انتقل إلى المحتوى

الوقوف على العتبة (الدَّهليز) المدرسة بين التوارث والمساءلة

البروفيسور الأستاذ إبراهيم موسى* نقله إلى العربية من الانجليزية: د.محمد غطريف شهباز الندوي العربية

(الحلقة الثانية)

تكليفٌ لم أكن أتوقعه

أثناء إجرائي أبحاثًا لكتابي عن المدرسة الدينية، جرت بيني وبين أحد العلماء محادثة غير مألوفة غيّرت مسار رحلتي الفكرية خلال العقدين الماضيين. ففي عام 2005، عندما زرت مكتب المولانا أمين العثماني (ت 1442هـ/2020م) بدلهي، الذي كان يشغل آنذاك منصب الأمين العام لـ مجمع الفقه الإسلامي بالهند، أكّد لي بإلحاح أن رحلتي الفكرية الخاصة تُحمّلني مسؤولية العمل على تمكين الجيل الناشئ من علماء الشريعة من امتلاك ثقافة فكرية واسعة وعميقة ومتعددة الأبعاد. استمعت إليه، ثم أجبت بابتسامة مهذبة، كانت تُخفي في الحقيقة شكوكي بشأن إمكانية إنجاز مثل هذه المهمة.

كنا ننتمي إلى المؤسسة التعليمية نفسها؛ إذ تخرجنا من دار العلوم ندوة العلماء في مدينة لكناؤ، التي تأسست عام 1898. ولم يكتفِ العثماني بذلك اللقاء، بل ظل على مدى سنوات يراسلني أولًا بالرسائل الورقية، ثم بالبريد الإلكتروني، يحثني على التفكير الجاد في هذه المسؤولية تجاه الفكر الإسلامي، والتراث، والاحتياجات الفكرية لجيل جديد من العلماء. وكان يتمتع ببصيرة نافذة مكّنته من استشراف احتياجات المجتمع، حتى بدا في كثير من الأحيان كأنه صوت ينادي في البرية بين أقرانه الأكثر محافظة.

أما أنا، فقد بدا لي آنذاك أن مثل هذا المشروع يكاد يكون مستحيلًا في بيئة أكاديمية كجامعة ديوك.

غير أن انتقالي لاحقًا إلى جامعة نوتريدام، حيث تُناقش قضايا الدين واللاهوت بصورة منفتحة وعبرمختلف التخصصات، جعل المشروع يبدو ممكنًا. ثم جاء حصولي على منحة ناجحة من مؤسسة جون تمبلتون، المتخصصة في دعم الأبحاث المتعلقة بالدين والعلم، ليتيح إطلاق مبادرة جديدة حملت إسم

(Madrasa Discourses) »حوارات المدرسة « 1

وعلى مدى خمس سنوات، انخرط بها مئاتٌ من خريجي المدارس الدينية الجدد في الهند وباكستان في حوارات علمية مستمرة تناولت العلوم الطبيعية، واللاهوت الإسلامي، والتاريخ، والنقاشات الداخلية في التراث الفكري الإسلامي. وقد نوقشت بإسهاب موضوعات مثل طبيعة السلطة المعرفية، وأهمية تبني تقاليد تفسيرية مركبة، وضرورة امتلاك العالم المسلم ثقافة معرفية شاملة تؤهله للنهوض برسالته الفكرية.

جمع البرنامج بين ندوات إلكترونية عُقدت باللغات الأردية والإنجليزية والعربية، وبين لقاءات حضورية مكثفة، استغرقت سبعة أيام في الدوحة وأسبوعين في النيبال. وقد أبدت كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة في قطر اهتمامًا باستضافة هذه اللقاءات في إطار برامجها للتواصل العالمي، بينما كانت النيبال المكان الأنسب لاجتماع الطلاب القادمين من ثلاث دول تجمع بينها خصومات سياسية حادة، دون أن تعوقهم القيود شبه المستحيلة المتعلقة بالحصول على التأشيرات.

وقد اقتضى هذا المشروع إعادة قراءة النصوص الأساسية للمناهج التقليدية في جنوب آسيا، المعروفة باسم “درس نظامي”، الذي وضع أسسه الملا نظام الدين الأنصاري (ت 1161هـ/1748م)، مؤسس مدرسة فرنكي محل في التعليم الديني، ولكن هذه المرة من خلال أسئلة أكثر عمقًا ورؤى أكثر نقدًا. فقد شكّل هذا المنهج، على امتداد ما يقرب من ثلاثة قرون مع ما أُدخل عليه من تعديلات، البنية الأساسية التي قامت عليها مساحات واسعة من الفقه الإسلامي، وعلم الكلام، والعلوم المساندة في شبه القارة الهندية.

