(نقلاً عن كتاب المؤلّف “تفهيم الآثار”)
(الحلقة الثامنة)
(12)
عن أبي عثمان النهدي قال: لما جاء المُغيرة إلى القنطرة فعبرها إلى أهل فارس، حبسوه واستأذنوا رُستُم في إجازته، ولم يغيروا شيئا من شارتهم تقوية لاستهانتهم به. فأقبل المُغيرة بن شُعبة، والقوم في زيهم، عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، وبسطهم على غلوة، لا يصل إلى صاحبهم حتى يمشي عليهم غلوة. وأقبل المُغيرة وله أربع ضفائر يمشي، حتى جلس معه على سريره ووسادته، فوثبوا عليه فجرجروه وأنزلوه ودفعوه. فقال: كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوما أسفه منكم! إنّا معشر العرب سواء، لا يستعبد بعضنا بعضا إلا أن يكون محاربًا لصاحبه. فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه. ولم آتكم، ولكن دعوتموني. اليوم علمت أن أمركم مضمحل، وأنكم مغلوبون، وأن مُلكًا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول.
فقالت السَّفَلَةُ: صدق والله العربي. وقالت الدَهَاقينُ: والله لقد رمى بكلام لا يزال عبيدنا ينزعون إليه. قاتل الله أولينا، ما كان أحمقهم حين كانوا يصغرون أمر هذه الأمة! فمازحه رُستُم ليمحو ما صنع، وقال له: يا عربي، إن الحاشية قد تصنع ما لا يوافق الملك، فيتراخى عنها مخافة أن يكسرها عما ينبغي من ذلك، فالأمر على ما تحب من الوفاء وقبول الحق. ما هذه المغازل التي معك؟ قال: ما ضر الجمرة ألا تكون طويلة! ثم راماهم. وقال: ما بال سيفك رثا؟ قال: رث الكسوة حديد المضربة. ثم أعطاه سيفه.
ثم قال له رُستُم: تكلم أم أتكلم؟ فقال المُغيرة: أنت الذي بعثت إلينا فتكلم. فأقام الترجمان بينهما، وتكلم رُستُم، فحمد قومه وعظم أمرهم وأطال، وقال: لم نزل متمكنين في البلاد، ظاهرين على الأعداء، أشرافًا في الأمم، فليس لأحد من الملوك مثل عزّنا وشرفنا وسلطاننا. ننصر على الناس ولا ينصرون علينا إلا اليوم واليومين أو الشهر والشهرين للذنوب، فإذا انتقم الله فرضي رد إلينا عزّنا، وجمعنا لعُدوّنا شر يوم هو آتٍ عليهم. ثم إنه لم يكن في الناس أمة أصغر عندنا أمراً منكم. كنتم أهل قشف ومعيشة سيّئة، لا نراكم شيئاً ولا نعدكم، وكنتم إذا قحطت أرضكم وأصابتكم السنة استغثتم بناحية أرضنا، فنأمر لكم بالشيء من التمر والشعير ثم نردكم. وقد علمت أنه لم يحملكم على ما صنعتم إلا ما أصابكم من الجهد في بلادكم، فأنا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم، وآمر لكل رجل منكم بوقر تمر وبثوبين، وتنصرفون عنا، فإني لست أشتهي أن أقتلكم ولا آسركم.
فتكلّم المُغيرة بن شُعبة، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن الله خالق كل شيء ورازقه، فمن صنع شيئا فإنما هو الذي يصنعه، وهو له. وأما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك من الظهور على الأعداء والتمكن في البلاد وعظم السلطان في الدنيا، فنحن نعرفه ولسنا ننكره، فالله صنعه بكم ووضعه فيكم، وهو له دونكم. وأما الذي ذكرت فينا من سوء الحال وضيق المعيشة واختلاف القلوب، فنحن نعرفه ولسنا ننكره، والله ابتلانا بذلك وصيرنا إليه، والدنيا دول، ولم يزل أهل شدائدها يتوقعون الرخاء حتى يصيروا إليه، ولم يزل أهل رخائها يتوقعون الشدائد حتى تنزل بهم ويصيروا إليها. ولو كنتم فيما آتاكم الله ذوي شكر، كان شكركم يقصر عما أوتيتم، وأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال. ولو كنا فيما ابتلينا به أهل كفر، كان عظيم ما تتابع علينا مستجلبا من الله رحمة يرفه بها عنا. ولكن الشأن غير ما تذهبون إليه أو كنتم تعرفوننا به، إن الله تبارك وتعالى بعث فينا رسولا – ثم ذكر مثل الكلام الأول – حتى انتهى إلى قوله: وإن احتجت إلينا أن نمنعك، فكن لنا عبدا تؤدي الجزية عن يد وأنت صاغر، وإلا فالسيف إن أبيت. فنخر نخرة، واستشاط غضباً، ثم حلف بالشمس: لا يرتفع لكم الصبح غداً حتى أقتلكم أجمعين.
