انتقل إلى المحتوى

حياة أمين: سيرة الشيخ أمين أحسن الإصلاحي (17)

بقلم: الأستاذ نعیم أحمد بلوش / نقله إلى العربية: أ. عثمان فاروق العربية

]وفقًا لوصية صاحب “تدبر القرآن” الشيخ أمين أحسن الإصلاحي عليه الرحمة [

(17)

التحفّظات على الانتقال إلى بتهان كوت2

وفي حديثه عن هذه الدعوة التي وجّهها إليه الشيخ المودودي، يستعيد الشيخ أمين أحسن الإصلاحي تلك المرحلة من حياته قائلاً:

“ما لبثتُ أن بدأت أتلقى من الشيخ المودودي رسائل مطوّلة تتتابع واحدةً تلو الأخرى، وكان يؤكد فيها أن الجهد الذي أستطيع أن أبذله هنا، في مدرسة الإصلاح، سيظل محدود الأثر وضيق النطاق، بينما الأمة الإسلامية في هذه المرحلة أحوج ما تكون إلى الإفادة من كامل طاقتي العلمية والفكرية. وكان يرى، لذلك، أن الأصلح لي أن أسعى إلى الانتقال إليهم، ثم أخذ يدعم رأيه بما أوتي من قوة حجة وبراعة استدلال. ولقد كنتُ أعترف له بهذه المزية؛ فما رأيتُ أحداً ينافسه في إحكام الاستدلال وحسن عرض البراهين. ومع ذلك، كنت أجيبه بإيجاز قائلاً: إن الأمر عسير، وإن ثمة اعتبارات تحول بيني وبين الإقدام عليه؛ فمدرسة الإصلاح لها عليّ أيادٍ بيضاء لا تُنسى، فكيف يسوغ لي أن أهجرها وأتنكّر لفضلها؟ غير أن الشيخ المودودي كان يواصل محاورتي، ويوقظ في نفسي خواطر كنت أكتمها. والحق أنني كنتُ أجد نفسي مضطراً إلى الإقرار بأن الظروف السائدة في المدرسة لم تكن مهيأةً لتحقيق ما كنت أتطلع إليه من عمل علمي وفكري. فالأشخاص الذين كانت إليهم مقاليد الأمور فيها لم يكونوا قادرين على مؤازرة المشروع الذي أحمله، بل إن بعضهم لم يكن يُضمر لي ما يبعث على الاطمئنان. وكان يساورني هاجس آخر لا يقل أهمية، وهو أن أي مشروع علمي جديد أقيمه في المدرسة سيضعها، لا محالة، في دائرة التنافس مع دار المصنفين. وكنت أستشعر شيئاً من هذا التحفظ لدى الشيخ سيد سليمان الندوي رحمه الله؛ إذ بدا لي أن في طبعه ميلاً إلى مثل هذه الحساسية. ومع ذلك كله، ظل جوابي للشيخ المودودي ثابتاً: وما الضير إن كان العمل محدوداً؟ بل إن هذا هو العمل الذي أريده وأطمح إليه. فلم يكن همّي أن أخوض عملاً جماهيرياً واسع الصدى، وإنما كنت أريد أن أُعنى بفكر الإمام الفراهي، أجمع شتاته، وأرتب أصوله، وأقدمه للناس في صورة متماسكة. ولم أكن ألتفت كثيراً إلى ما وراء ذلك من اعتبارات. غير أن الحقيقة التي لا أستطيع إنكارها هي أنني لم أكن سعيداً في قرارة نفسي بالأجواء التي كانت تكتنف المدرسة آنذاك. ولما اشتد عليّ التردد، قلتُ للشيخ المودودي في نهاية المطاف: دعني أمهل نفسي بعض الوقت.”

يبدو أن الشيخ أمين أحسن الإصلاحي كان قد حسم أمره من حيث المبدأ، ومال إلى قبول دعوة الانتقال إلى بتهان كوت، غير أن ما كان يشغله آنذاك هو العقبات العملية والتبعات الأسرية التي قد تترتب على هذا القرار. ومن أبرز تلك الهواجس ما يتعلق بأطفاله الصغار، إذ يقول مسترجعًا تلك اللحظات:

“كنتُ أقول: إذا ذهبتُ إلى مكان بعيد جدًّا، فإن أطفالي سيشعرون بوطأة هذا البُعد. صحيح أنهم كانوا قد ألفوا العيش مع عمّاتهم، لكن ابتعادي عنهم إلى تلك المسافة لم يكن أمرًا أراه مناسبًا لهم.”

