وجاء أيضافي ذلك مايأتي:
حدثنا عبد اللّٰه حدثني أبي ثنا عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة عن أنس قال : جمع القرآن علی عهد رسول اللّٰه أربعة نفر كلهم من الأنصار أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد.(157)
أول هذه الروايات التي تشتمل على الخلفية القصصية أخرجها أبو يعلى الموصلي في مسنده. أما الرواية الثانية فقد وردت في مسند أحمد بن حنبل برواية ابنه عبد الله بن أحمد بن حنبل. ومن ثمّ يبدو أن نصوص الرواية المروية عن سعيد بن أبي عروبة، سواء المشتملة على تفاصيل الخلفية أو الخالية منها، كانت متداولة بين مؤلفي دواوين الحديث المعاصرين لهم، وقد دوّنوها في مصنفاتهم.
ويمثل المخطط الجزئي الآتي بصورة إجمالية اختلافات الروايات المنقولة عن عبد الوهاب بن عطاء، تلميذ سعيد بن أبي عروبة. وجميع هذه الروايات. باستثناء الرواية التي أخرجها الإمام أحمد في المسند ـ تشتمل على تلك التفاصيل الخلفية.
ومن الواضح أن الروايات المتضمنة لهذه التفاصيل الخلفية قد نُقلت عن عبد الوهاب بن عطاء؛ إذ إن ست روايات تروي هذه التفاصيل عنه. أما بالنسبة للرواية الواردة في مسند أحمد، فهناك احتمالان:
أن يكون الإمام أحمد بن حنبل قد اختصر الرواية، وهو أمر معروف ومألوف عند المحدثين.
أو أن عبد الوهاب بن عطاء روى هذه الحادثة مرتين: فحدث بها الإمام أحمد بصيغتها المختصرة، وحدث بها غيره بصيغتها الكاملة المشتملة على جميع التفاصيل. (158)
أنس بن مالك وعنه قتادة ومنه سعيد بن أبي عروبة وعنه عبد الوهاب بن عطاء.
ويروي عن عبد الوهاب أحمد بن حنبل.
ومنه ابنه عبد الله بن أحمد بن حنبل (ت 290هـ) وعنه محمد بن عبد الله العرزي وعنه يحيى بن أبي طالب وعنه يحىي بن معين ومنه يحيى بن سعيد وعنه إبراهيم بن يعقوب الصغاني ومنه أبويعلى الموصلى:
ويمكن هنا أيضًا تحليل الكيفية التي ذُكرت بها هذه المناظرة بين الأوس والخزرج في بعض كتب التفسير. فقد أورد الطبري هذه الحادثة بالنص الآتي:
قال مقاتل بن حيان كان بين الأوس والخزرج في الجاهلية وصال حتی هاجر النبي صلی اللّٰه عليه وسلم إلی المدينة، فأصلح بينهم فافتخر بعد ذلك منهم رجلان ثعلبة بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج فقال الأوسي منّاخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ومنّا حنظلة غسيل الملائكة ومنّا عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدبر ومنّا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمة له ورضی اللّٰه بحكمه في بني قريظة .وقال الخزرجي منّا أربعة أحكموا القرآن أُبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد .ومنّا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم فجرى الكلام بينهما فغضبا فقال الخزرجي:
أما و اللّٰه لو تأخر الإسلام قليلا وقدوم النبي صلی اللّٰه عليه وسلم لقتلنا ساداتكم واستعبدنا آبائكم ونكحنا نسائكم بغير مهر فقال الأوسي: قد كان الإسلام متأخرا زمانا طويلا فهلا فعلتم ذلك فقد ضربناكم حتی أدخلناكم الديار، وأنشدا الأشعار وتفاخرا وتأذيا فجاء الأوس إلی الأوسي والخزرج إلی الخزرجي ومعهم سلاح فبلغ ذلك رسول اللّٰه صلی اللّٰه عليه وسلم فركب حمارا وأتاهم فأنزل اللّٰه تعالی هذه الآية: ياأيها الَّذِیۡنَ اٰمَنُوا اتَّقُوا اللّٰہَ حَقَّ تُقتِہٖ الآيات فقرأها عليهم فاصطلحوا .(159)
تُثار عدة إشكالات حول هذه الرواية، منها:
1- يتضح من هذه الرواية أن الحادثة وقعت في حياة النبي ﷺ، (160) وهي رواية بلا إسناد، كما أنها تخالف الروايات الأصح الواردة في كتب الحديث، والتي تفيد بأن هذه الحادثة وقعت بعد وفاة النبي ﷺ. (161)
2- إن تفسير ابن جريرالطبري وهو موسوعة حافلة بروايات أسباب النزول -المسندة، يذكر هذه الحادثة سببًا لنزول الآية (102) من سورة آل عمران.