والعمل الذي كنتُ رائدًا فيه في برنامج “حوارات المدارس الدينية”

قد كاد ليصبح أكثر الأعمال إرضاءً وتأثيرًا في حياتي العلمية.2 وقد قدّم البرنامج للمشاركين منهجًا متكاملًا في دراسة علم الكلام الإسلامي، من خلال قراءته في سياقه التاريخي واستجلاء صلته بالقضايا الفكرية المعاصرة. كما تناول عددًا من العلوم الطبيعية، فزوّد المشاركين بمعرفة تأسيسية في الفيزياء الفلكية وعلوم الحياة، وناقش باللغة الأردية الجدل الدائر حول نظرية التطور والخلق، وهي موضوعات لم يكن معظم خريجي المدارس الدينية قد تلقوا فيها تعليمًا منهجيًا من قبل.

وأصبحت هذه اللقاءات تمثل ذروة رحلتي العلمية والروحية. غير أن حماسة بعض المشاركين إلى الإعلان عن المهارات والمعارف الجديدة التي اكتسبوها أثارت غضب بعض أقرانهم وشكوكهم، ولا سيما أن المشروع كان مقره في الولايات المتحدة، وكان ممولًا من مؤسسة غربية، ويستضيفه أيضًا صرحٌ أكاديمي كاثوليكي! وهكذا بدا للبعض أن نظرية المؤامرة قد اكتملت أركانها؛ إذ استحضرت أذهان بعض المنتقدين تاريخ الحملات الصليبية والجهود التبشيرية الاستعمارية لتحويل المسلمين عن دينهم.

وعلى النقيض من ذلك، فإن الجلسات العامة المفتوحة، التي عُقدت في الهند وباكستان وشهدت حضورًا واسعًا، لم تُقابل بمثل هذه الاتهامات، بل حضرها عدد من الشخصيات البارزة المنتمية إلى المدرستين الديوبندية والسلفية، وأعربوا عن دعمهم لهذه الجهود، وشجعوا على استمرارها.

وللتوضيح، فإن كثيرًا من قادة المدارس الدينية، وقد أصبحوا أكثر ميلًا إلى الانغلاق والدفاع عن نفوذهم العالمي المتنامي، يدّعون احتكارًا شبه مطلق للتفسير «الأصيل» للإسلام، وهو ادعاء يخفي وراءه نزعة دفاعية خانقة. فهم ينظرون إلى أكثر المحاولات إخلاصًا لتجديد المناهج بعين الريبة والاستهزاء معًا.

وقد أدى هذا الموقف المؤسف إلى تجميد تقليد فكري كان يومًا ما نابضًا بالحياة داخل المدرسة الدينية، وهو ما أوضحته بالتفصيل في كتابي:

»ما هي المدرسة؟«

كما أن موجة الانتقادات، التي تراوحت بين التشهير ونظريات المؤامرة، والصادرة عن بعض الأوساط العلمية وغيرها ممن نصبوا أنفسهم حُراسًا لحدود «التراث»، انتشرت عبر الإنترنت، وفي الأحاديث الجانبية، وفي الخطب العامة. لكنها، في نهاية المطاف، لم تفعل سوى تأكيد المشكلة الأساسية التي كنت قد شخصتها من قبل؛ وهي وجود ذهنية رقابية جامدة تخلط بين الوفاء للتراث وبين الولاء الأعمى للتقليدية. 3

وفي نظر كثيرين داخل عالم المدارس الدينية، ينقسم العالم إلى «داخل» يمثل مجال السيطرة والصفاء، و«خارج» ساقط وفاسد ينبغي مقاومته بوصفه عالمًا ماديًا ملوثًا. وهذه اللغة، على الرغم من شيوعها، ليست في حقيقتها سوى تعبير خشن عمّا وصفه عالم الأنثروبولوجيا طلال أسد بـ«التوترات التجريبية الحياتية».4 فقد نبّه أسد إلى أن التقليد الخطابي، كالتقليد الإسلامي، ليس «فقاعة مغلقة يعيش المرء داخلها»، بل هو منظومة من الطموحات، والأحاسيس، والالتزامات، والعلاقات التي تجمع أشخاصًا يتحركون في الأزمنة المختلفة ضمن عالم واحد مشترك.5

ومن خلال تجربتي، أستطيع القول إن قلة قليلة فقط من قيادات المدارس الدينية تستوعب حقيقة هذه الطبقات المتراكبة من التاريخ. أما بالنسبة إلى معظمهم، فقد غدت المدرسة الدينية أشبه بـ«يوتوبيا مضادة»، أو ما يسميه ميشيل فوكو

