(12)
إن تحليل الشيخ العمادي لا يأخذ جميع الروايات المختلفة بعين الاعتبار، إذ اقتصر على ما ورد في صحيح البخاري فقط. ومع ذلك، فقد أغفل حتى فيه الرواية الآتية، وهي أيضًا مما أورده البخاري، قال:
حدثني محمد بن بشار حدثنا يحيی حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس رضي اللّٰه عنه جمع القرآن علی عهد النبي أربعة كلهم من الأنصار أبي ومعاذ بن جبل وأبو زيد وزيد بن ثابت قلت لأنس من أبو زيد قال أحد عمومتي.1
في الرواية التي أشار إليها العمادي، وجَّه نقده إلى تدليس قتادة. غير أننا لا نجد فيها عنعنة قتادة، بل الوارد فيها هو: سألت أنسًا.2 ومن ثم فإن هذا الجانب من نقده لهذه الرواية لا يبدو وجيهًا. أما نقده لهمام بن يحيى فيبقى قائمًا.
ويلاحظ أيضًا أن الرواية التي أغفلها العمادي في صحيح البخاري ينطبق عليها نقده لقتادة؛ إذ إن عنعنة قتادة واردة في جميع طرقها. غير أن هذا الاعتراض يفقد أهميته إذا أُخذ في الاعتبار أن قتادة قد صرّح في بعض الروايات الأخرى بالسماع3 فقال: سمعت أنسًا.
وبناءً على ذلك، يضعف نقد العمادي للبنية العامة لهذه الروايات؛ لأنه لم يستوعب جميع الروايات ذات الصلة عند توجيه نقده.
ويجدر التنبيه في هذا السياق إلى أن جميع الروايات التي تنص صراحة على حصر عدد الجامعين في أربعة، يرد في أسانيدها عبد الله بن المثنى. ويوضح الرسم التخطيطي الآتي جميع هذه الطرق.4
ثمامة بن عبد الله بن أنس
ثابت البناني
عبد الله بن المثنى
المعلى بن أسد
البخاري وعنه
يعقوب بن إسحاق و
محمد بن يوسف وعنه
محمد بن يعقوب ومنه الطبراني وعن البخاري محمد بن يوسف وعنه
أبو محمد بن المثنى و
محمد بن عمروعنهما
أبو عثمان سعيد بن أحمد و
أبو سهل محمد ابن علي وعنه أبو عبد الله محمد ابن الفضل وعنه ابن عساكر
لقد سبق أن بُيِّن أن عبد الله بن المثنى يُعدُّ ضعيف الحديث ومنكر الحديث.5
وقد أورد شمس الدين الذهبي مزيدًا من أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه، فقال:6
إن أبو داود الطيالسي يقول: لا أُخرِّج حديثه، أي لا أروي حديث عبد الله بن المثنى في كتبي.
وقال زكريا الساجي: فيه ضعف، وليس من أصحاب الحديث.
وقال الأزدي: يروي المناكير.
وذكره العقيلي في كتابه الضعفاء.
وروى أحمد بن زهير عن يحيى بن معين أنه قال فيه: ليس بشيء.
وقال النسائي: ليس بالقوي.
أما ابن حجر العسقلاني، فقد لخَّص قوله الفصل فيه: صدوق كثير الغلط.7
وأما الروايات التي يرويها سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، والتي أوردها كلٌّ من ابن عبد البر وابن حجر، والتي تصف الخلفية والملابسات المتعلقة بالحادثة، فينبغي أيضًا مراعاة الملاحظات الآتية بشأن أسانيدها:
1. جميع طُرُق هذه الرواية تشتمل على عنعنة قتادة.
2. ومع أن يحيى بن معين والدارقطني لم يطعنا في عبد الوهاب بن عطاء،8 فإن أحمد بن حنبل يرى أنه ضعيف الحديث، وأن رواياته مضطربة.9 كما وصفه كلٌّ من البخاري10 والنسائي11 بأنه ليس بالقوي.
ويجدر التنبيه أيضًا إلى أن عبد الوهاب بن عطاء لا يَرِد في سند رواية ابن الجوزي في كتاب المنتظم. وإنما يروي فيه الهيثم بن عدي عن سعيد بن أبي عروبة. والهيثم متروكٌ جدًا، بل بالغُ الضعف. وقد نقل ابن حجر العسقلاني فيه الأقوال الآتية.12
• قال البخاري: ليس بثقة، ويكذب.
• وقال أبو داود والعجلي: كذّاب.
• وعدَّه النسائي وأبو حاتم الرازي متروك الحديث.
• وقال أبو زرعة الرازي: ليس بشيء.
• وأدرجه ابن السكن، وابن جارود، وابن شاهين، والدارقطني في جملة الضعفاء.
• وقال الحاكم النيسابوري والنقاش: إنه يروي المناكير عن الثقات.