3- لا تتوافر لدينا معلومات عن ثعلبة بن غنم. وقد ذكره مقاتل بن سليمان في تفسيره باسم ثعلبة بن غنيمة/غُنيمة، غير أنه – بحسب ما أعلم – لا يُعرف في المصادر التاريخية شخص بهذا الاسم.
كما أن ذكر اسم أسعد بن زرارة هنا يثير إشكالًا؛ إذ تفيد المصادر بأنه توفي سنة 1 هـ. (162)
وبناءً على هذه الاعتبارات، يبدو أن الاعتماد على الرواية الواردة في كتب الحديث أولى، مع إهمال هذه الرواية المذكورة في بعض كتب التفسير.
ب. تحليل النقد الموجَّه إلى الإسناد
وجَّه العمادي(163) نقدًا إلى أسانيد الروايات الواردة في الجامع الصحيح للإمام البخاري (وقد سبق إيراد الروايتين تحت النصوص التمثيلية).
ففي نقده للرواية الأولى، يقول إن في سندها رجلين مطعونًا فيهما:
همام بن يحيى.
قتادة بن دعامة.
ويذكر العمادي أن علماء الحديث وإن كانوا قد عدّوا همام بن يحيى من الثقات، إلا أنه كان سيئ الحفظ. ولهذا السبب – بحسب العمادي – كان يحيى بن سعيد القطان لا يروي عنه. (164) كما نقل عن ابن سعد (165) قوله إنه كان يخطئ أحيانًا في الحديث : (ربما غلط في الحديث)
كما أن أبا بكر الأبرويجي(167) عدَّه ممن (166)(في حفظه شيء): وذكر أيضًا أن أبا حاتم أشار إلى ضعف في حفظه بقوله . (لا يُحتج به)
أما في تعليقه على قتادة بن دعامة، فيشير العمادي إلى أنه مشهور بالتدليس(168) والإرسال،(169) كما أنه كان يقول بمذهب القدر(170)
وفي نقده لسند الرواية الثانية، أشار إلى الراوي المطعون فيه عبد الله بن المثنى، إذ وُصف بأنه منكرالحديث وضعيف الحديث. (171)
الهوامش
157- أحمد بن حنبل، المسند، ج 3، ص 233، رقم:13466)
158- ويُلاحظ أن من الرواة الذين رووا هذا الخبر عن قتادة، غير سعيد بن أبي عروبة هم: شعبة بن الحجاج انظر على سبيل المثال البخاري، الجامع الصحيح، ج 3، ص 1386 رقم 3599)، و همّام بن يحيى انظر على سبيل المثال مسلم، الجامع الصحيح، ج 4، ص 1914، رقم 2465) ومعمربن راشد انظر ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 2، ص 356) والحجاج بن الحجاج، انظر (ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج 58، ص 397)
غير أن سعيد بن أبي عروبة هو الوحيد الذي روى هذه الرواية مشتملةً على التفاصيل والملابسات الخلفية للحدث، بينما لم يذكرها سائر الرواة. والأغلب أن بعض الرواة في تلك الأسانيد قد اختصر الرواية فحذف هذه التفاصيل.
