاروق العربية

1

(نقلاً عن كتاب المؤلّف “تفهيم الآثار”)

(الحلقة السابعة)

(10)

عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو وزياد بإسنادهم… قالوا: وأرسل سعد إلى المغيرة بن شعبة وبُسْر بن أبي رُهْم وعَرْفَجَة بن هَرْثَمَة وحذيفة بن مِحْصَن ورِبْعِي بن عامر وقِرْفَة بن زاهِر التيمي ثمّ الواثِلي ومَذْعُور بن عدي العِجْلِي والمُضارِب بن يزيد العجلي ومَعْبَد بن مُرّة العجلي ـــ وكان من دهاة العرب ـــ فقال: إني مرسلكم إلى هؤلاء القوم فما عندكم؟ قالوا جميعا: نتبع ما تأمرنا به وننتهي إليه، فإذا جاء أمر لم يكن منك فيه شيء نظرنا أمثل ما ينبغي وأنفعه للناس فكلمناهم به، فقال سعد: هذا فعل الحزمة، اذهبوا فتهيئوا، فقال ربعي بن عامر: إن الأعاجم لهم آراء وآداب، ومتى نأتهم جميعا يروا أنا قد احتفلنا بهم، فلا نزدهم على رجل، فمالأوه جميعًا على ذلك، فقال: فسرّحوني، فسرّحه.

فخرج رِبْعِيُّ ليدخل على رُستم عسكره، فاحتبسه الذين على القنطرة، وأرسل إلى رُستم لمجيئه، فاستشار عظماء أهل فارس، فقال: ما ترون؟ أنباهي أم نتهاون؟ [فاجتمع ملؤهم على المباهأة]، فأظهروا الزِبْرِجَ، وبسطوا البسط والنمارق، ولم يتركوا شيئا، ووضع لرُستم سرير الذهب، وألبس زينته من الأنماط والوسائد المنسوجة بالذهب. وأقبل ربعي يسير على فرس له زباء قصيرة، معه سيف له مشوف، وغمده لفافة ثوب خلق، ورمحه معلوب بقد، معه حجفة من جلود البقر، على وجهها أديم أحمر مثل الرغيف، ومعه قوسه ونبله.

فلما غشي الملك وانتهى إليه وإلى أدنى البسط قيل له: انزل، فحملها على البساط، فلما استوت عليه نزل عنها وربطها بوسادتين، فشقهما ثم أدخل الحبل فيهما، فلم يستطيعوا أن ينهوه، وإنما أروه التهاون وعرف ما أرادوا، فأراد استخراجهم. وعليه درع له كأنها أضاة، ويلمقه عباءة بعيره قد جابها وتدرعها، وشدها على وسطه بسلب، وقد شد رأسه بمعجرته، وكان أكثر العرب شعرة، ومعجرته نسعة بعيره، ولرأسه أربع ضفائر قد قمن قياما كأنهن قرون الوعلة، فقالوا: ضع سلاحك، فقال: إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني، فإن أبيتم أن آتيكم كما أريد رجعت. فأخبروا رُستم فقال: ائذنوا له، هل هو إلا رجل واحد!

فأقبل يتوكّأ على رمحه، وزجه نصل، يقارب الخطو ويزج النمارق والبسط، فما ترك لهم نمرقة ولا بساطا إلا أفسده وتركه منتهكا مخرقا، فلما دنا من رُستم تعلق به الحرس، وجلس على الأرض، وركّز رمحه بالبسط، فقالوا: ما حملك على هذا؟ قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه. فكلمه فقال: ما جاء بكم؟ قال: الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله. قال: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي.

فقال رُستم: قد سمعت مقالتكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟ قال: نعم، كم أحب إليكم؟ أيومًا أو يومين؟ قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا، وأراد مقاربته ومدافعته، فقال: إن مما سنّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به أئمتنا ألا نمكن الأعداء من آذاننا، ولا نؤجلهم عند اللقاء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثا، فانظر في أمرك وأمرهم، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل: اختر الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء فنقبل ونكف عنك، وإن كنت عن نصرنا غنيا تركناك منه، وإن كنت إليه محتاجا منعناك، أو المنابذة في اليوم الرابع، ولسنا نبدؤك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا، أنا كفيل لك بذلك على أصحابي وعلى جميع من ترى. قال: أسيدهم أنت؟ قال: لا، ولكن المسلمين كالجسد بعضهم من بعض، يجير أدناهم على أعلاهم.

