(9)
عن سيف، عن النضر بن السَّري، عن ابن الرُّفيل، عن أبيه، قال: … وكتب جابان إلى جُشْنَسْمَاه: إن أهل فارس قد زال أمرهم، وأُديل عدوهم عليهم، وذهب مُلك المجوسية، وأقبل مُلك العرب وأُديل دينهم، فاعتقد منهم الذمة، ولا تخلبنّك الأمور، والعجل العجل قبل أن تؤخذ! فلما وقع الكتاب إليه خرج جُشْنَسْماه إليهم حتى أتى المعنى، وهو في خيل بالعتيق، وأرسله إلى سعد، فاعتقد منه على نفسه وأهل بيته ومن استجاب له ورده، وكان صاحب أخبارهم. 2
الشرح اللغوي
١- ’أُدِيلَ‘: مشتق من مادة (د و ل)، وهي تدلّ في أصلها على التداول والتعاقب وتناوب الأحوال بين الناس، ومنه انتقال السلطان والغلبة من فريق إلى آخر. والمقصود في هذا السياق تحوُّل موازين القوة وانقلاب كفة النصر؛ فقوله: ’أُدِيل عدوّهم عليهم‘ يُفيد أن الغلبة قد آلت إلى عدوّهم، فتمكّن منهم بعد ضعفهم، وصارت له اليد العُليا بعد أن كانت لهم.
٢- ’لَا تَخْلُبَنَّكَ‘: من مادة (خ ل ب)، وتدور معانيها حول الخداع والاستمالة والتغرير بالحيلة. والمعنى: لا تستدرجك ظواهر الأمور، ولا تفتنك الأوهام والبوارق الخادعة عن إدراك حقيقة الواقع. ومن هذا الاستعمال ما ورد في الحديث النبوي: ’إذا بايعتَ فقل: لا خِلابة‘؛ أي لا خديعة ولا غش في المعاملة. وعليه، فالمراد من العبارة التحذير من الاغترار بالمظاهر أو الانسياق وراء التصورات المضلِّلة التي تحجب حقيقة الأحداث ومآلاتها.
الشرح والتوضيح
١- كان جابان منجّمًا في بلاط المَلك يزدجرد، وقد بدا له، وفق المعارف الفلكية والتنبّؤات التي كانت سائدة في عصره، أن دولة الفرس مقبلة على مرحلة أفول وانهيار. ولما كانت تربطه علاقة شخصية بـ جشنسماه، أحد قادة الفرس، كتب إليه سرًّا ناصحًا ومشفقًا، فأطلعه على ما انتهى إليه من تقدير، وأشار عليه بأن يبادر إلى طلب الأمان من المسلمين قبل فوات الأوان.
٢- كان العرب يطلقون على الديانة الرسمية للدولة الساسانية، وهي الزرادشتية (Zoroastrianism)، اسم المجوسية. وأصل هذه التسمية أن المجوس (Magians) كانوا طبقة دينية تتولّى شؤون المعابد وإقامة الشعائر والطقوس الزرادشتية، ثم غلب اسمهم على أتباع الديانة كلها. ومن ثم شاع في اللسان العربي إطلاق لفظ المجوسية على الزرادشتية وأهلها. وقد ورد ذكر أتباع هذه الديانة في القرآن الكريم باسم ’المجوس‘ في قوله تعالى3:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.
التخريج واختلاف الطرق
أورد هذه الرواية أيضًا الكلاعي في كتابه.4
(١٠)
عن ابن الرفيل، عن أبيه، قال: لما نزل رُستم على العتيق وبات به أصبح غاديًا على التصفّح والحزر، فساير العتيق نحو خُفّان، حتى أتى على منقطع عسكر المسلمين، ثم صعد حتى انتهى إلى القنطرة، فتأمل القوم حتى أتى على شيء يشرف منه عليهم، فلما وقف على القنطرة راسل زُهرة، فخرج إليه حتى واقفه، فأراده أن يصالحهم، ويجعل له جعلا على أن ينصرفوا عنه، وجعل يقول فيما يقول: أنتم جيراننا، وقد كانت طائفة منكم في سلطاننا، فكنا نحسن جوارهم، ونكف الأذى عنهم، ونولّيهم المرافق الكثيرة، نحفظهم في أهل باديتهم، فنرعيهم مراعينا، ونميرهم من بلادنا، ولا نمنعهم من التجارة في شيء من أرضنا، وقد كان لهم في ذلك معاش، يعرض لهم بالصلح، وإنما يخبره بصنيعهم، والصلح يريد ولا يصرح.
