انتقل إلى المحتوى

توافق علامات القيامة في الحديث النبوي مع الأحداث التاريخية في ضوء الكتاب المقدس والقرآن

بقلم: الدكتور محمد سعد سليم ترجمة من الأردية: أ. عثمان فاروق العربية

1

(14)

الأحاديث النبوية والحرب العالمية الثانية وما أعقبها من أحداث

خُصص في هذه الدراسة فصل مستقل لبحث قضية يأجوج ومأجوج؛ ولذلك يقتصر هذا المبحث على الجوانب المتعلقة بهما التي لم يسبق تناولها في الفصل السابق.

حصار يأجوج ومأجوج لجبل الطور:

المقاومة عبر التحالفات والاتفاقيات الدولية

ورد في الحديث النبوي أن نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه سيحاصرون عند جبل الطور من قبل يأجوج ومأجوج، حتى لا يجد أحد قدرة على مواجهتهم أو صدهم. وتبلغ الشدة ذروتها حتى يصبح ثمن رأس الثور أكثر من مائة دينار. وفي تلك الظروف العصيبة يلجأ عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الله تعالى بالدعاء، سائلين النجاة والخلاص.2

وتفسّر هذه الدراسة هذا الحصار بوصفه رمزًا للتوسع العسكري العدواني الذي انتهجته ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وما ترتب عليه من حصار استراتيجي ومواجهات واسعة مع قوات الحلفاء. وكما تصور الأحاديث قوة يأجوج ومأجوج على نحو يعجز الناس عن مقاومتها، بدا المد الفاشي في مراحله الأولى قوة كاسحة يصعب التصدي لها.

أما جبل الطور، فيمثل في هذا التأويل رمزاً للعهد والميثاق، استنادا إلى مكانته التاريخية بوصفه الموضع الذي أخذ فيه نبي الله موسى عليه السلام الميثاق على بني إسرائيل.3 وانطلاقاً من هذه الدلالة الرمزية، يعبر جبل الطور عن منظومة التحالفات والاتفاقيات الدولية والاستراتيجيات المشتركة التي اعتمدتها دول الحلفاء في مواجهة قوى المحور خلال الحرب العالمية الثانية. وقد تجسّدت هذه المنظومة في عدد من المؤتمرات والاتفاقيات المفصلية، من أبرزها:

١- مؤتمر الدار البيضاء (يناير ١٩٤٣)

٢- اتفاقية كيبيك (أغسطس ١٩٤٣)

٣- مؤتمر طهران (نوفمبر–ديسمبر ١٩٤٣)

٤- مؤتمر بريتون وودز (يوليو ١٩٤٤)

٥- مؤتمر يالطا (فبراير ١٩٤٥)

ثمن رأس الثور:

يرد في الحديث النبوي4 أن “يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم”، وهو ما يشير إلى التضخم، والتدهور الاقتصادي، والنقص الحاد في المواد الغذائية خلال الحرب العالمية الثانية. وترد صورة مشابهة في سِفر الرؤيا من الكتاب المقدس، حيث ترتفع أسعار الحبوب إلى حد يصبح معه حصول الإنسان العادي على قوته الأساسي أمرا بالغ الصعوبة.5 فعلى سبيل المثال، شهدت بريطانيا خلال غارات “البلتز” في الحرب العالمية الثانية نقصا شديدا في المواد الغذائية والسلع الأساسية، نتيجة توجيه الموارد لخدمة المجهود الحربي. وكانت تلك ظروفا أدت فيها الزيادة الكبيرة في الأسعار وسوء توزيع الموارد إلى شلل شبه كامل في الحياة اليومية.

الدعاء إلى الله:

يرمز “الدعاء إلى الله” إلى ابتهال القيادة الأمريكية إلى الله طلبا للنصر. فعلى سبيل المثال، في مساء يوم الإنزال في نورماندي (يونيو ١٩٤٤)، وجه الرئيس روزفلت خطابا إذاعيا إلى الأمة، دعا فيه الله مخلصا أن يوفق قوات الحلفاء ويحفظها. ومن مقتطفات هذا الدعاء6:

“…أيها الرب القدير! إن أبناءنا، وهم فخر أمتنا، قد خرجوا اليوم إلى كفاح عظيم. إنهم يخوضون هذه المعركة دفاعا عن دولتنا، وعن ديننا، وعن حضارتنا، ومن أجل تحرير الإنسانية المنكوبة… فاهدهم إلى الطريق المستقيم، وقو أذرعهم، وثبت قلوبهم، وامنحهم رسوخا في الإيمان… إن عليهم أن يواجهوا، ليلا ونهارا، ومن غير راحة، أشد المحن حتى يتحقق النصر… وسترتجف أرواح البشر من هول الحرب… وببركتك سنغلب قوى الشر التي يواجهونها. فامنحنا النصر على أتباع الجشع والكبرياء العنصري… إن مشيئتك هي النافذة، أيها الرب القدير. آمين.”