رابعًا: الخاتمة
وخلاصة القول: إنَّ الروايات المروية عن أنس رضي الله عنه، والمندرجة تحت الفئتين الأولى والثانية، لا يمكن قبولها على ظاهرها. ذلك أن لفظ «جمع» الوارد فيها يُرجَّح – في ضوء القرائن – أن المراد به حفظ القرآن عن ظهر قلب، ومن ثم فإن هذه الروايات، تصريحًا أو تلميحًا، تحصر عدد حفاظ القرآن في عهد النبي ﷺ في أربعة أشخاص، وهو ما يتعارض مع الروايات الأخرى التي تثبت أن عددًا من الصحابة، إلى جانب الأنصار الأربعة المذكورين فيها، كانوا قد حفظوا القرآن كاملًا في حياة النبي ﷺ.
وقد سبقت الإشارة كذلك إلى أن أسانيد الروايات التي تنص صراحة على حصر عدد الحفاظ تثير عددًا من الإشكالات الحديثية التي تستدعي النظر والمراجعة.
ويضاف إلى ذلك أن الجزم بمعرفة جميع من حفظ القرآن في حياة النبي ﷺ يكاد يكون أمرًا متعذرًا. وقد نبَّه الإمام المازري (ت 536هـ)13 إلى هذا المعنى، متسائلًا: كيف أمكن لرواة هذه الأخبار أن يتيقنوا أنه لم يكن هناك غير هؤلاء الأربعة ممن حفظ القرآن؟ وكيف استطاعوا أن يحيطوا علمًا بجميع الحفاظ، مع أن أصحاب النبي ﷺ كانوا قد تفرقوا في الأمصار والبلدان؟ إذ لا يصح هذا الإحصاء إلا إذا كان الرواة قد التقوا بكل واحد من الصحابة واستقصوا أحوالهم فردًا فردًا، وهو أمر بعيد الوقوع، بل يكاد يكون غير متصور.14
(يُتبع…)
- 1. أخرجه البخاري في الجامع الصحيح، ج3، ص1386، رقم (3599).
- 2. المرجع نفسه، ج4، ص1913، رقم (4717).
- 3. انظر – على سبيل المثال –: مسلم، الجامع الصحيح، ج4، ص1914، رقم (2465)؛ وابن حبان، الصحيح، ج16، ص72، رقم (7130)؛ والبيهقي، السنن الكبرى، ج6، ص211، رقم (11972)؛ والطيالسي، المسند، ج1، ص270، رقم (2018).
- 4. ويُلاحظ أن الذي ورد في المعجم الأوسط للطبراني، ج7، ص362، رقم (7735)، هو اسم مُعَلَّى بن راشد العَمِّي بدلًا من مُعَلَّى بن أسد. ويبدو أن ذلك من قبيل التصحيف؛ لأن الاسم الكامل لمُعَلَّى بن أسد هو: مُعَلَّى بن أسد العَمِّي (انظر – على سبيل المثال –: المزي، تهذيب الكمال، ج28، ص285)، ويظهر أن كلمة «أسد» قد استُبدلت خطأً بكلمة «راشد». ويؤكد ذلك أيضًا ما يتبين من الإحالة المذكورة في تهذيب الكمال، حيث إن مُعَلَّى بن راشد هو أحد شيوخ مُعَلَّى بن أسد.
- 5. الذهبي، ميزان الاعتدال، ج4، ص193.
- 6. المرجع نفسه، ج4، ص193.
- 7. أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تقريب التهذيب، ط1 (سوريا: دار الرشيد، 1986م)، ص320.
- 8. الذهبي، تاريخ الحفاظ ج1، ص339.
- 9. الضعفاء الكبير، أبو جعفر محمد بن عمر بن موسى العقيلي، ط1، ج3 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1984م)، ص77. إلا أن أحمد بن حنبل ردَّ هذه التهمة، وهي أنه سمع من سعيد بن أبي عروبة في آخر عمره بعد اختلاطه وسوء حفظه. وذكر أحمد أنه سمع منه قبل اختلاطه، حين كان لا يزال متقنًا للحفظ. بل نُقل عنه قوله إنه أعلم الناس بحديث سعيد بن أبي عروبة. انظر: تهذيب الكمال، ج18، ص512. ولتفصيل هذه الدعوى، انظر: الجرح والتعديل، ج1، ص324.
- 10. الضعفاء الصغير، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ط1 (حلب: دار الوعي، 1396هـ)، ص77.
- 11. الضعفاء والمتروكون، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (حلب: دار الوعي، 1396هـ)، ص68.
- 12. لسان الميزان، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ج6 (بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1986م)، ص209–210.
- 13. أبو شامة، المرشد الوجيز، ص53.
- 14. وردًّا على اعتراضٍ محتمل مفاده أن هذه الروايات تنافي تواتر القرآن، يقول المازري إن التواتر لا يقتضي أن ينقل جمعٌ غفير النصَّ كاملًا بجميع أجزائه، بل يكفي أن تُنقل أجزاؤه المختلفة عن أعدادٍ كبيرة من الرواة، فيتحقق بذلك التواتر. انظر: المرشد الوجيز، ص53.