انتقل إلى المحتوى

حیاة أمين سيرة الشيخ أمين أحسن الإصلاحي

بقلم: الأستاذ نعیم أحمد بلوش / نقله إلى العربية: أ. عثمان فاروق العربية

]وفقًا لوصية صاحب “تدبر القرآن” الشيخ أمين أحسن الإصلاحي عليه الرحمة [

(19)

كان الشيخ الإصلاحي قد ذهب إلى بتهانكوت وحده. وكان الشيخ المودودي قد أوضح له من قبل أنه سيضطر إلى إحضار أولاده أيضًا إلى هناك، كما طمأنه بشأن تعليمهم وتربيتهم، مؤكدًا أنه لا داعي لأن يقلق عليهم. غير أن الشيخ الإصلاحي لم يكن لديه تصور واضح عن كيفية تدبير هذا الأمر. فلما كشف له الشيخ المودودي سرّ هذا “التدبير”، أصيب الشيخ الإصلاحي بقلق شديد. ويقول بلسانه:

“لما وصلتُ إلى هنا، شرع هؤلاء يتحدثون عن زواجي… أفهمتَ؟ وأخبروني أن هذا الأمر أيضًا حلقة من حلقات ذلك المشروع. وقد رفضتُ ذلك رفضًا شديدًا.”

“وكان سبب ذلك أن العادة في أسرتنا لم تكن تسمح بأن يتزوج الرجل إذا توفيت زوجته وكان له منها أولاد. فلم يكن هذا الأمر متعارفًا عليه أبدًا، بل كان أفراد أسرتنا ينظرون إليه نظرة استنكار شديدة. وفي حالتي كان الأمر كذلك أيضًا؛ إذ كان يُظن أن لأولادي عمّاتٍ من جهة الأب، وهنّ سيتولين رعايتهم والعناية بهم، ولذلك لم يكن هناك ما يدعو إلى الزواج من أجل الأولاد.”

الزواج الثاني للشيخ الإصلاحي

كان الشيخ الإصلاحي يقول إن تقاليد راجبوت في منطقتهم كانت راسخة جدًا في أسرتهم. وكانت الأسرة المشتركة، والزواج داخل العشيرة نفسها، يُعدّان من القيم الاجتماعية الثابتة في ذلك المجتمع، ولم تكن التعاليم الإسلامية قد تركت فيها أثرًا كبيرًا بعد. غير أن الشيخ المودودي أثَّر في الشيخ الإصلاحي في هذا الجانب أيضًا.

وقد وجّه الشيخ المودودي، بأسلوبه المنطقي المميز، نقدًا شديدًا لاستدلال الشيخ الإصلاحي، وقال بحق إن هذا التفكير غير صحيح إطلاقًا. فعمّات الأولاد من جهة الأب لا يستطعن مساعدتك إلا أيامًا معدودة؛ إذ إنهن سيتزوّجن في نهاية المطاف وينتقلن إلى بيوت أزواجهن، فلا يمكن الاعتماد عليهنّ. ثم إن أمر تربية الأولاد ليس بالأمر الهيّن، بل إن تعليمهم وتربيتهم يقتضيان أن يقيموا معك هنا. فضلًا عن أن وسائل التعليم في القرية هناك محدودة جدًا. ويُقرّ الشيخ الإصلاحي قائلًا:

“عندئذٍ شعرتُ أنني لم أتعامل مع أمر الأولاد بالجدية اللازمة.”

غير أن الشيخ الإصلاحي لم يكن مهيأً نفسيًا لتقبُّل الحل البسيط والطبيعي الذي اقترحه الشيخ المودودي. ويصف شعوره آنذاك بقوله إنه خطر بباله في البداية أن إحضاره إلى بتهانكوت لم يكن إلا محاولة لإيقاعه في الزواج. لكنه بعدما أعاد النظر في الأمر اقتنع بأن هذا هو الحل الأنسب، وأنها نصيحة صادقة أُريد بها الخير. غير أن تنفيذ هذا القرار كان يواجه بعض الصعوبات العملية؛ فقد كان ابنه قد أَلِف عمّاته من جهة الأب بعد وفاة والدته، وكان من الصعب عليه أن يفارقهنّ. ثم إن ضغط الأسرة والعشيرة، الرافض لفكرة الزواج مرة أخرى، كان عقبة أخرى كان عليه أن يتجاوزها.

عندئذٍ كتب إلى والده رسالة، عرض فيها اقتراح الشيخ المودودي بكامله. وذكر أيضًا أن الشيخ المودودي يرى أن هذا الزواج إنما هو في سبيل الدين، ولذلك ينبغي أن نرجو أن تكون عاقبته خيرًا. كما بيّن بالتفصيل حال المرأة التي اقتُرح الزواج بها، وأنها تنتمي إلى أسرة بنجابية ثرية من ملاك الأراضي، وأنه قد أُعِدَّ له أيضًا مسكن مناسب.