وتتضح أبعاد هذا القلق إذا علمنا أن زوجته الأولى السيدة رابعة رحمها الله كانت قد توفيت في الثامن عشر من شهر رمضان المبارك سنة ١٩٤٤م، ولم يكن قد مضى على هذه الفاجعة إلا وقت يسير. وقد خلّفت وراءها أطفالًا صغارًا كانوا في أمسّ الحاجة إلى الرعاية والعناية الأبوية. وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ الإصلاحي كان قد تزوّج زواجه الأوّل سنة ١٩٢٣م من إحدى قريباته، ورُزق منها خمسة أبناء. وقد أدرك الشيخ المودودي طبيعة هذه المسؤولية الأسرية وما تفرضه من اعتبارات، فتقبّل هذا العذر، وسعى إلى إزالة ما يكتنفه من مخاوف. فكتب إلى الشيخ الإصلاحي ناصحًا أن ينتقل إلى بتهان كوت مع أطفاله جميعًا، مؤكدًا له أن سبل تعليمهم وتربيتهم ستُهيّأ على الوجه الأكمل، وأنه لا داعي لأن يظل أسير التردد أو القلق. وكان يلحّ عليه في التعجيل بالحسم، قائلاً إن دائرة العمل قد اتسعت اتساعًا كبيرًا، وإن الأعباء التي يحملها لم تعد مما يمكن لشخص واحد أن ينهض به وحده.

ولما تحوّلت الدعوة من مجرد عرضٍ للفكرة إلى طلبٍ شخصيٍّ مباشر من الشيخ المودودي، يلتمس فيه من الشيخ الإصلاحي أن يكون شريكًا له في حمل أمانة الدعوة والفكر، لم يجد الأخير بُدًّا من الاستجابة. فغلبت دواعي الواجب على دواعي التردد، وانتهى الأمر إلى ترجيح كفة الشيخ المودودي وحسم القرار لصالح الانتقال. وقد لخّص الشيخ الإصلاحي هذه المرحلة الحاسمة من حياته بكلمات قليلة، لكنها تنبض بما كان يعتمل في نفسه من مشاعر الفراق والتحول، فقال:

“وفي نهاية المطاف كان ما كان… شددتُ الرحال، وغادرتُ ذلك المكان… تركتُ كل شيء وراء ظهري… ومضيتُ إلى بتهان كوت.”

الدافع الحقيقي للانتقال إلى بتهان كوت

وهنا يحسن بنا أن نتوقف قليلًا لنُعيد النظر في الدوافع الحقيقية التي وقفت وراء قرار الشيخ الإصلاحي بالانتقال إلى بتهان كوت، وأن نطرح جملة من الأسئلة التي لا غنى عن استحضارها لفهم هذه المرحلة فهمًا دقيقًا:

١- أكان هذا القرار ثمرة مجاملةٍ شخصيةٍ ومراعاةٍ لعلاقة الود والتقدير التي ربطته بالشيخ المودودي؟

٢- أم أن الشيخ الإصلاحي كان قد بلغ من الاتفاق الفكري مع الشيخ المودودي مبلغًا جعله يرى من واجبه الديني أن يلتحق بحركة إقامة الدين التي كان يقودها، وأن يصبح أحد أعوانها البارزين، حتى يغدو بقاؤه في مدرسة الإصلاح لحظةً واحدةً أخرى أمرًا منافيًا للحكمة ومقتضيات المرحلة؟