كما يُلاحظ أن أئمة النقد والجرح والتعديل، مثل يحيى بن معين، كانوا يعدّون سعيد بن أبي. (أثبت الناس في قتادة عروبة من أوثق الناس روايةً عن قتادة.)
159- أبو الحجاج يوسف بن الزكي المِزّي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال، ط1، ج 11 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1980م)، ص 9.
160- الثعلبي، الكشف والبيان، ج 3، ص 160-161. وقد ذكر أبو الفرج محمد بن عبد ربه أنه في هذه المرحلة قدّم الخزرجيون أيضًا اسم الشاعر حسان بن ثابت، الذي كانوا يرون أنه يتلقى إلهامات شعرية. انظر: محمد بن عبد ربه، العقد الفريد، ط3، ج3 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1999م)، ص 294-295. كما رُويت هذه الحادثة بتفاصيل متقاربة جدًا في تفسير مبكر جدًا، وإن كان محلَّ نظر من جهة الاعتماد، وهو تفسير مقاتل بن سليمان. انظر: مقاتل بن سليمان، التفسير، ط1، ج1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 2003م)، ص 184-186. كما لخّص البغوي هذه الحادثة في تفسيره الذي يُعد في الأصل مختصرًا لتفسير الثعلبي. انظر: الحسين بن مسعود البغوي، التفسير، ج1 (بيروت: دار المعرفة، د.ت.)، ص 332. أما التفسير المنسوب إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فقد أشار إلى هذه الواقعة إشارةً موجزة دون تفاصيل، وذكر فقط أن سعد بن أبي زيادة وثعلبة بن غنم كانا يتفاخران بقبيلتيهما، ثم تفاقم الأمر حتى اندلع قتال كبير بين الفريقين. انظر: أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، تنوير المقباس من تفسير ابن عباس (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.)، ص 53.
161- أورد ابن الجوزي هذه الرواية ضمن الأحداث التي وقعت قبيل الهجرة مباشرة. انظر: ابن الجوزي، المنتظم، ج3، ص 39
تُنسب هذه الرواية إلى مقاتل بن حيان، الذي وصفه الذهبي بأنه من علماء خراسان، وكان معاصرًا لمقاتل بن سليمان. انظر: أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي، تذكرة الحفاظ، ط1، ج1 (بيروت: دار الكتب العلمية، د.ت.)، ص 174
162- انظر على سبيل المثال: ابن عبد البر، الاستيعاب، ج1، ص 81؛ وأبو عمر خليفة بن خياط الليثي، التاريخ، ط1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1995م)، ص 56. ولعل المقصود هنا ـ كما ورد في تفسير مقاتل بن سليمان ـ هو سعد بن زرارة أخو المذكور. ومن جهة أخرى، وكما أُشير سابقًا، فإن التفسير المنسوب إلى ابن عباس رضي الله عنهما يذكر اسم سعد بن أبي زيادة، انظر: الفيروزآبادي، تنوير المقباس، ص35.
163- العمادي، جمع القرآن، ص 169-170. إلا أن العبارة الدقيقة هي أن يحيى لم يكن راضياً عن حفظه.
164- أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ط1، ج7 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1995م)، ص92.
165- ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج7، ص282
166- عبد الرحمن بن أبي حاتم، الجرح والتعديل، ط1، ج9 (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1952م)، ص108
167- لم أتمكن من العثور على ترجمة لهذا الشخص
168- أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، طبقات المدلسين، ط1 (عمّان: مكتبة المنار، 1983م)، ص43
169- أبو سعيد بن خليل العلائي، جامع التحصيل في أحكام المراسيل، ط2 (بيروت: عالم الكتب، 1986م)، ص255-256
170- الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج1، ص124
171- الذهبي، ميزان الاعتدال، ج4، ص193
(يُتبع…)