فخلص رُستم برؤساء أهل فارس، فقال: ما ترون؟ هل رأيتم كلاما قط أوضح ولا أعز من كلام هذا الرجل؟ قالوا: معاذ الله لك أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك لهذا الكلب! أما ترى إلى ثيابه! فقال: ويحكم لا تنظروا إلى الثياب، ولكن انظروا إلى الرأي والكلام والسيرة، إن العرب تستخف باللباس والمأكل ويصونون الأحساب، ليسوا مثلكم في اللباس، ولا يرون فيه ما ترون. وأقبلوا إليه يتناولون سلاحه، ويزهدونه فيه، فقال لهم: هل لكم إلى أن تروني فأريكم؟ فأخرج سيفه من خرقه كأنه شعلة نار، فقال القوم: اغمده، فغمده، ثم رمى ترسا ورموا حجفته، فخرق ترسهم وسلمت حجفته، فقال: يا أهل فارس، إنكم عظمتم الطعام واللباس والشراب وإنا صغرناهن، ثم رجع إلى أن ينظروا إلى الأجل.

فلما كان من الغد بعثوا أن ابعث إلينا ذلك الرجل، فبعث إليهم سعد حذيفة بن محصن، فأقبل في نحو من ذلك الزي، حتى إذا كان على أدنى البساط، قيل له: انزل، قال: ذلك لو جئتكم في حاجتي، فقولوا لملككم: أله الحاجة أم لي؟ فإن قال: لي فقد كذب، ورجعت وتركتكم، فإن قال: له لم آتكم إلا على ما أحب، فقال: دعوه، فجاء حتى وقف عليه ورُستم على سريره، فقال: انزل، قال: لا أفعل، فلما أبى سأله: ما بالك جئت ولم يجئ صاحبنا بالأمس؟ قال: إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء، فهذه نوبتي.

قال: ما جاء بكم؟ قال: إن الله عز وجل من علينا بدينه وأرانا آياته، حتى عرفناه وكنا له منكرين، ثم أمرنا بدعاء الناس إلى واحدة من ثلاث، فأيها أجابوا إليها قبلناها: الإسلام وننصرف عنكم، أو الجزاء ونمنعكم إن احتجتم إلى ذلك، أو المنابذة، فقال: أو الموادعة إلى يوم ما؟ فقال: نعم، ثلاثا من أمس، فلما لم يجد عنده إلا ذلك رده وأقبل على أصحابه، فقال: ويحكم! ألا ترون إلى ما أرى! جاءنا الأول بالأمس فغلبنا على أرضنا، وحقر ما نعظم، وأقام فرسه على زبرجنا وربطه به، فهو في يمن الطائر، ذهب بأرضنا وما فيها إليهم مع فضل عقله، وجاءنا هذا اليوم فوقف علينا، فهو في يمن الطائر، يقوم على أرضنا دوننا، حتى أغضبهم وأغضبوه. فلما كان من الغد أرسل: ابعثوا إلينا رجلا، فبعثوا إليهم المغيرة بن شعبة.2

الشرح اللغوي

(١) دُهَاة: جمع ’داهية‘، وهو البالغ في الذكاء، المتصف بجودة الرأي، وحسن التدبير، وقوة الحيلة. ويُقال: دُهَاةُ العرب؛ أي أعيانهم في الحنكة والسياسة وجودة التدبير.

(٢) احْتَفَلْنَا بِهِمْ: الاحتفال في الأصل: المبالغة في الإقبال على الشيء والعناية به. والمراد في هذا السياق: الاعتداد بهم، وإيلاؤهم منزلة رفيعة، والنظر إليهم بعين التقدير والاعتبار.

(٣) نُبَاهِي: من مادة البَهَاء، وهي تدل على الحسن، والجمال، والرفعة، والهيبة. والفعل باهى: فاخر ونافس في إظهار الفضائل والمكارم. ونُبَاهِي: نُفاخر، ونُظهر ما لنا من العزة والشرف والمكانة.

(٤) نَتَهَاوَنُ: من مادة ’هَوَن‘، التي تدل على الهوان والذلة والحقارة. والفعل تهاون به: استخفَّ به واستقلَّ شأنه. والمراد هنا: نُظهر له قلة الاعتداد به، ولا نُنزله منزلة التقدير والاعتبار.