فقال له زُهرة: صدقت، قد كان ما تذكر، وليس أمرنا أمر أولئك ولا طلبتنا، إنا لم نأتكم لطلب الدنيا، إنما طلبتنا وهمتنا الآخرة، كنا كما ذكرت يدين لكم من ورد عليكم منا، ويضرع إليكم يطلب ما في أيديكم، ثم بعث الله تبارك وتعالى إلينا رسولا، فدعانا إلى ربه فأجبناه، فقال لنبينا صلى الله عليه وسلم: إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني، فأنا منتقم بهم منهم، وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرين به، وهو دين الحق، لا يرغب عنه أحد إلا ذل، ولا يعتصم به أحد إلا عز.
فقال له رُستم: وما هو؟
قال: أما عموده الذي لا يصلح منه شيء إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى.
قال: ما أحسن هذا! وأي شيء أيضا؟
قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى.
قال: حسن، وأي شيء أيضا؟
قال: والناس بنو آدم وحواء، إخوة لأب وأم.
قال: ما أحسن هذا!
ثم قال له رُستم: أرأيت لو أني رضيت بهذا الأمر وأجبتكم إليه ومعي قومي كيف يكون أمركم؟ أترجعون؟
قال: إي والله، ثم لا نقرب بلادكم أبدا إلا في تجارة أو حاجة.
قال: صدقتني والله، أما إن أهل فارس منذ ولي أردشير لم يدعوا أحدا يخرج من عمله من السَّفِلَةِ، كانوا يقولون إذا خرجوا من أعمالهم: تعدوا طورهم وعادوا أشرافهم.
فقال له زُهرة: نحن خير النّاس للنّاس، فلا نستطيع أن نكون كما تقولون، نطيع الله في السفلة، ولا يضرّنا من عصى الله فينا.
فانصرف عنه، ودعا رجال فارس فذاكرهم هذا، فحموا من ذلك وأنفوا، فقال: أبعدكم الله وأسحقكم! أخزى الله أخرعنا وأجبننا!
فلما انصرف رُستم مِلْتُ إلى زُهرة، فكان إسلامي، وكنت له عديدًا، وفُرض لي فرائض أهل القادسيّة. 5
الشرح اللغوي
١- ’نَمِيرُ‘: من ’المِيرَة‘، وهي الطعام والغِلَّة التي تُجلب للمعاش. يقال: ’مارَ عيالَه‘ إذا وفَّر لهم القوت وما يحتاجون إليه من رزق. ومنه قوله تعالى6 : ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾
٢-’السَّفِلَة‘: يُراد بهم أصحاب الطبقات الدنيا في المجتمع، ممن كانوا يُعدّون في الأعراف السائدة من عامة الناس أو من ذوي المكانة الاجتماعية المتدنية.
٣-’حَمُوا‘: من ’الحَمِيَّة‘، وهي شدة الأنفة والغيرة والاعتزاز بالنفس أو بالقوم، بحيث تدفع صاحبها إلى الدفاع عما يراه حقًّا له أو لقومه.
٤-’أَنِفُوا‘: أي استشعروا الأنفة والاستكبار من الأمر، فاستثقلوه ورفضوه لما وجدوا فيه ما يمس مكانتهم أو كرامتهم.
٥-’أَخْرَعَ‘: يُراد به الضعيف الواهن، قليل الحيلة والعزيمة، الذي لا يثبت عند الملمات ولا يقوى على مواجهة الشدائد.
٦-’عَدِيد‘: هو من يُعَدُّ ويُحصى في جملة قومٍ أو جماعةٍ وإن لم يكن منهم نسبًا أو أصلًا، لالتحاقه بهم أو انتسابه إليهم بالولاء أو الحلف أو غير ذلك. قال صاحب تاج العروس: ’العديد من القوم: من يُعدّ فيهم وليس منهم‘. 7
الشرح والتوضيح
١- يُمثّل هذا الحوار أول لقاءٍ مباشرٍ بين المسلمين والقائد الفارسي رُستم تذكره المصادر التاريخية بعد المداولات التي جرت في مجلس يزدجرد. وقد تولّى تمثيل المسلمين فيه زُهرة بن جُوَيَّة (أو حُوَيَّة)، أحد فرسان بني سعد وقائد مقدمة الجيش الإسلامي.