«الهيتيروتوبيا»؛ أي فضاءً يُراد له أن ينازع منطق العالم المشترك ويقاومه

وقد تؤدي هذه المؤسسات أحيانًا دور الحصون التي تتصدى لتغلغل الدولة القومية.6 ورغم أن هذه المقاومة قد تجد ما يبررها في مواجهة الضغوط الإمبريالية أو النزعات القومية العمياء، فإنها تنتهي في النهاية إلى تضييق وظيفة التعليم نفسه؛ إذ تتراجع المدرسة عن رسالتها في بناء الوعي العام، وإكساب الإنسان المهارات اللازمة للحياة الكريمة المستدامة، لتكتفي بحصر رسالتها في تصور ضيق لطرق النجاة الأخروية.

والحال أن الحضارة الإسلامية في عصورها الزاهرة لم تكن تعرف هذا الفصل؛ فقد كان اكتساب المهارات الدنيوية جزءًا أصيلًا من الرسالة الدينية، ولم يُنظر إليه بوصفه تنازلًا عن المقدس، بل باعتباره امتدادًا له، يضمن ألا تنفصل غاية النجاة الأخروية عن ازدهار المجتمع وعمارة الحياة في الدنيا.

أما الشكوك التي أحاطوا بها مشروعنا، واتهاماتهم له بالتلوث والمؤامرة، وإصرارهم على أن المعرفة الجديرة بالاعتبار لا بد أن تنتمي إلى أنساب معرفية محددة، فلم تكن في حقيقتها حججًا علمية مضادة، بل كانت أعراضًا واضحة لقصور عميق في تكوين العلماء التقليديين وفي المؤسسات التي تلقيت فيها تعليمي قبل عقود.

وأمام هذه الوصاية الفكرية الضيقة، وجدت عزائي في كلمات المتصوف الشهيد منصور الحلاج (ت 309هـ/922م)، الذي ظل، حتى في أشد لحظات محنته، متوجهًا إلى الله وحده، مستشهدا بقول الشاعر بشار بن برد:

إذا نِلتُ مِنكَ الوُدَّ فالكُلُّ هيِّنٌ

وكلُّ الذي فوق الترابِ تُرابُ

لم يكن مشروع »حوارات المدرسة «في حاجة إلى دفاعات نظرية مطولة؛ فقد كانت التجربة نفسها، عامًا بعد عام، أبلغ من أي ردٍّ يمكن أن يُكتب. ولسبب لا أستطيع تفسيره تمامًا، كانت تلك اللقاءات مشحونة بطاقة وجدانية استثنائية، ليس بالنسبة إليّ وحدي، بل أيضًا لزملائي الذين شاركوني هذا المشروع.

لقد كنا نستمد قوتنا من تصور للعلاقة الإنسانية يرى أن الذات لا تتشكل إلا في إطار المشاركة الفكرية والكفاح المشترك؛ فـ«الأنا» ليست جوهرًا مستقلًا ومنغلقًا، بل كيانًا يتكون عبر خيوط الجماعة وروابطها. ومن هذا المنظور، لم تكن الهوية ملكيةً فردية تُحرس وتُصان، بل نسيجًا حيًا يُنسج من الخبز المشترك حول مائدة الحوار، ومن الامتداد التاريخي للتقليد العلمي.

وكان يجمعنا عمل يمس أعمق مستويات الوجود: الحياة، والإيمان، والعلم، والتزكية الأخلاقية، والسعي الحثيث إلى النجاة. وفي تلك المجالس وجدت صدى أكثر نضجًا للمثالية التي حملتها في شبابي، لكنها أصبحت الآن أكثر اتساعًا بفضل انفتاحها على آفاق المعرفة الإنسانية، وأكثر رسوخًا من خلال انخراطها الحر في التقاليد الفكرية العالمية.

لقد كانت هنا تلك الجماعة، التي ضمت في كل دورة ما بين خمسين وستين مشاركًا من أجيال مختلفة، موحدةً في روحها، وتحركها إرادة صلبة لتجاوز الجمود والدفاعية اللذين أصبحا السمة الغالبة عند منتقدينا. ولم يكن هدفنا أن نحفظ التراث عبر تجميده، بل أن نصونه بإحيائه من خلال الحوار الحي، والجدل المنتج، والانفتاح على أوسع طيف ممكن من الرؤى والأفكار.

في قاعات الندوات التابعة لبرنامج «مدارسات وحوارات المدارس»، تلاشت، ولو مؤقتًا، الحدود التي مزقت جغرافيا شبه القارة الهندية.