٣- إن التأمل في مجمل الوقائع يقود إلى نتيجة أخرى أقرب إلى طبيعة شخصية الشيخ الإصلاحي ومسيرته العلمية. فقد كان، في جوهر اهتمامه، عالمًا وباحثًا قبل كل شيء، وكانت القضية التي تستحوذ على فكره آنذاك هي حفظ تراث أستاذه الإمام الفراهي وإخراجه إلى الناس. وكان يرى أن من واجبه الأول نشر ما تركه أستاذه من مؤلفات ومخطوطات لم ترَ النور بعد، بالعربية والأردية معًا. بل كان يشعر شعورًا عميقًا بأن هذه المسؤولية قد أُلقيت على عاتقه خاصة؛ إذ لم يكن يعرف أحدًا يجمع بين القدرة العلمية والدافع النفسي اللازمين للقيام بهذا العمل على الوجه المطلوب. غير أن الأجواء التي سادت مدرسة الإصلاح في تلك الفترة لم تعد تسمح له بتحقيق هذا الهدف الكبير، ولم يعد يرى إمكانية إنجاز مشروعه العلمي وهو مقيم فيها. ومن هنا بدا له أن قبول الدعوة التي وُجّهت إليه للانتقال إلى بتهانكوت قد يكون المخرج الأنسب، لعلها تفتح أمامه آفاقًا أرحب للعمل وفرصًا أفضل لتحقيق ما نذر نفسه له. وكان الشيخ المودودي، وإن لم يكن في نظره عالمًا بالمعنى العلمي الدقيق الذي يبلغه كبار أهل الاختصاص، رجلًا ذا ثقافة واسعة وعقلية فذة ومكانة فكرية مرموقة، يحظى لديه بقدر كبير من الاحترام والتقدير. ثم إن الشيخ المودودي لم يكتفِ بعرض الفكرة، بل توجّه إليه بطلب شخصي مباشر يلتمس فيه معونته ومشاركته. وفوق ذلك، كانت هناك مساحات من الالتقاء الفكري بين الرجلين من شأنها أن تُيسّر التعاون بينهما. فمع أن الشيخ المودودي لم يكن قد أحاط إحاطةً كافيةً بفكر الإمام الفراهي، ولم يكن يمنحه المكانة المركزية التي كان يراها الشيخ الإصلاحي له، إلا أنه كان يؤمن إيمانًا راسخًا بسيادة القرآن على سائر العلوم الإسلامية، ويرى أن فهمه ينبغي أن يُلتمس من داخله ومن بنيته الذاتية، لا أن يُفرض عليه من الخارج. كما كان، شأن الإصلاحي، شديد النفور من التقليد الجامد والدعوة إلى التسليم الأعمى للموروث. وقد مثّل هذا القدر من الاشتراك في الأصول الفكرية أرضيةً مناسبةً للتعاون، وأحد العوامل التي جعلت الشيخ الإصلاحي يرى في الانتقال إلى بتهانكوت خطوةً يمكن أن تخدم مشروعه العلمي، لا مجرد استجابة لدعوة شخصية أو انخراط كامل في مشروع لا يلتقي مع جميع تفاصيله.

أما فيما يتعلق بالنقطة الأولى، فإن الشيخ الإصلاحي كان يؤمن بالمجاملة ومراعاة الخواطر في حدودٍ معينةٍ فحسب؛ أي في الحدود التي يجيزها الدين ويستحبها. أما إذا آل الأمر إلى أن يُجعل الحق باطلًا والباطل حقًّا، فإنه لم يكن يقبل بذلك بحال. وحياته كلها تشهد على هذا المبدأ، غير أننا نكتفي هنا بذكر شاهد واحد.

فقد قال في مقابلة أجراها بعد وفاة الشيخ المودودي مع الأستاذ سليم منصور، وهو من المنتسبين إلى الجماعة الإسلامية. وكان يسأله عن سبب كثرة انتقاداته للجماعة الإسلامية وللشيخ المودودي، فأجابه قائلًا:

