انتقل إلى المحتوى

الصلاة والسلام على خير الأنام ﷺ (أهميتها وفضائلها وفوائدها) (الحلقة الأولى)

بقلم: عثمان فاروق العربية

تمهـــيد

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد؛

تُعدّ الصلاة والسلام على النبي ﷺ من أجلِّ العبادات القلبية واللسانية وأعظم شعائر المحبة والوفاء لسيد الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين. فقد امتنّ الله تعالى على البشرية جمعاء ببعثة سيدنا محمد ﷺ، فجعله رحمة للعالمين، وهداية للسالكين، وسراجًا منيرًا أخرج الناس من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الإيمان والهُدى، وأقام به الحجة، وأحيا به القلوب، ووحّد به الأمة على صراط الحق والاستقامة. قال الله تعالى2:

﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

محبة النبي ﷺ من كمال الإيمان

ومن كمال الإيمان وصدق اليقين أن يستقرّ حُبّ النبي ﷺ في أعماق القلوب وأن يعلو على كل محبوب، فهو ﷺ أحقُّ الناس بالمحبة والتعظيم والإجلال، إذ كان سبب النجاة ومعلِّم الخير والهادي إلى سبيل الله. وقد بيّن النبي ﷺ أن حقيقة الإيمان لا تكتمل إلا بهذه المحبة الصادقة، فقال:

“فوالذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين”.3

النبي ﷺ أعظم النّاس إحسانًا إلى البشرية

وكيف لا يحبّه المؤمن وقد أغدق الله به على البشرية أعظم النعم وفتح برسالته أبواب الرحمة والهداية، وقد قِيل بحقّ:

((جُبِلت القلوب على حُبِّ من أحسن إليها))

فكيف بمن كان سببًا في هداية الخَلق وإنقاذهم من الضلالة وإرشادهم إلى طريق السعادة في الدنيا والآخرة؟

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في أهمية الصلاة والسلام على النبي بأسلوب بديع يُبيّن عظيم حق النبي ﷺ على أمته:

“والإنسان لو دلّه شخصٌ على طريق بلد من البلاد التي يقصدها لرأى له معروفًا عليه، فكيف بالنّبيّ ﷺ الذي دلّك على الطريق الموصل إلى الجنّة؟ فمن حقّه عليك أن تُصلّي عليه، عليه الصلاة والسلام”.4

كثرة ذكر المحبوب من علامات المحبة الصادقة

وما دام الحُبّ الصادق يسكن القلب فإن اللسان لا يفتر عن ذكر المحبوب، وقد قِيل: ((من أحبَّ شيئًا أكثر ذكره)) ولذلك يبقى المؤمن الصادق كثير الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، يلهج بذكره حبًّا وشوقًا وتعظيمًا. ومن أعظم ثمار هذه المحبة الصادقة كثرة الصّلاة والسّلام عليه ﷺ، امتثالًا لأمر الله تعالى واقتداءً بملائكته الكرام، قال سبحانه وتعالى5 :

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

فالصلاة عليه ﷺ ليست مجرد كلمات تُردَّد، بل هي عبادة جليلة تفيض نورًا وبركةً وسكينة، تُطهِّر القلوب وترفع الدرجات وتمحو السيّئات وتجلب الرحمة والطمأنينة وتُقرِّب العبد من نبيّه الكريم ﷺ في الدنيا والآخرة. وما أجمل أن يبقى لسان المؤمن رطبًا بالصلاة والسلام على النبي ﷺ فإن الأرواح تسمو بمحبته والقلوب تحيا بذكره ومن صدق في محبته رزقه الله اتباع سنته ونال شفاعته وحُشر تحت لوائه يوم القيامة.

والأحاديث المباركة في فضائل هذا الباب كثيرة جدا، لكن نظراً لضيق مساحة المجلة نقتصر هنا على ذكر حديث واحد فقط.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“رَغِمَ أنف رجل ذُكرتُ عنده فلم يصلّ عليّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة”.6

لقد شرّف الله تعالى هذه الأمة المباركة بأن أمرها بالصلاة والسلام على سيد الخلق وإمام المرسلين محمد ﷺ، فقال جلّ شأنه:

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

وما أعظمها من آية جمعت من التكريم والتشريف ما لم يجتمع لغيره ﷺ، إذ أخبر الله فيها أن صلاته وصلاة ملائكته تتنزل على هذا النبي الكريم، ثم دعا المؤمنين إلى أن يشاركوا في هذا الفضل العظيم بالصلاة والسلام عليه.

معنى ’الصلاة‘ و’السلام‘ على النبي ﷺ والفرق بينهما

وقد جاء الأمر بالصلاة والسلام كلٌّ منهما على حدة، إظهارًا لعظيم منزلتهما ورفيع شأنهما. فالصلاة على النبي ﷺ دعاءٌ له بمزيد الرفعة والكمال وعُلوِّ المنزلة عند ربه وهي في حقيقتها تعبير عن المحبة الصادقة والوفاء الجميل لمن أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور. وأما السلام فهو دعاءٌ له ﷺ بالسلامة والتعظيم واستحضار دائم لمقامه الشريف فيقول المؤمن بخشوع ومحبة: ’السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته‘. وكما جعل الإسلام ’السّلام‘ شعارًا للمودة والألفة بين المسلمين، فقد أمر الأمة أن تُهدي سلامها إلى نبيها الكريم ﷺ، اعترافًا بفضله ووفاءً بحقه وإظهارًا للمحبة والتوقير. وكيف لا تُكثر الأمة من الصلاة والسلام عليه وهو الرحمة المهداة والسراج المنير الذي بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة ونصح الأمة فكشف الله به الغمة وهدى به القلوب وأنار به البصائر؟