تطهير الأرض بعد يأجوج ومأجوج: إزالة آثار الحرب

ورد في الحديث7 أن رسول الله عيسى عليه السلام وأصحابه سينزلون إلى الأرض، فلا يجدون فيها موضع شبر إلا وقد امتلأ بنتن جيف يأجوج ومأجوج. ثم يدعو عيسى عليه السلام وأصحابه الله تعالى، فيرسل طيورا أعناقها كأعناق الإبل البخت، فتحمل تلك الجثث وتلقيها حيث شاء الله. ثم ينزل الله مطرا لا يمنعه بيت من مدر ولا خيمة من وبر، فيغسل الأرض حتى تصبح كأنها المرآة.

النتن: إن عدم العثور على موضع شبر واحد خال من الجثث عند نزول عيسى عليه السلام وأصحابه يرمز إلى الدمار الشامل الذي خلفته الحرب العالمية الثانية في أوروبا. فقد تحولت مدن بأكملها إلى أنقاض، وقضى على ملايين البشر، وأصبحت القارة بأسرها مسرحا للخراب والجثث والمعاناة الإنسانية.

الدعاء إلى الله: يرمز الدعاء إلى الله إلى التضرع إليه طلبا للسلام، وتعزيز روح الأخوة، وإعادة إعمار العالم بعد الحرب العالمية الثانية. فعلى سبيل المثال، أعلن رئيس الولايات المتحدة، بعد تحقيق النصر في الحرب، قائلا8:

“…وبناء على ذلك، فإنني أحدد يوم ١٩ أغسطس ١٩٤٥ يوما للدعاء. وأناشد أتباع جميع الأديان في الولايات المتحدة أن يجتمعوا لشكر الله على هذا النصر الذي أنعم به علينا، وأن يدعوه أن يهدينا ويعيننا على السير في سبل السلام…”.

الطيور ذات الأعناق كأعناق الإبل: كانت الإبل ذات السنامين معروفة عند العرب بعظمتها وقوة احتمالها، وتميزت بأعناقها القوية وأوبارها الكثيفة. وتمثل الطيور المذكورة في الحديث، التي تحمل الجثث بأعناق تشبه أعناق تلك الإبل، رمزا للجهود الجماعية الواسعة التي بُذلت بعد انتهاء الحرب. وتشير إلى المرحلة التاريخية التي أزيلت فيها أنقاض الحرب، ونُفذت فيها عمليات الإغاثة الإنسانية، وأقيمت محاكمات جرائم الحرب لترسيخ مبادئ العدالة الدولية في مواجهة الظلم والوحشية. كما أن القضاء على الفكر النازي وتقديم مجرمي الحرب إلى العدالة كان جزءا من عملية “التطهير” الواسعة هذه.

المطر: ويرمز المطر الذي أعقب ذلك إلى التحولات العالمية التي أعادت تشكيل العالم بعد الحرب العالمية الثانية، إذ أزالت آثار الدمار والأفكار التي خلفتها الحرب، ومهدت لقيام نظام دولي جديد، جرى فيه القضاء بصورة منظمة على النازية والفاشية والهيمنة الاستعمارية. ومن خلال مشروع مارشال قدمت الولايات المتحدة مساعدات اقتصادية وصناعية لأوروبا المدمرة، كما أُنشئت مؤسسات دولية، مثل الأمم المتحدة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، بهدف إيجاد حلول سلمية للمشكلات السياسية والاقتصادية، وتعزيز الاستقرار العالمي. كما أن الإشارة إلى خيام الوبر، المعروفة لدى العرب بمتانتها وقدرتها على مقاومة الأمطار، وإلى بيوت المدر التي كانت تمثل مساكنهم الدائمة، وعدم قدرتها على حجز ذلك المطر، تجسد ضخامة التحول الذي شهده العالم بعد الحرب العالمية الثانية، حتى غدت الأرض، على سبيل التشبيه، كأنها مرآة صقيلة.

