نزول سيدنا عيسى عليه السلام في الأحاديث النبوية
وُصف نزول عيسى عليه السلام في الأحاديث النبوية بأسلوب تاريخي ورمزي، يتضمّن إشارات متعددة ذات أبعاد سياسية وجغرافية.
مشهد النزول
ورد في الحديث أن عيسى عليه السلام ينزل إلى الأرض مرتديًا ثوبين مُعصَفرَيْن، واضعًا يديه على أجنحة ملكين. فإذا طأطأ رأسه تقاطر منه ما يشبه قطرات الندى، وإذا رفعه تحدّرت منه قطرات كأنها اللؤلؤ. ١٤٩
ويُعدّ نزوله واضعًا يديه على أجنحة الملائكة رمزًا للعوامل التي أدت إلى دخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الثانية، ومن أبرزها الهجوم الياباني على الولايات المتحدة وإعلان ألمانيا وإيطاليا الحرب عليها. وقد دفعت هذه الأحداث الولايات المتحدة إلى التخلي عن سياستها الانعزالية واتخاذ دور فاعل على الساحة الدولية. كما يُمثّل مشهد خفض عيسى عليه السلام رأسه ثم رفعه، وما يتناثر عنه من قطرات كاللؤلؤ، مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، في حين يرمز اللباس المعصفر إلى عظمتها الاقتصادية وما تمتلكه من موارد واسعة.
وقت النزول ومكانه: أحداث نوفمبر ١٩٤٢م في الحرب العالمية الثانية
وفقًا للحديث الشريف، يقتل الدجال شابًّا ثم يحييه، فيعود ضاحكًا مستبشرًا، وفي تلك الأثناء يُنزل الله عيسى عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق. ١٥٠
وكما تقدّم، فإن قتل الدجال للناس ثم إحياءهم يُمثّل الثورات الشيوعية التي أُطيحت فيها الأنظمة القائمة بالقوة، وأُقيمت على أنقاضها أنظمة جديدة. ويُجسّد هذا الشاب يوغوسلافيا، التي تأسست سنة ١٩١٨م، ثم عُرفت منذ سنة ١٩٢٩م باسم مملكة يوغوسلافيا. وخلال الحرب العالمية الثانية، وبعد الغزو الألماني ليوغوسلافيا، اكتسبت الحركة الشيوعية زخمًا متزايدًا. وفي نوفمبر سنة ١٩٤٢م أسّس الشيوعيون ’المجلس المناهض للفاشية للتحرير الوطني ليوغوسلافيا‘ (Anti-Fascist Council for the National Liberation of Yugoslavia) بهدف تنظيم حركة التحرير اليوغوسلافية، وكان قد بسط نفوذه آنذاك على بعض مناطق البلاد. ومما يُلفت النظر أن عددًا من مناطق يوغوسلافيا قبلت السلطة الشيوعية الجديدة طوعًا، وهو ما يُشبه عودة ذلك الشاب مسرورًا بعد أن ’قُتل‘ ثم ’أُحيي‘. وفي الفترة نفسها، وتحديدًا في نوفمبر سنة ١٩٤٢م، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية، بالتعاون مع قوات الحلفاء، أولى عملياتها البرية الكبرى، والمعروفة باسم ’عملية الشعلة‘ (Operation Torch).
ويُنظر إلى ’المنارة‘ الواردة في الحديث على أنها رمز للوجود الإسلامي والهوية الإسلامية في منطقة ما، ومن ثمّ يُفهم ’النزول عند المنارة البيضاء‘ على نحو رمزي بوصفه إشارة إلى دخول الولايات المتحدة إلى مناطق ذات أغلبية مسلمة، مثل الجزائر (Algeria)والمغرب(Morocco) ، حيث نُفّذت هذه العملية العسكرية. وكانت هذه المناطق آنذاك خاضعة لسيطرة قوى استعمارية مسيحية، وقد تحولت، بعد اتساع نطاق الحرب في الجبهات الأوروبية، إلى ميدان عسكري ذي أهمية بالغة. ومن هنا جاء تصوير المسجد في الحديث على أنه يقع في دمشق، تمامًا كما كانت دمشق في عهد النبي ﷺ مركزًا عسكريًا مهمًّا يخضع لسلطة الإمبراطورية البيزنطية المسيحية. وكان الجانب الشرقي من دمشق ينفتح تاريخيًّا على الصحراء، التي كانت تُشكّل في العهد البيزنطي معبرًا تأتي منه في كثير من الأحيان القبائل العربية أو الجيوش الفارسية المهاجمة.
وعلى نحو مماثل، دخلت الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية إلى شمال أفريقيا عبر البحر الأبيض المتوسط، ونفّذت أولى عملياتها العسكرية البرية الكبرى من تلك الجهة نفسها، التي شهدت عبر التاريخ مرور موجات متعاقبة من القوى القادمة من خارج المنطقة.