ولم يُخفِ تحفظاته، فكتب أن وضعه المالي أقل من وضع تلك الأسرة، وأن طبعه حاد، بينما نشأت تلك السيدة في حياة من الترف والدلال، ولذلك قد لا يتحقق الوفاق بينهما. كما أبدى خشيته من ألا يأنس الأولاد بزوجة أبيهم، فإذا وقع ذلك فقد تزداد المشكلات تعقيدًا بدلًا من أن تُحل.

وكان الشيخ يظن أن والده لن يأذن له بهذا الزواج، وبذلك يكون لديه عذر يتمثل في أنه لا يستطيع مخالفة أمر والده. غير أن الذي حدث هو أن والده كتب إليه قائلًا:

“يبدو أن هذه خطة ربانية، ولذلك ينبغي لك أن تُقدم على هذا الزواج.”

زواج ناجح

معلِّقًا على هذا الزواج، يقول الشيخ:

“لم تكن لديّ أيّ رغبة في هذا الزواج، بأي درجة كانت، لم تكن لديّ أي رغبة فيه،. ولكن لما تمَّ الزواج، سعيت إلى إنجاحه بكل حسن معاشرة، وقد وفقني الله تعالى في ذلك. وكان من أسباب نجاحه أيضًا أنني حظيت بتعاون زوجتي، كما أنني أحدثت تغييرًا كبيرًا في طباعي، فاكتسبت لينًا في المعاملة وحسنًا في الخلق.

ويرجع ذلك إلى أنني كنت أريد أن أرتبط بزوجة لها شخصية مستقلة. أما الزوجات في بيئتنا آنذاك، فكنّ، كما يمكن أن يقال، يعشن في عالمهن الخاص. وكان يبدو أن الزوج والزوجة يملكان عقلين منفصلين تمامًا، ولا يوجد بينهما أي انسجام. ولم يكن مطلوبًا من الزوجة إلا السمع والطاعة، وهذا أمر غير فطري على الإطلاق؛ لأن الاقتصار على السمع والطاعة يطمس شخصية الطرف الآخر.

أما في حالتي، فقد كان الأمر مختلفًا؛ إذ كانت زوجتي من البنجاب، وهي أيضًا ابنة أحد كبار الملاك (تشودري)، ولذلك كان من الطبيعي أن يكون هناك اختلاف في الطباع… غير أن مما يسعدني أن أسرتها كلها أحبتني. وكان والد زوجتي، تشودري عبد الرحمن، يثق بي ثقة كبيرة.”

ونتيجة لهذا القرار، انتقل أولاد الشيخ إلى بتهانكوت. غير أن موقفًا غير مستحب وقع عندما قرر ابنه أبو سعد العودة إلى قرية أخواله. ولم يكن الشيخ راضيًا عن هذا القرار، لكنه لم يحُلْ دونه. إلا أنه تأثر عندما أقنع أبو سعد أخاه الأصغر، أبا صالح، بأن يرافقه. أما ابنته، فقد كانت قد ألفت زوجة أبيها السيدة أنوار الرحمت، ولذلك بقيت هناك.

وقد كانت علاقة الشيخ الإصلاحي بأصهاره علاقة مودة ومحبة. وكان يذكر ذلك بسرور، ويقول إن شقيقة زوجته، السيدة نثار فاطمة، قد توثقت صلتها به كثيرًا، وظلت تقيم معه حتى زواجها.

الدفاع عن الجماعة الإسلامية والشيخ المودودي

سبق أن ذُكر أن الشيخ الإصلاحي انضم إلى الجماعة الإسلامية بناءً على إلحاح الشيخ منظور النعماني، غير أنه لم يلبث أن واجه أمرًا أثار دهشته. فقد انفصل الشيخ منظور النعماني والشيخ أبو الحسن الندوي عن الجماعة الإسلامية. وقد علَّل الشيخ منظور النعماني ذلك بأن الشيخ المودودي لم يكن في نظره ملتزمًا بالتقوى والشعائر الإسلامية بالقدر الذي ينبغي أن يكون عليه قائد حركة إسلامية.

وكان هذا الأمر مثيرًا للاستغراب بالنسبة إلى الشيخ الإصلاحي؛ إذ إنه، كما سبق بيانه، انضم إلى الجماعة رغم أن ذلك كان مخالفًا لطبعه، ورغم عدم اقتناعه الكامل بالكفاءة العلمية للشيخ المودودي. لكن الشيخ منظور النعماني، الذي كان قد دفعه إلى الانضمام إلى الجماعة، أصبح الآن يتراجع عن موقفه.

