(13)
أمام هذا الوضع، لا يبقى أمام الباحث إلا أحد خيارين: إما ردُّ هذه الروايات، وإما قبولُ التأويلات التي قدَّمها العلماء المختلفون الذين سبقت الإشارة إلى أقوالهم.
وأنا أفضّل هذا التفسير الذي ذكره ابن عبد البر؛ إذ يقتضي أن تُفهم هذه الروايات في ضوء رواياتٍ أخرى تذكر الخلفية التي قيلت فيها(186). فوفقًا لهذه الروايات، لم يزعم أنس بن مالك رضي الله عنه أن الذين حفظوا القرآن كاملًا في حياة النبي ﷺ كانوا أربعةً فقط، وإنما نقل مناظرةً جرت بين الأوس والخزرج من الأنصار، ورد فيها هذا القول على لسان رجلٍ أو جماعةٍ من الخزرج. ومن ثم فإن ما قاله الخزرجي أو الخزرجيون لم يكن إلا بحسب ما بلغهم من العلم.
وعلى هذا التفسير يزول أيضًا التعارض بين روايات أنس رضي الله عنه في أسماء من ذُكروا؛ إذ إن ورود اسم أبي الدرداء رضي الله عنه بدلًا من أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه في إحدى الروايات يُحمل على أنه وَهْمٌ من بعض الرواة، لأن الروايات التي تذكر خلفية الواقعة لا يأتي فيها ذكر أبي الدرداء رضي الله عنه.(187)
خامسًا: الملاحق
الملحق (أ): بعض الروايات المماثلة
إلى جانب الروايات التي نوقشت في هذا الفصل، ترد روايات أخرى مماثلة عن عدد من الرواة، تتضمن أيضًا إحصاءً لبعض حفّاظ القرآن الكريم(188). وتتفق بعض الأسماء الواردة فيها مع الأسماء المذكورة في الروايات السابقة، كما تنفرد بذكر أسماء أخرى إضافية. ويُظهر لتأمل في هذه الروايات أنها تنقسم – في الجملة – إلى نوعين رئيسين:
روايات موقوفة وروايات مقطوعة. (189)
أما الروايات الموقوفة فهي مروية عن:
عبد الله بن مسعود رضي الله عنه،
وأنس بن مالك رضي الله عنه،
وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
وأما الروايات المقطوعة فهي مروية عن:
محمد بن سيرين،
ومحمد بن كعب القرظي،
وعامر الشعبي،
وابن شهاب الزهري،
وقتادة،
والحسن البصري،
ومكحول،
وعلي بن رباح،
وراوٍ مجهول.
وسيُعرض فيما يأتي كلا النوعين من هذه الروايات.
أولًا: الروايات الموقوفة:
رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
وروي ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن ابن مسعود أنه جمع القرآن علي عهد رسول اللّٰه صلّي اللّٰه عليه وسلّم.(190)
رواية أنس بن مالك:
قال أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك قال ما جمع القرآن علی عهد رسول اللّٰه صلی اللّٰه عليه وسلم إلا ستة نفر كلهم من الأنصار أبي ومعاذ وزيد وأبو زيد وأبو أيوب وعثمان والباقي من الصحابة قد يحفظ السور المعدودات من القرآن ومنهم من يحفظ السورة والسورتين.(191)
رواية عبد الله بن عباس:
فروي الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: جمع القرآن علی عهد رسول اللّٰه صلی اللّٰه عليه أربعة : معاذ بن جبل وأبي بن كعب ومجمع بن جارية وسالـم مولي أبي حذيفة وكان ابن مسعود قرأ علی رسول اللّٰه صلی اللّٰه عليه سبعين سورة .(192)
أما الروايتان الأولى والثالثة من الروايات المتقدمة، فلا تنفيان وجود صحابة آخرين من أصحاب النبي ﷺ كانوا قد حفظوا القرآن الكريم في حياته، ومن ثم فلا مجال للاعتراض عليهما.
أما الرواية الثانية، فإنها تنص صراحةً على حصر حفاظ القرآن في ستة أشخاص، وهو ما يتعارض مع الروايات الأخرى المروية عن أنس رضي الله عنه التي سبقت الإشارة إليها. ومن الأخطاء الظاهرة في هذه الرواية أنها عدَّت عثمان بن عفان رضي الله عنه في جملة الأنصار، مع أنه من المهاجرين.
الروايات المقطوعة:
رواية ابن شهاب الزهري50-124هـ (193)
أخبرتنا أم البهاء فاطمة بنت محمد قالت أنا أبو طاهر بن محمود أنا أبو بكر بن المقرئ أنا محمد بن جعفر المنبجي أنا عبيداللّٰه بن سعد بن إبراهيم أنا عمي ]و هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد[ أنا يوسف بن يعقوب الماجشون عن الزهري قال لم يجمع القرآن علی عهد رسول اللّٰه صلی اللّٰه عليه وسلم إلا عثمان بن عفان وأبي بن كعب .(194)
رواية محمد بن سيرين: (35-110 ه)(195)
أخبرنا عارم بن الفضل أخبرنا حماد بن زيد عن أيوب وهشام عن محمد قال جمع القرآن علی عهد رسول اللّٰه صلی اللّٰه عليه وسلم أربعة أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد قال واختلفوا في رجلين فقال بعضهم عثمان وتميم الداري وقال بعضهم عثمان وأبو الدرداء.(196)
يمكن تمثيل جميع الروايات المنقولة عن محمد بن سيرين في التسلسل الآتي:
محمد بن سيرين:
اولاً: عوف بن أبي جميلة وعنه حوذة بن خليفة وعنه ابن سعد وعنه حسين بن محمد بن عبد الرحمن. وعنه أحمد بن معروف وعنه أبو عمر وعنه الحسن بن علي وعنه محمد بن عبد الباقي وعنه ابن عساكر.