نفس عيسى عليه السلام وهلاك الكافرين: الخطاب الأخلاقي وهزيمة الخصوم
ورد في الحديث أن كلّ كافر يشمّ نَفَس عيسى عليه السلام لا يبقى حيًّا، بل يهلك، وأن نَفَسه يبلغ مدى بصره. ١٥١
وقد جاء هذا الوصف في الحديث الذي رواه صحيح مسلم، ١٥٢ حيث ذُكرت فيه أحداث ظهور الدجال ونهايته قبل الحديث عن يأجوج ومأجوج. ولما كان ظهور الاتحاد السوفييتي (الدجال) سابقًا لظهور ألمانيا النازية (يأجوج ومأجوج)، جاء ذكره وذكر نهايته أولًا في سياق الحديث. ويعكس هذا الترتيب أسلوبًا من أساليب السرد المتوازي، يُستوفى فيه الحديث عن موضوع معين قبل الانتقال إلى موضوعٍ آخر موازٍ له، وإن كانت أحداث الموضوعين قد وقعت في الحقبة التاريخية نفسها. وعلى هذا الأساس، اختُزلت أبرز أحداث الحرب العالمية الثانية المتعلقة بالدجال في التعبير الرمزي الوارد في الحديث عن ’نَفَس عيسى عليه السلام وهلاك الكافرين‘، واكتمل بذلك مسار الرواية المتعلق بالدجال. ثم انتقل الحديث بعد ذلك إلى عرض أحداث يأجوج ومأجوج بصورة مستقلة ومفصلة، بوصفها تمثل جانبًا تاريخيًّا آخر موازيًا لتلك الأحداث، وإن كان منفصلًا عنها في بناء السرد. وفي هذا السياق، يُمثّل ’نفس عيسى عليه السلام‘ على نحو رمزي ذلك الخطاب الأخلاقي المناهض للعنصرية والعدوانية والفاشية، والذي تبنّته الولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية. أما ’الكافرون‘ فيُقصد بهم قوى المحور المناوئة، وهي ألمانيا وإيطاليا واليابان، التي وقفت في مواجهة ذلك الخطاب ولم تقبله. ويُعبّر هلاكهم، من الوجهة الرمزية، عن هزيمتهم الحاسمة في الحرب، كما يُجسّد الآثار البعيدة المدى لذلك ’النَفَس‘، وما ترتب عليه من ترسيخ ذلك الخطاب الأخلاقي وانتصاره. وقد تجلت آثار هذا الانتصار، بحسب هذا الفهم، في نشوء توافق دولي جديد بعد الحرب، تمثّل في قيام الأمم المتحدة، وترسيخ مبادئ حقوق الإنسان، والدعوة إلى السلم العالمي بوصفها مرتكزات للنظام الدولي الجديد.
امتناع عيسى عليه السلام عن الإمامة: حث المسلمين على قيادة مسيرتهم نحو الحرية
ورد في الأحاديث المباركة أن عيسى عليه السلام يمتنع عن إمامة المسلمين في الصلاة، ويقول عند دعوتهم له إلى التقدم: ’إمامكم منكم‘١٥٣، وفي حديث: ’إن بعضكم على بعض أمراء‘ ١٥٤. ويمكن فهم هذا البيان في سياق الجهود التي بذلها القادة المسلمون من أجل نيل الاستقلال، إذ ينسجم مع ما صدر عن زعماء المسلمين في الجزائر والمغرب وتونس من مطالب بالتحرر من الاستعمار الأوروبي، في المرحلة التي شهدت تنفيذ أول عملية برية كبرى للولايات المتحدة، وهي ’عملية الشعلة‘ (Operation Torch).
ومن الأمثلة البارزة على ذلك اللقاء الذي جمع بين الرئيس الأمريكي فرانكلين ديلانو روزفلت (Franklin Delano Roosevelt) ومحمد الخامس خلال مؤتمر الدار البيضاء المنعقد في يناير سنة ١٩٤٣م، والذي عُدَّ رمزًا للأمل في استقلال المغرب. فقد عبّر السلطان محمد الخامس عن تطلعه إلى استقلال بلاده، وطلب الدعم الأمريكي لتحقيق هذا الهدف. وأبدى الرئيس روزفلت تعاطفًا مع هذا التطلع، مشيرًا إلى إمكانية تقديم الدعم مستقبلًا، من دون أن يلتزم بتدخل فوري، نظرًا لانشغال الولايات المتحدة آنذاك بإدارة علاقاتها مع حلفائها في الحرب، وفي مقدمتهم فرنسا. وقد نظر القوميون المغاربة إلى ذلك اللقاء بوصفه خطوة مشجعة، ورأوا في الولايات المتحدة حليفًا محتملًا في مسيرتهم نحو الاستقلال. ١٥٥
وكان هذا الموقف الأمريكي منسجمًا مع المبادئ المناهضة للاستعمار التي تضمّنها الميثاق الأطلسي (Atlantic Charter)١٥٦ سنة ١٩٤١م، حيث جرى التأكيد على حق الشعوب في الحرية وتقرير المصير. وفي هذا الإطار، يُمثّل امتناع عيسى عليه السلام عن الإمامة إشارةً إلى تشجيع القادة المسلمين على أن يتولّوا بأنفسهم قيادة مسيرة التحرر والاستقلال، بينما اقتصر الدور الأمريكي على الدعم والمساندة بصورة غير مباشرة.
(يُتبع …)
الهوامش:
149- Sahih Muslim 2937a: https://sunnah.com/muslim:2937a
150- Sahih Muslim 2937a: https://sunnah.com/muslim:2937a
151- Sahih Muslim 2937a: https://sunnah.com/muslim:2937a
152- Sahih Muslim 2937a: https://sunnah.com/muslim:2937a
153- Sahih Bukhari 3449: https://sunnah.com/bukhari:3449
154- Sahih Muslim 156: https://sunnah.com/muslim:156
155- تقديم ميثاق الحرية: محطة مفصلية في مسيرة استقلال المغرب
https://www.maroc.ma/en/news/presentation-independence-manifesto-milestone-moroccos-struggle-independence
156- https://en.wikipedia.org/wiki/Atlantic_Charter
- 1. باحث وكاتب باكستاني مقيم في أستراليا، تتركز اهتماماته البحثية على دراسة أشراط الساعة ونبوءات الأنبياء في ضوء المقارنة بين الكتاب المقدس (Bible) والقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.