ويقول الشيخ منظور النعماني نفسه:

“ينبغي أن يُفهم جيدًا أن القضية التي كانت مطروحة أمامي آنذاك لم تكن أن الشيخ المودودي غير أهل للإمارة، ومن ثم ينبغي أن يتنحى عنها، ولا أن بعض أوجه الضعف لديه جعلت الانضمام إلى الجماعة وعضويتها غير جائزين. وإنما كانت المشكلة التي واجهتني تتعلق بشخصي وحدي؛ فقد سبق لي أن شهدت للشيخ مرات عديدة (بل إن الشيخ منظور النعماني نفسه هو الذي رشح اسم الشيخ المودودي لمنصب الإمارة في الاجتماع التأسيسي للجماعة)، ثم تبين لي أن تلك الشهادة لم تكن صحيحة ولا مطابقة للواقع. فإذا بقيت بعد ذلك عضوًا في الجماعة، فكأنني أواصل بعملي تلك الشهادة التي أعلم أنها ليست شهادة صادقة. وكانت هذه هي مشكلتي الأساسية، ولم أجد لها حلًّا، فلم أستطع أن أتخذ قرارًا. وكانت هناك أمور أخرى أيضًا أسهمت في هذا الشعور، لكنها لم تكن بهذه الدرجة من الأهمية، بل كانت هذه هي القضية الأساسية والأهم.”

(قصة رفاقتي مع الشيخ المودودي، الشيخ منظور النعماني، صـ ٦٥)

ويمثل هذا الفصل من التاريخ أهمية كبيرة في نظرنا بالنسبة إلى الجماعة الإسلامية، والشيخ المودودي، وعلماء ديوبند، والشيخ الإصلاحي جميعًا؛ إذ يكشف عن الجذر الحقيقي للخلاف الذي نشأ بين هؤلاء الأعلام، كما يبين الأصل الذي يرجع إليه الخلاف بين علماء مدرسة شبلي والعلماء التقليديين. ولذلك يجدر أن نستعرض هذا الموضوع بإيجازٍ وافٍ.

توقعات الشيخ منظور النعماني

ومن الجدير بالذكر أن الشيخ منظور النعماني والشيخ أبو الحسن علي الندوي كانا ينتميان إلى المدرسة الفكرية الديوبندية. وكانا يريان في الأصل أن تقليد الأئمة الأربعة أمرٌ ضروري لصيانة الإيمان، ولا يعدان الأخذ بأي رأي خارج عن آرائهم أمرًا صحيحًا. كما كانا يقفان في إطار التراث الصوفي كله، ويريان أن الفهم الصحيح للدين هو ذلك الذي تبناه علماء التصوف.

وكذلك كانا يتبنيان، في سبيل تحقيق الغلبة السياسية للدين، منهج حركة سيد أحمد الشهيد. أما علماء ’مدرسة شبلي‘ أي الشيخ الإصلاحي والشيخ المودودي، فكانوا لا يرون جواز تقليد أحد سوى الله ورسوله. كما أنهم لم يكونوا يعدون التفسير الصوفي للدين تفسيرًا صحيحًا، وكانت لهم أيضًا وجهة نظر خاصة في مجال تجديد الدين وإحيائه.

عندما بدأ الشيخ المودودي ينشر في مجلته “ترجمان القرآن” مقالات علمية وفكرية عميقة، يعبّر فيها بألم عن التراجع السياسي والقومي الذي أصاب المسلمين، وجد فيها كل مسلم واعٍ صدىً لما يختلج في نفسه، فانجذبوا إليه. وكان عشرات العلماء، مثل الشيخ منظور النعماني، والشيخ أبي الحسن الندوي، والشيخ الإصلاحي، متأثرين أشد التأثر بهذه الكتابات.

وكان ذلك خلال فترة الحرب العالمية الثانية في شبه القارة الهندية. وقد أدرك عدد من العلماء والمفكرين، ممن كانوا يتمتعون ببصيرة نافذة ورؤية مستقبلية، أن السيطرة البريطانية على شبه القارة لم يعد في مقدورها أن تستمر، وأن قيام نظام سياسي جديد في الهند أصبح أمرًا لا مفر منه. ولهذا أطلق حزب المؤتمر حركة “اتركوا الهند”. وفي تلك الأثناء كان مسلمو شبه القارة الهندية قد انقسموا إلى فريقين: فريق يؤيد موقف حزب (Congress)، وفريق آخر يؤيد حزب (Muslim League).

وفي ظل هذه الظروف، أخذ الشيخ المودودي يُكوّن تدريجيًا تيارًا ثالثًا. فمنذ عام ١٩٤٠م، كان يرى من حيث المبدأ أن موقف الرابطة الإسلامية الداعي إلى تقسيم الهند موقف صحيح، لكنه كان قد أيقن أن قيادة الرابطة غير مؤهلة وغير مناسبة، وأنها لن تبلغ الغاية التي كانت تعد المسلمين بها. ومن ثم أسس الجماعة الإسلامية، وطرح نفسه بوصفه قيادة بديلة، كما عرض في الوقت نفسه الخطوط العامة لبرنامجه في تربية المجتمع الإسلامي وتحقيق السيادة السياسية للإسلام.