ثانيا: قُرّة بن خالد وعنه مسلم بن إبراهيم وعنه ابن سعد وعنه الحسين بن الفهم. وعنه أحمد بن معروف وعنه أبو عمر وعنه الحسن بن علي.
وثالثاً: هشام بن حسان وأيوب السختياني وعنهما حماد بن زيد وعنه عارم بن الفضل و سليمان بن حرب، وعن عارم ابن سعدوعن سليمان بن حرب يعقوب الفسوي وعنه عبد الله بن جعفروعنه أبو الحسين بن الفضل وعنه أحمد ابن الحسين البيهقي وعنه أبو المعالي.
وعن أبي الحسين بن الفضل محمد بن هبة الله وعنه أبوالقاسم.
ورابعاً: أيوب السختياني و جماعة وعنه معمر بن راشد وعنه الواقدي وعنه وعن يعقوب الفسوي الباقلاني.
3- رواية قتادة: (60-117هـ) (197)
أخبرنا مسلم بن إبراهيم أخبرنا قرة بن خالد قال سمعت قتادة يقول قرأ القرآن علی عهد رسول اللّٰه صلی اللّٰه عليه وسلم أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد قال قلت من أبو زيد قال من عمومة أنس.(198)
4- الحسن البصري: (22هـ – 110هـ، )(199)
قال قتادة عن الحسن جمع القرآن علی عهد رسول اللّٰه صلی اللّٰه عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار أبي ومعاذ وزيد بن ثابت وأبو زيد.(200)
الهوامش:
186 – غير أن الإشكال الوحيد في هذه الروايات هو أن أسانيدها ـ كما تبيَّن سابقًا ـ ليست صحيحة على وجهٍ تام.
187- ومن المحتمل أن يكون سبب هذا الخطأ أن أبا الدرداء قد ذُكر في بعض الروايات المرسلة (انظر: الملحق أ) ضمن من حفظوا القرآن في حياة النبي ﷺ. ولعل أحد الرواة أدرج اسمه في هذه الرواية استنادًا إلى تلك المعلومة.
وفي هذه الروايات أيضًا استُعملت كلمة “جمع” في الغالب (بينما ورد في بعضها الآخر لفظ “قرأ” 188-ومع أن الكلمة قد تُرجمت في الروايات الآتية ترجمةً حرفية بمعنى «جمع»، فإنها للأسباب التي سبق بيانها في هذا الفصل ـ تدل على حفظ القرآن.
189- وتوجد أيضًا رواية منقطعة عن عبادة بن الصامت تفيد بأن أُبيَّ بن كعب، وعبادة بن الصامت، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبا الدرداء، وعثمان بن عفان رضي الله عنهم جمعوا القرآن. انظر: الباقلاني، الانتصار، ج1، ص171.
190- الباقلاني، الانتصار، ج1، ص170 .
191 – الربيع بن حبيب بن عمر الأزدي، المسند، ط1، ج1 (بيروت: دار الحكمة، 1415هـ)، ص25، رقم (7). هذه الرواية دليلاً واضحًا على أن لفظ “جمع” يُراد به حفظ القرآن؛
وتُعد إذ إنها تذكر بعد ذلك لفظ “يحفظ”، وهو لفظٌ صريح في الدلالة على الحفظ.
192 – أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، الانتصار للقرآن، الجزء الأول، ص 165.
193- المِزّي، تهذيب الكمال، ج 26، ص 440-441 .
194- ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج 39، ص 178.
195- البخاري، التاريخ الكبير، ج 1، ص 90-91.
196- ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 2، ص 357. وانظر أيضًا: ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج 11، ص 74؛ والباقلاني، الانتصار، ج 1، ص 168؛ وأبو يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي، المعرفة والتاريخ، ج 1 (بيروت: دار الكتب العلمية، 1999م)، ص 262. وقد سقط اسم زيد في رواية الفسوي.
أما رواية قُرّة بن خالد عن ابن سيرين، فلا تذكر سوى أُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعثمان، وتميم الداري. انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 2، ص 355؛ وابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج 11، ص 74؛ وأبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبد الله الذهبي، سير أعلام النبلاء، ط 9، ج 2 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1413هـ)، ص 445.
وأما رواية عوف عن ابن سيرين، فتذكر أنه لم يجمع القرآن في عهد النبي ﷺ من الأنصار إلا أربعة: زيد، وأبو زيد، ومعاذ، وأُبيّ، في حين وقع الاختلاف في عدّ تميم الداري فيهم. انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 2، ص 355-356؛ وابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج 11، ص 74.
197- أبو حاتم محمد بن حبان البستي، مشاهير علماء الأمصار (بيروت: دار الكتب العلمية، 1959م)، ص 96 .
198- ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 2، ص 355. وانظر أيضًا: الباقلاني، الانتصار، ج 1، ص 167
199- الذهبي، تذكرة الحفاظ، ج 1، ص 72 .
200- أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ط 1، ج 10 (بيروت: دار الفكر، 1984م)، ص 169.
(يُتبع…)