وقد سار رُستم في حديثه على النهج نفسه الذي اتبعه يزدجرد من قبل، فحاول في البداية إقناع المسلمين بالانصراف مقابل ما يُقدّم لهم من المال ومتاع الدنيا. فلما لم يجد إلى ذلك سبيلًا، انتقل إلى استفسار آخر يتعلق بحقيقة الدعوة الإسلامية وأصولها.
وجاء جواب زُهرة كاشفًا عن البعد الفكري والحضاري للرسالة الإسلامية؛ إذ أبرز أن غاية الإسلام ليست تحصيل المكاسب المادية أو التوسع السياسي فحسب، وإنما تحرير الإنسان من الخضوع لسلطان البشر وإخضاعه لسلطان الله وحده. ومن هنا جاء قوله: ’إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله‘، وهو تعبير يختزل التحول الجذري الذي يدعو إليه الإسلام في بنية المجتمع ونظامه؛ إذ يقتضي إزالة الامتيازات الطبقية القائمة على التمييز بين الحاكم والمحكوم، والشريف والوضيع، وإقامة العلاقات الإنسانية على أساس المساواة والكرامة المشتركة بين الناس جميعًا.
٢- يُشير رُستم في هذا الحوار إلى النظام الطبقي الذي كان سائدًا في المجتمع الفارسي، مستشهدًا بـ أردشير، مؤسس الدولة الساسانية، الذي أنهى حكم الفرثيين (البارثيين) في القرن الثالث الميلادي وأقام الدولة الساسانية على أسس سياسية واجتماعية جديدة.
وقد قام المجتمع الساساني على تقسيمات طبقية واضحة، بحيث كان لكل طبقة وظائفها وواجباتها المحدّدة التي لا يُستحسن تجاوزها. فكان يُنتظر من صاحب الحرفة أو المهنة أن يلازم مجاله الذي نشأ فيه، وألا يتعداه إلى غيره من المهن أو المواقع الاجتماعية. أما عامة الناس، الذين كانوا يمثلون أدنى طبقات المجتمع، فكانت فرص ارتقائهم الاجتماعي محدودة للغاية، إذ حالت البنية الطبقية الصارمة دون انتقالهم إلى مراتب أعلى أو مشاركتهم في امتيازات الطبقات النافذة.
وفي ضوء هذا الواقع الاجتماعي يمكن فهم استغراب رُستم من المبادئ التي عرضها زُهرة بن جويّة، ولا سيما ما يتعلق بالمساواة بين الناس وإلغاء الفوارق الطبقية القائمة على النسب أو المنزلة الاجتماعية؛ إذ كانت هذه المبادئ تمثل تحولًا جذريًّا يتعارض مع الأسس التي قام عليها النظام الاجتماعي الساساني. 8
كان رُستم قد اطّلع على هذه المبادئ من قبل في مجلس يزدجرد، كما عرف من خلال مشاهداته ومصادر معلوماته الأخرى أن العرب قد توحّدوا تحت راية دين جديد لا يقرُّ مثل هذه التراتبية والطبقية الاجتماعية. ومع ما أبداه من استحسانٍ لمبادئ الإسلام من حيث الأصل، فإنه عبّر عن تحفظه تجاه هذا الجانب خاصة، موضحًا أن النظام القائم في الدولة الفارسية يقوم على تقسيمات طبقية راسخة، وأن الطبقات العليا في المجتمع لن تقبل بأي حال إحداث تغيير في هذا النظام.
التخريج واختلاف الطرق
أورد الكلاعي أيضًا هذا الخبر الذي رواه رُفيل، إلا أن الجملة المتعلقة بإسلام رُفيل في ختام الرواية لم ترد في روايته. 9
(يُتبع…)
- 1. باحث في مؤسسة "المورد" باكستان ومركز غامدي للتعلّم الإسلامي (GCIL) أمريكا ومدير برنامج الدراسات الإسلامية لمرحلة البكالوريوس في جامعة GIFT بـ كوجرانواله، باكستان.
- 2. تاريخ الطبري: ٣/٥٠٧
- 3. الحج: ١٧
- 4. الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ﷺ والثلاثة الخلفاء، ٢/٤٤٠-٤٤١
- 5. تاريخ الطبري ٣/٥١٧-٥١٨
- 6. يوسف: ٦٥
- 7. ٨/٣٥٦
- 8. مفيد رائف محمود العابد، "معالم تاريخ الدولة الساسانية"، دار الفكر، دمشق، ١٩٩٠م، صـ ١٢٩
- 9. الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ﷺ والثلاثة الخلفاء، ٢/٤٥٧