وإلى هذه المرحلة، كان عدد قليل من عامّة الناس وخاصتهم، ممن يحملون همّ الأمة، متفقين معه. غير أنه بعد تأسيس الجماعة الإسلامية، وإقامة الروابط التنظيمية بين أعضائها، وبدء الحوار وتبادل الآراء، ظهرت خلافات كثيرة. وانقضت أجواء الحماسة العاطفية، وبرزت أمام أصحاب الفكر والعلم، ولا سيّما العلماء والمثقفين، أسئلة عديدة. وهذا هو السياق الذي يفسر انسحاب أولئك العلماء من الجماعة الإسلامية في بداياتها. وفي ضوء هذا السياق ننقل آراء الشيخ منظور النعماني، لما فيها من عون كبير على فهم حقيقة الموقف.

“اللقاء الأول بالشيخ المودودي: كان كل ما بيننا حتى ذلك الحين علاقة غير مباشرة. (وقد سبق أن بيّن الشيخ النعماني بالتفصيل مدى تأثره بما كان الشيخ المودودي ينشره في مجلة “ترجمان القرآن” من مقالات). ولم تتح لنا فرصة اللقاء من قبل. فسافرتُ إلى دلهي لألتقي به وأتحدث معه بشأن خطط العمل المستقبلية.

وكنت قد سمعتُ أن نمط حياة الشيخ المودودي يختلف كثيرًا عما قد يتصوره المرء من خلال مقالاته المفعمة بالإيمان. حتى إن أحد المشايخ الأفاضل كتب يقول:

“لقد بدأت الآن تنبت على وجه الشيخ المودودي مزرعة الإيمان”.

وقد سررتُ بهذه المعلومة سرورًا كبيرًا.

وعلى كل حال، وصلتُ إلى دلهي للقاء الشيخ… ولما بلغتُ “شمسي كوتج (Cottage)” التقيت به. والواقع أنني عندما رأيته لأول مرة شعرتُ بشيء من الصدمة؛ إذ إن هيئته كانت لا تزال مختلفة اختلافًا كبيرًا عما كان ينبغي أن تكون عليه، وعما تكوّن في ذهني من تصور. صحيح أنه لم يكن آنذاك محلوق اللحية، ولكن التغيير الذي طرأ عليه في هذا الجانب لم يكن إلا شكليًا.

غير أنني، لما كنت شديد التأثّر بمقالات الشيخ… وعلى حدّ ما أذكر، كان ذلك في سنة ١٩٣٧م، بعد أن كانت مقالاته الإيمانية في “ترجمان القرآن” تُنشر منذ أربع أو خمس سنوات، وقد جعلتنا – نحن أمثالي – من أشدّ المعجبين به والمحبين له، وكان تصوري عنه هو التصور الذي ينبغي أن يكون للداعية إلى الله، وتكوّنت بيني وبينه صلة قلبية خاصة؛ لذلك أقنعت نفسي بأن إصلاح حياته العملية قد بدأ بالفعل، وأن هذه الحال لن تستمر – إن شاء الله -، وأن التوافق المنشود بين حياته وكتاباته سيتحقق بإذن الله.

وفي هذا اللقاء جرى بيننا حديث مفصل إلى حدٍّ ما حول العمل في المستقبل. وبعد عدّة أشهر جاء الوقت الذي انتقل فيه الشيخ من حيدر آباد إلى المستوطنة الجديدة المسماة دار الإسلام، الواقعة بالقرب من بتهانكوت، وهي البلدة التي أنشأها ووقفها أحد المحسنين المخلصين، وهو تشودري نياز علي، ابتغاء أن يقيم فيها نفر من عباد الله ليؤدوا خدمة جادة للدين.”

(قصة رفاقتي مع الشيخ المودودي، الشيخ منظور النعماني، صـ ٦٥)

ويجدر بالذكر أن الفقه الحنفي يعدّ إعفاء اللحية بما دون ’قبضة اليد‘ مخالفةً تُعدّ من علامات الفسق، ويرى أن إمامة الفاسق في الصلاة مكروهة. وفي هذا السياق كان الشيخ المودودي مقبلًا على تأسيس جماعة إسلامية وتولي إمامتها.

(يُتبع …)

  1. 1. رئيس تحرير مجلة «صالحات» النسائية الإسلامية الشهرية (باللغة الأردية)، الصادرة عن مركز غامدي للتعلّم الإسلامي (GCIL) أمريكا.