قتل الخنزير – القضاء على الإمبريالية اليابانية

ورد في الحديث9 أن عيسى عليه السلام سيقتل الخنزير. وكما سبق بيانه عند تفسير دلالة دابة الأرض، فإن الحيوانات في النبوءات المستقبلية ترمز إلى الممالك والدول، وفي هذا السياق يرمز الخنزير إلى النزعة الإمبريالية اليابانية واستراتيجيتها التوسعية. وتمثل دلالة “قتل الخنزير” هزيمة الإمبراطورية اليابانية، التي اضطلعت الولايات المتحدة فيها بدور حاسم. ويقوم تصوير الإمبريالية اليابانية في صورة الخنزير على ثلاثة أسباب رئيسة:

(١) ازدواجية اليابان: رفعت اليابان شعار “آسيا للآسيويين” وادعت تحرير آسيا، في حين كانت سياساتها الإمبريالية قائمة على الاستغلال. ويشبه هذا التناقض الخنزير الذي يبدو في ظاهره من جنس الغنم، ولكنه يأكل اللحم أيضا.

(٢) الجشع والسعي إلى الموارد: كانت الحاجة المتزايدة إلى الموارد الصناعية والعسكرية الدافع الرئيس للتوسع الإمبريالي الياباني. وكان استغلال المواد الخام والموارد البشرية في المناطق المحتلة جزءا من استراتيجيتها، وهو ما يرمز إليه نهم الخنزير.

(٣) التوسُّع البحري والبري: بسطت اليابان سيطرتها على عدد كبير من الجزر والمناطق في المحيطين الهادئ والهندي، وهو ما يمثل الحروب التي دارت في البيئات الرطبة والحارة والمستنقعات، وهي بيئات تشبه الموطن الطبيعي للخنزير. ويرمز “قتل الخنزير” إلى القضاء على الطموحات الإمبريالية اليابانية، وإيقاف توسعها، وتحويلها إلى دولة حديثة غير توسعية.

إلغاء الجزية – مبدأ المساواة في الدولة القومية

ورد في الحديث10 أن عيسى عليه السلام سيبطل الجزية. وترمز دلالة إلغاء الجزية إلى قيام نظام يتمتع فيه جميع المواطنين بحقوق متساوية. وبعد الحرب العالمية الثانية، أسست الولايات المتحدة نظاما دوليا جديدا قائما على إنشاء الدول القومية وفق مبدأي المساواة وحق تقرير المصير. وقد تجسد هذا التوجه رسميا في أطر قانونية، مثل ميثاق الأمم المتحدة، الذي أكد مبدأ المساواة والسيادة. كما أسهم هذا التوجه بصورة غير مباشرة في إنهاء العمل بالجزية في كثير من الدول ذات الأغلبية المسلمة، حيث اتجهت حكوماتها إلى ترسيخ مبدأ المساواة بين المواطنين بصرف النظر عن انتمائهم الديني.

كسر الصليب – ترسيخ العِلمانية في العالَم المسيحي

ورد في الحديث11 أن عيسى عليه السلام سيكسر الصليب. وترمز دلالة “كسر الصليب” إلى التحولات العلمانية التي دعمتها الولايات المتحدة في البلدان ذات الأغلبية المسيحية، من خلال تعزيز الفصل بين الكنيسة والدولة. وقد أسهمت الجهود الدبلوماسية والاستثمارات الأمريكية في تقليص النفوذ السياسي للكنيسة، وإتاحة المجال لقيام أنظمة حكم علمانية، مما أدى إلى تحول جذري في بنية الحكم في تلك البلدان. واليوم تعمل معظم الدول ذات الأغلبية المسيحية، ولا سيما في العالم الغربي، في ظل أنظمة علمانية لا تؤدي فيها الكنيسة دورا مؤثرا في شؤون الدولة، وهو ما يعد معادلا رمزيا لكسر الصليب.

النزول حاكمًا عادلًا- إنشاء المؤسسات الدولية بعد الحرب

ورد في الحديث12 أن عيسى عليه السلام سينزل حاكمًا عادلاً. وتتماثل الدلالة الرمزية لتقديم عيسى عليه السلام بوصفه حاكما عادلا مع الدور الذي اضطلعت به الولايات المتحدة في إنشاء المؤسسات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية. فقد أدت دورا محوريا في تأسيس الأمم المتحدة، بهدف تعزيز التعاون الدولي، وتسوية النزاعات، ومنع اندلاع الحروب مستقبلا. ثم أُنشئت لجنة الأمم المتحدة المعنية بإنهاء الاستعمار، لضمان إنهاء السيطرة الاستعمارية ومساندة الدول المستقلة حديثا في ترسيخ سيادتها واستقرارها. وأصبحت الأمم المتحدة إطارا شاملا لتحقيق السلم والعدالة على المستوى الدولي، بما يعكس مفهوم الحكم العادل.