“والحقيقة أن هذه العناية الخاصة والرعاية الفائقة التي أولاها لي الشيخ المودودي لم يُولها لأحد غيري. وعلى الرغم من جميع ما مررنا به من تقلبات وأحداث، فما زلت إلى اليوم أُكنّ لهذه المعاملة أعمق التقدير في قلبي. وأقول بصدق: إن مثل هذه الرعاية لا يستطيع أن يقدمها الإنسان حتى لزوجته وأبنائه. ثم إن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بل إن الأستاذ المودودي، رغم أشد ما وجهته إليه من نقد وأقسى ما كتبته من تعليقات، لم يواجهني يومًا بردٍّ مباشرٍ، لا في مجلس الشورى ولا في الاجتماعات الجماعية ولا في اللقاءات الفردية، وإنما كان يحرص دائمًا على أن يجيب بأقلّ قدر من الكلمات وألين لهجة ممكنة… وأنا كثيرًا ما أفكر أنه لو أنني أحسنت إلى شخص هذا الإحسان، ثم قابلني بمثل ما قابلته به، لعسر عليّ أن أستمر معه في الحديث فضلًا عن المحافظة على العلاقة الاجتماعية بيننا. أما الشيخ المودودي فقد ظل، طوال سنوات طويلة، وفيًّا لعلاقة الصحبة والصداقة هذه بثباتٍ عجيبٍ. ولكن حين وجدت نفسي أمام مفترق طريقين: إما أن أختار الوقوف إلى جانب صديقٍ عطوفٍ كريمٍ كهذا، وإما أن أتمسك بما أراه حقًّا وصوابًا، لم يكن أمامي إلا أن أضحي بالأول وأختار الثاني.”

وفي هذه المقابلة نفسها أوضح كذلك ما كانت تمثله القواسم المشتركة الحقيقية بينه وبين الشيخ المودودي، فقال لـ سليم منصور بصراحة تامة:

“كانت بيني وبين الشيخ المودودي رحمه الله قيمة مشتركة، وهي أنني كنت متحررًا من التقليد والتقيد، وكذلك كان هو متحررًا منهما. ثم إنه بعد ذلك، وبسبب المصالح الحزبية والتنظيمية، لا أدري كم قيدًا قَبِل أن يضعه على نفسه، وكم مسألة أصبح يقول بها واحدةً بعد أخرى، وهي المسائل نفسها التي كنا نسخر منها أيام إقامتنا في بتهان كوت. أما في تلك المرحلة، فلم يكن بيني وبينه اختلاف كبير في طريقة التفكير. فكنا ننظر إلى القضايا الدينية بالمنهج نفسه؛ كيف ينبغي تدبر القرآن الكريم، وكيف ينبغي النظر في الفقه، وكيف يمكن توجيه العلماء إلى هذا المسار، وكيف يمكن إصلاح الناس وتغييرهم. ففي جميع هذه القضايا كانت طريقة تفكيرنا متقاربة إلى حد بعيد.

ومع ذلك، فإلى جانب هذه القواسم المشتركة، كان بيني وبينه اختلاف عميق في الذوق الفكري والمنهج العلمي. فلم يكن مهتمًّا بفكر الشيخ حميد الدين الفراهي، كما أن هذا العمل لم يكن مما يقدر عليه. غير أن هذا الاختلاف لم يكن من النوع الذي يحول دون التعاون بيننا. ولذلك، لما قامت بيني وبين الجماعة تلك العلاقة، حرصت على استمرارها والمحافظة عليها، إلا إذا نشأت ظروف تجعل استمرارها أمرًا مستحيلًا بالنسبة إليّ.”

ومتى وكيف نشأت تلك الظروف، فهذا ما سنعرض له بالتفصيل في موضعه المناسب. غير أننا نود هنا أيضًا أن نزيل بعض الأوهام وسوء الفهم المتعلق بهذه القضية.

(يُتبع …)

“تدبر”، مجلة دينية فصلية بالأردية، لاهور، باكستان، أبريل ١٩٩٨م، صـ ٤٧-٤٨.

  1. 1. رئيس تحرير مجلة «صالحات» النسائية الإسلامية الشهرية (باللغة الأردية)، الصادرة عن مركز غامدي للتعلّم الإسلامي (GCIL) أمريكا.
  2. 2. بتهان كوت (Pathankot): مدينة رئيسة ومركز إداري لإحدى المقاطعات في ولاية بنجاب بالهند. تقع عند سفوح سلسلة جبال شيوالك، وتشكل نقطة التقاء ولايات بنجاب وهيماشال براديش وجامو وكشمير. وتُعرف بـ"بوابة الشمال"؛ إذ تُعدّ مركزًا مهمًّا للمواصلات والعبور إلى المناطق الجبلية في الهيمالايا. كما اتخذتها الجماعة الإسلامية في الهند مقرًّا لمركزها الرئيس في أربعينيات القرن العشرين بقيادة الشيخ سيد أبو الأعلى المودودي عليه الرحمة.