(٥) زَبَّاء: مؤنث ’أزَبّ‘، وهو الكثير الشعر، الطويل الوبر. وتُوصف به الفرس الأنثى إذا كثُر شعرها وطال.

(٦) مَشُوف: صفة بمعنى لامعٍ، متألِّقٍ، شديد البريق.

(٧) مَعْلُوب: اسم مفعول من ’علبَ‘ بمعنى لفَّ وغطَّى، أي ملفوفٌ ومشدودُ اللفِّ بإحكام.

(٨) أَضَاة: الغدير الصغير أو البركة التي يجتمع فيها الماء. وشُبِّهت الدرع بها لما بينهما من المشابهة في صفاء السطح ولمعانه عند انعكاس الضوء.

(٩) مِعْجَرَة: ما يُعصَب أو يُلفُّ به الرأس من منديل أو خمار.

(١٠) اليَلْمَق: ثوبٌ يُلبس فوق الثياب، وهو القباء، ويكون غالبًا واسع الأكمام.

(١١) الْمُنَابَذَة: مصدر ’نابذه‘، من مادة ’نَبَذَ‘، وأصلها الطرح والإلقاء. ثم نُقل معناها إلى نبذ العهد وقطعه، ومنه قولهم: نابذ القوم؛ أي أعلن انتهاء العهد بينهم، ومن ثم استُعملت المنابذة في معنى إعلان الحرب والدعوة إلى القتال.

الشرح والتوضيح

(١) استمرت المفاوضات بين القائد الفارسي رُستم والمسلمين قبل معركة القادسية عدة أيام، ومرت بمراحل متعددة، حيث أُوفد إليه عدد من الصحابة تباعًا للحوار معه. وتتناول هذه الرواية المرحلة الأولى من تلك المفاوضات، حين أُرسل كل من ربعي بن عامر، وحذيفة بن محصن، والمغيرة بن شعبة إلى رُستم في أيام متفرقة لإجراء الحوار معه. ثم في المرحلة التالية أُوفد وفدٌ من بقية أهل الرأي لإجراء مفاوضة جماعية، وسيأتي بيان تفاصيل ذلك في الروايات اللاحقة.

(٢) بيّن ربعي بن عامر في حواره مع رُستم أن من أبرز مقاصد تحرك المسلمين دعوة الناس إلى الانتقال من عبودية العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. وقد أبرز كل من ربعي بن عامر وحذيفة بن محصن هذا المعنى، مؤكدين أن المسلمين لا يؤمنون بالتمييز بين طبقة الأشراف وسائر الناس، وأن مسؤولية تمثيل المسلمين والتحدث باسمهم يمكن أن تُناط بأي واحد منهم. وأوضح ربعي أنه، بوصفه ممثلًا للمسلمين، إذا منحهم عهدًا بعدم القتال مدة ثلاثة أيام، فإن جميع أفراد الجيش يلتزمون بذلك؛ لأن من أحكام المسلمين أن أدنى المسلمين منزلة إذا منح العدو أمانًا، وجب على جميع المسلمين الوفاء به. وكذلك بيّن حذيفة بن محصن، في اليوم الثاني، سبب إرساله بدلًا من ربعي، وهو أن أمير المسلمين يُشرك الجميع في تحمل المسؤوليات، في الشدة والرخاء، وفي جميع شؤونهم، فلا يخصّ طائفة بعينها أو أفرادًا معينين ببعض المهام دون غيرهم.

تخريج الرواية واختلاف طرقها

روى الكلاعي هذه الحادثة، المتضمنة للحوار الذي دار بين رِبْعِيِّ بن عامر وحذيفة بن محصن من جهة، ورُستم من جهة أخرى، من طريق سيف بن عمر أيضًا، وذلك في كتابه3. وقد نُقلت بعض العبارات الواردة بين معقوفين في المتن من الاكتفاء؛ لكونها أوفق بالسياق وأدق في أداء المعنى.

(يُتبع…)

  1. 1. باحث في مؤسسة “المورد” باكستان ومركز غامدي للتعلّم الإسلامي (GCIL) أمريكا ومدير برنامج الدراسات الإسلامية لمرحلة البكالوريوس في جامعة GIFT بـ كوجرانواله، باكستان.
  2. 2. تاريخ الطبري ٣/٥٢١
  3. 3. 2 الاكتفاء ٢/٤٥٧–٤٦١