كما طرحت القيادة الأمريكية بعد الحرب مبادرات، مثل مشروع مارشال، لإعادة إعمار أوروبا المدمرة. وأُنشئت مؤسسات، مثل الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة، التي تطورت لاحقا إلى منظمة التجارة العالمية، بهدف تعزيز التجارة الدولية الحرة والعادلة. كذلك أُنشئ نظام بريتون وودز، المتمثل في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، لتحقيق الاستقرار الاقتصادي العالمي ومنع الأزمات الاقتصادية التي قد تؤدي إلى اندلاع حروب جديدة. وتتوافق هذه المبادرات مع الدور المنسوب إلى الحاكم العادل في الأحاديث، والمتمثل في إرساء السلام والعدل والاستقرار الاقتصادي في الأرض.

وفرة الأموال والثروات – مرحلة ما بعد الحرب (١٩٤٥-١٩٧٣)

ورد في الحديث13 /14 أن الأرض ستفيض بالبركة، حتى تكفي ثمارها ومواشيها وسائر مواردها الجماعات والقبائل والأسر. ويتشابه هذا المشهد مع مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، المعروفة باسم “العصر الذهبي للرأسمالية”15 (١٩٤٥-١٩٧٣)، التي شهدت نموا اقتصاديا غير مسبوق على مستوى العالم، تمثل في التوسع الصناعي، والتطور التقني، وازدهار التجارة الدولية، وارتفاع مستوى المعيشة. وقد استفادت بلدان العالم الغربي وعدد من الدول الآسيوية استفادة كبيرة من هذه المرحلة المزدهرة.

وفي المقابل، شهدت الدول التي تبنت السياسات الشيوعية تأخرا في تحقيق الازدهار، ولم تتمكن من تحقيق النمو إلا بعد انتهاج سياسات اقتصادية أكثر تحررا. وتمثل هذه المرحلة من الوفرة المادية زمنا اتسم بالرخاء واتساع الفرص.

سجدة واحدة خير من الدنيا وما فيها :

أهمية العبادة في عصر التحرر بعد الحرب (ولا سيما في ستينيات القرن العشرين)

ورد في الحديث16 أن سجدة واحدة ستكون خيرا من الدنيا وما فيها. ويشير ذلك إلى موجة التحرر التي تسارعت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي تجلت في تراجع القيم الأخلاقية التقليدية، وتعاظم النزعة الفردية، واتساع نطاق رفض السلطات والأعراف السائدة. وعلى الرغم من أن تلك المرحلة اتسمت بالرخاء المادي، فإنها شهدت أيضا تصاعد النزعة الاستهلاكية والمادية، وما صاحب ذلك من أزمات أخلاقية. ومن ثم يبرز الحديث قيمة عبادة الله وأهميتها في زمن تكثر فيه الأموال ووسائل الرفاه، وتشتد فيه الفتن الدنيوية.

(يُتبع …)

  1. 1. باحث وكاتب باكستاني مقيم في أستراليا، تتركز اهتماماته البحثية على دراسة أشراط الساعة ونبوءات الأنبياء في ضوء المقارنة بين الكتاب المقدس (Bible) والقرآن الكريم والحديث النبوي الشريف.
  2. 2. Sahih Muslim 2937a: https://sunnah.com/muslim:2937a
  3. 3. Quran 7:171: https://quran.com/7/171
  4. 4. Sahih Muslim 2937a: https://sunnah.com/muslim:2937a
  5. 5. Revelation 6:5–6: https://www.bible.com/bible/111/REV.6.5-6.111
  6. 6. https://www.nationalww2museum.org/war/articles/franklin-d-roosevelts-d-day-prayer-june-6-1944
  7. 7. Sahih Muslim 2937a: https://sunnah.com/muslim:2937a
  8. 8. https://www.trumanlibrary.gov/library/proclamations/2660/victory-day-prayer
  9. 9. Sahih Bukhari 2476: https://sunnah.com/bukhari:2476
  10. 10. Sahih Bukhari 2476: https://sunnah.com/bukhari:2476
  11. 11. Sahih Bukhari 2476: https://sunnah.com/bukhari:2476
  12. 12. Sahih Bukhari 2476: https://sunnah.com/bukhari:2476
  13. 13. Sahih Muslim 2937a: https://sunnah.com/muslim:2937a
  14. 14. Sahih Bukhari 2476: https://sunnah.com/bukhari:2476
  15. 15. https://en.wikipedia.org/wiki/Post%E2%80%93World_War_II_ economic_expansion
  16. 16. Sahih Bukhari 3448: https://sunnah.com/bukhari:344