فقد جلس علماء ينتمون إلى المدارس الديوبندية والبريلوية والسلفية، وهي مدارس كثيرًا ما تُنتج في واقعها خصومات حادة وتبادلًا متساهلًا لأحكام التكفير، إلى مائدة واحدة للحوار والبحث. وكان مشهد علماء السنة والشيعة وهم ينخرطون في تحقيق علمي مشترك، إلى جانب نساء ورجال يمارسون آداب الإسلام مع قدرٍ رفيع من الانضباط الفكري، كافيًا لأن يراه خصومنا مؤامرةً مكتملة الأركان. أما الحقيقة، فلم تكن سوى محاولة لتقويض الأمراض الطائفية والجندرية التي باتت تتغلغل في ما يمكن تسميته بـ”المجمّع الصناعي للمدارس الدينية”.

لقد كان هدفنا أن نكون شركاء حقيقيين في المشروع المعرفي للمدرسة الدينية، وذلك من خلال ترسيخ الفضائل المعرفية؛ كالأمانة الفكرية، والرسوخ العلمي، وهما فضيلتان متجذرتان في خير ما ورثناه من تراثنا، غير أنهما أصبحتا – للأسف – من النوادر في كثير من تجليات وإظهارات هذا التراث في عصرنا الحديث.7

وهنا تتجلى حقيقة أعمق تمنح تجربتنا مزيدًا من المشروعية. فقد واجه أبو حامد الغزالي قبل قرون يقظةً ارتيابية مشابهة من حُراس التقليد المحافظين في عصره. وفي كتابه العظيم في بيان حدود العقيدة، خاطب منتقديه بسخرية لاذعة، قائلًا كلمات تستحق أن تُكتب بماء الذهب، وتُعلَّق في كل مؤسسة علمية، وتُنقش في قلب كل طالب علم جاد:

“واستَحقِر مَن لا يُحسَد ولا يُقذَف، واستَصغِر مَن بالكُفر والضَّلال لا يُعرَف” 8

لقد كان منتقدونا، تحت وطأة عقلية الحصار، يرون في مشروعنا امتدادًا لمؤامرة غربية تستهدف تقويض المدرسة الدينية. ولا أنكر أن مثل هذا الارتياب يجد ما يبرره في سوابق التاريخ الاستعماري. لكن المفارقة أنهم، بدافع الخوف، تبنّوا – من حيث لا يشعرون – المنطق ذاته الذي رسخه المستعمِر؛ وهو الاعتقاد بأن المعرفة ضربٌ من الإفساد، وأن الوفاء للدين لا يتحقق إلا بإغلاق أبواب المعرفة والانكفاء داخل حدود مغلقة.

لقد حوّلوا المدرسة الدينية إلى حصنٍ منيع، وغاب عنهم أن هذا التراث يمتلك من القوة والمرونة ما يؤهله للتفاعل مع مختلف ميادين المعرفة الإنسانية دون أن يفقد ثوابته أو ينقطع عن أصوله. وإن الامتناع عن هذا التفاعل ليس لونًا من الحماية، بل هو بترٌ روحي وعقلي، يُفقد التراث الذي يحرصون على صيانته صلته بالتاريخ، ويجعله عاجزًا عن مخاطبة الجيل الذي وُجد من أجله.

(للحديث صلة…)

  1. 1. See templeton.org; visit the website of Madrasa Discourses to sample the resources and curricula devised: madrasadiscourses.nd.edu.
  2. 2. Ebrahim Moosa and Joshua Lupo, eds., Engaging the Madrasa: Education and Islamic Thought in a Changing World, Contending Modernities (University of Notre Dame Press, 2026).
  3. 3. See the websites in Urdu where these allegations were made: tinyurl.com, tinyurl.com, tinyurl.com, tinyurl.com, tinyurl.com.
  4. 4. Basit Kareem Iqbal, “Thinking About Method: A Conversation with Talal Asad,” Qui Parle 26, no. 1 (2017): 195–218, 200.
  5. 5. Iqbal, “Thinking About Method,” 200.
  6. 6. Michel Foucault, “Of Other Spaces,” trans. Jay Miskowiec, Diacritics 16, no. 1 (1986): 22–27. See Moosa, What Is a Madrasa?, 200.
  7. 7. See Ebrahim Moosa and Joshua Lupo, eds., “Introduction,” in Engaging the Madrasa: Education and Islamic Thought in a Changing World (Notre Dame University Press, 2026), 4–9.
  8. 8. Muḥammad ibn Muḥammad Abū Ḥāmid al-Ghazālī, Fayṣal al-tafriqa bayn al-Islām wa-l-zandaqa (N.p., 1413/1993), 14.