فانصرف المُغيرة، وخلا رُستُم بأهل فارس يتألفهم، وقال: أين هؤلاء منكم؟ ما بعد هذا! ألم يأتكم الأوّلان فحسراكم واستحرجاكم، ثم جاءكم هذا فلم يختلفوا، وسلكوا طريقًا واحدًا، ولزموا أمرًا واحدًا. هؤلاء والله الرجال، صادقين كانوا أم كاذبين! والله لئن كان بلغ من إِربهم وصونهم لسِرّهم ألا يختلفوا، فما قوم أبلغ فيما أرادوا منهم. لئن كانوا صادقين ما يقوم لهؤلاء شيء! فلجوا وتجالدوا، وقال: والله إني لأعلم أنكم تصغون إلى ما أقول لكم، وأن هذا منكم رياء، فازدادوا لجاجة. 2
الشرح اللغوي
١- على غلوة: ’الغَلوَةُ‘ في الأصل هي المسافة التي يبلغها السهم إذا أطلق من القوس، ويستعمل هذا التعبير للدلالة على البُعد أو سعة المكان. ومعنى ’على غلوة‘ هنا أن أرض مجلس الملك كانت مفروشة بالبسط على مساحة واسعة.
٢- ترتروه: أي هَزُّوهُ بعنف.
٣- مَغَثُوهُ: أي دفعوه وجرجروه بعنف.
٤- المغازل: ’المِغْزَلُ‘ هو ما يُلَفُّ عليه الغزل، ويستعمل في إدارة الخيط عند الغزل. ولما كان مدبَّبًا يشبه الرُّمْحَ، فقد استعمل رُستُم هذا اللفظ على سبيل السخرية، مشبّها رماح العرب الصغيرة بالمغازل.
٥- استشاط: مشتق من ’شَاطَ‘، وهو يفيد معنى الطغيان وتجاوز الحدّ. وذكر بعض أهل اللغة أن اشتقاق كلمة ’الشيطان‘ من هذا الأصل أيضا. ومعنى ’استشاط‘ أي اشتدّ غضبه وثار.
الشرح والإيضاح
١- إن الهدف الحقيقي من تصرف المُغيرة بن شُعبة، الذي بدا غريبًا في الظاهر حين صعد وجلس مع رُستُم على سريره، كان استثارة ردّ فعل الفرس، ثم استثمار ذلك الرد ليبيّن لهم أنهم قسّموا مجتمعهم إلى سادة وعبيد، ووضعوا للسادة آدابًا مصطنعة ومتكلفة، مما أورث الطبقات الدنيا من قومهم شعورًا بالدونية. وبهذا تبنّوا نظامًا اجتماعيًا غير إنساني، لا يدل على قوة دولتهم، بل يكشف عن ضعفها الداخلي، وهو ما يؤذن بقرب زوال سلطانهم وانهيار ملكهم.
٢- كما بين المُغيرة بن شُعبة السنة الإلهية العامة الجارية في الكون فيما يتعلق بمنح الأمم السلطان والملك أو نزعهما منها، وأوضح كذلك الإرادة الإلهية الخاصة التي أراد الله تعالى تحقيقها في تلك المرحلة من خلال بعثة نبيه صلى الله عليه وسلم. ففي بيانه للسنة الكونية العامة، أوضح أن الله تعالى، بحكمته، يمنح بعض الأمم الملك والسلطان وما يتصل بهما من أسباب القوة والتمكين، ويبتلي أمما أخرى بالفقر والضيق وسوء الأحوال، غير أن هذا القضاء لا يكون دائما ولا أبديا لأي أمة. وأشار إلى أنه، وفقا لهذه السنة نفسها، كان من الممكن أن يشاء الله، بعد أن منح الفرس السلطان زمنا طويلا، أن ينزعه منهم، وأن يجعل العرب، بعد طول ما عانوه من البؤس والحرمان، أصحاب القوة والتمكين في الأرض. إلا أن القضية لم تكن مقصورة على هذه السنة الكونية، بل إن الله تعالى شاء أن يبعث رسولا في العرب لهداية الناس، وكلف المؤمنين به أن يبلغوا دعوة هذا الدين إلى سائر الأمم، وأن يزيلوا من سلطان الأرض كل من يرفض قبولها.
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا السياق التاريخي والمقصد من بعثته في حديث، فقال:
“عن عياض بن حمار المجاشعي، أن رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: ألا إن ربي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم مما علّمني يومي هذا، كل مال نحلتُه عبدًا حلال، وإني خلقتُ عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمتْ عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وإن اللّٰه نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك.” 3
٣- ويتبيّن من قول المُغيرة بن شُعبة: ’فكن لنا عبدًا تؤدي الجزية عن يد وأنت صاغر‘ حقيقة الجزية أيضا. فقد كانت الجزية في النظام السياسي السائد آنذاك تُعدّ رمزا للخضوع والتبعية السياسية، وكانت الأمم المغلوبة والمطيعة تؤديها إلى الأمم الأقوى والأعلى سلطانا، مقابل حمايتها من الحرب والاعتداء. ولذلك ثار رُستُم حين سمع ذكر الجزية، وأعلن إنهاء المفاوضات.
التخريج واختلاف الروايات
وقد روى الكلاعي هذا الحوار الذي دار بين رُستُم والمُغيرة بن شُعبة من طريق سيف بن عمر أيضا في كتابه،4 إلا أن كلا منهما اقتصر على نقل جزء من كلام المُغيرة بن شُعبة، وأحال في بقية الحديث إلى روايات أخرى، وهي التي سترد فيما بعد.
(يُتبع…)
- 1. باحث في مؤسسة “المورد” باكستان ومركز غامدي للتعلّم الإسلامي (GCIL) أمريكا ومدير برنامج الدراسات الإسلامية لمرحلة البكالوريوس في جامعة GIFT بـ كوجرانواله، باكستان.
- 2. تاريخ الطبري، ٣/ ٥١٨-٥٢٤.
- 3. مسلم، رقم ٧٣٨٦
- 4. الاكتفاء، ٢/٤٥٧-٤٦١