فضل الصلاة على النبي ﷺ وأهميتها عند العلماء الأجلّاء

قال الإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله (١٠٦٤-٩٩٤م):

‏”وفي الصلاة على النبي ﷺ فضلٌ عظيمٌ، لا يزهد فيه إلا محروم، وصحّ عن النبي ﷺ أنّ من صلّى عليه واحدة صلّى اللهُ عليه عشرًا”.7

يقول العلامة إسماعيل حقي البروسوي (ت. ١٧١٥م) في تفسيره8:

“قال كعب بن عجرة رضي الله عنه: لمّا نزل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾ قُمنا إليه فقلنا: أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد”.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله (٢٠٠١-١٩٢٩):

“من حقِّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن تكثر من الصّلاة والسّلام عليه، وهو ليس بحاجة إلى صلاتك وسلامك، لكنّك أنت بحاجة إلى أجر هذه الصّلاة والسّلام؛ لأنّك إذا صلّيتَ على الرسول صلى الله عليه وسلم مرة واحدة، صلّى الله عليك بها عشراً”.9

يقول الشيخ أمين أحسن الإصلاحي رحمه الله (١٩٩٧-١٩٠٤) في الفوائد المستنبطة من تفسير قوله تعالى في سورة الأحزاب، رقم الآية ٥٦ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ…﴾ :

“أولها: أنّ نبيًّا هذه منزلته عند الله وملائكته، حيث تتنزّل عليه رحمات الله وتتعاقب عليه دعوات الملائكة، لحقيق بأن يُصان جنابه عن كل أذى وبؤسًا لقوم آذوه، مع أن أعظم الإحسان إنما عاد منه على الناس، لا على الله ولا على ملائكته.

وثانيها: أنّ الذين يرسلون الصّلاة والسّلام على النّبيّ صلى الله عليه وسلم لا يمنّون بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما ينضمون إلى موكب السماء، فيوافقون الله وملائكته، فيستوجبون لأنفسهم الرحمة والفضل. أمّا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أحاطته رحمة الله واكتنفته دعوات الملائكة، فليس بمحتاج إلى دعاء أحد من الخَلق.

وثالثها: أنّ الصّلاة والسّلام على النبي صلى الله عليه وسلم دواء لداء النِّفاق؛ لأنّ المقام الذي ورد فيه هذا التوجيه جاء في مقابلة إيذاء المنافقين للنّبيّ، فكأن المؤمنين أُمروا أن يجعلوا مكان الأذى صلاةً وسلامًا. ومن هنا يتبيّن أن القلوب العامرة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لا يجد النِّفاق إليها سبيلًا.

ورابعها: أنّ المقصود الإكثار من الصّلاة والسّلام، فالسِّياق يشهد له والمقام يدلّ عليه وألفاظ الآية تؤكّده، إذ جاء قوله تعالى ’وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا‘ بصيغة تحمل معنى التوكيد والتكثير”.10

يقول العلامة سيد محمد الطنطاوي رحمه الله (٢٠١٠-١٩٢٨) في تفسيره11:

“يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ أي: عظّموه ووقّروه وادعوا له بأرفع الدرجات وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً أي: وقولوا: السلام عليك أيها النبي. والسلام: مصدر بمعنى السلامة.”

(للحديث صلة…)

  1. 1. وممّا ينبغي التصريح به أنّ هذا الموضوع الجليل قد حظي بعناية فائقة من العلماء والباحثين قديمًا وحديثًا، فأُلّفت فيه المصنّفات المطوّلة، ووُضعت الرسائل المختصرة، واستُقصيت مسائله من جوانبها المختلفة. ومن ثمّ، فإنّ هذا المقال لا يدّعي سبقًا علميًّا، ولا يزعم الإتيان بجديد في بابه، وإنما هو خلاصة منتخبة مستفادة من تلك الجهود العلمية المباركة، وقصده التذكير بفضائل الصلاة والسلام على خير الأنام ﷺ، وبيان أهميتها وآثارها الإيمانية والتربوية في حياتنا، والله وليّ التوفيق. ولمن أراد التوسّع والاستزادة في هذا الباب، فعليه بكتاب: "الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أحكامها ـ فضائلها ـ فوائدها" للإمام المحدّث المفسّر الشيخ عبد الله سراج الدين الحسيني الحلبي (١٩٢٤-٢٠٠٢م) من علماء سوريا الأعلام، فهو من أنفس ما كُتب في هذا الموضوع، إذ جمع مؤلّفه فيه بين التحقيق العلمي والاستدلال الشرعي والرّوح الإيمانية المؤثّرة.

    ولا يفوتني هنا أن أتقدّم بجزيل الشكر وعظيم الامتنان إلى أخي الكريم الشاعر السوري الكبير الأستاذ عمر محمود ضوبع، الذي أهداني هذا الكتاب الفريد.

  2. 2. آل عمران: ١٦٤.
  3. 3. صحيح البخاري في "كتاب الإيمان"، باب "حُبّ الرسول ﷺ من الإيمان"، رقم الحديث: ١٥، وصحيح مسلم، رقم الحديث: ٤٤
  4. 4. فتاوى نور على الدرب، ١٢/٢١٠
  5. 5. الأحزاب: ٥٦
  6. 6. سنن الترمذي، رقم الحديث: ٣٥٤٥
  7. 7. المحلّى، ٤/٣٥٩
  8. 8. روح البيان، ٧/٢٢٥
  9. 9. شرح رياض الصالحين، ٥/١٧٥
  10. 10. تدبّر القرآن، ٦/ ٢٦٧
  11. 11. 10 التفسير الوسيط، ١١/٢٤٢