]وفقًا لوصية صاحب “تدبر القرآن” الشيخ أمين أحسن الإصلاحي عليه الرحمة [
(18)
متى وكيف نشأت هذه الأحوال؟ لا ريب أننا سنعرض لهذه العوامل بالتفصيل في موضعها، غير أننا نود هنا أن نزيل أيضًا سوء فهم شائعًا.
هل كان الشيخ الإصلاحي متفقًا مع الرسالة الأساسية للجماعة الإسلامية؟
جرى، من غير مسوِّغ، تصورٌ مؤداه أن الاشتراك في عمل ديني يقتضي اتفاق المشاركين اتفاقًا تامًّا. وهذه النظرة تمثل أقصى مظاهر عدم التسامح؛ إذ تجعل الانسجام الفكري الكامل شرطًا للعمل المشترك. ومن ثم جرى العرف على عدم احتمال أدنى خلاف، حتى غدا الاختلاف يُعدّ معارضة. وقد نشأت أكثر الفرق في بيئتنا على أساس هذا المسلك.
وهذا هو الشأن في هذه القضية أيضًا؛ إذ يُفهم من انضمام الشيخ الإصلاحي إلى الجماعة الإسلامية أنه لم ينضم إليها إلا لأنه كان متفقًا اتفاقًا كاملًا مع رسالتها الأساسية وفلسفتها. وهذا التصور المخالف للواقع كان يساور الشيخ المودودي نفسه؛ إذ يبدو أنه كان يعتقد، بكل إخلاص، أن الشيخ الإصلاحي يوافقه الرأي. غير أن الأيام كشفت، شيئًا فشيئًا، أن الأمر ليس كذلك.
وعليه، فإن البيان المتقدم للشيخ الإصلاحي كفيل، في المقام الأول، بإزالة هذا الوهم البالغ. ومع ذلك، نرى من المناسب أن نشير هنا إلى وثيقة مهمة، ليتبين على وجه الدقة موقف الشيخ الإصلاحي من رسالة الجماعة الإسلامية، وإلى أي مدى كان متفقًا معها.
لمّا قدم الشيخ الإصلاحي إلى بتهانكوت، شعر القائمون على مدرسة الإصلاح بإحساس شديد بالفقد، إذ أدركوا ما خسروه برحيله. فكتب ناظر المدرسة، الحاج رشيد الدين، إلى الشيخ المودودي في ديسمبر سنة ١٩٤٤م، ملتمسًا منه أن الشيخ الإصلاحي هو كل شيء بالنسبة إليهم، وأنه كان الروح المحركة للمدرسة؛ ولذلك اقترح أن يقيم ستة أشهر عندهم، وستة أشهر في مدرسة الإصلاح. فأجابه الشيخ المودودي بأن ذلك غير ممكن، وأضاف إلى ذلك أنه ادعى أن الشيخ الإصلاحي متفق معه اتفاقًا كاملًا. ونورد هنا أهم ما جاء في رسالة الشيخ المودودي:
“إن صلة الشيخ أمين أحسن بمدرسة الإصلاح كانت، في الواقع، على النحو الذي ذكرتم، بل إن الحقيقة هي أنه حتى قبل سنتين أو ثلاث لم يكن هو نفسه يتصور أن تنقطع هذه الصلة بينه وبين المدرسة يومًا ما. غير أن ما انكشف لنا من حقيقة الدين، من خلال دراستنا لكتاب الله وسنة رسوله طوال حياتنا، وما حصل لنا من العلم بمطالبه ومقتضياته، قد أفضى بنا إلى أن نقطع، ونحن على مضض، حتى أوثق صلاتنا وأعزها، لمجرد أن نتيح لأنفسنا الحرية في سلوك الطريق الذي اتضح لنا أنه سبيل خدمة الدين.
ولسنا اليوم نطمئن إلى أن يقتصر الأمر، في هذا العالم الذي أعرض عن الله، على وجود نفر يذكرون اسم الله ودينه، ثم يملؤون بأقوالهم وأعمالهم الدينية القدر الذي يبقى للدين من مجال، في ظل غلبة الكفر وهيمنته.”
“ونحن نرى أن هذا الوضع لا يرضاه دين الحق، كما أن التدين الصادق لا يمكن أن يبقى حيًّا في ظله مدة طويلة. غير أن هذه المدارس الدينية القائمة في البلاد اليوم لا تستطيع أن تؤدي أكثر من هذا القدر من الخدمة، وليس في وسعها أن تقوم بما هو أبعد من ذلك. ومن هنا، فكما أننا غير راضين عن الوضع القائم، فقد زال اطمئناننا كذلك إلى هذه المدارس، وأصبحنا نعد العمل فيها إضاعةً لأوقاتنا وطاقاتنا.
لقد اتضح أمامنا هدف جلي، وهو أن يعلو دين الله، وأن يخضع له الكفر وأهله: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. ومن أجل هذا الهدف اخترنا، بعد روية وتدبر، منهجًا نريد أن نبذل فيه جميع طاقاتنا. ونرى أن صرف لحظة واحدة في غير هذا العمل، مهما يكن ذلك العمل صالحًا في نفسه، يشق علينا؛ لأن الوقت الذي ينبغي أن يُكرَّس لخدمة هذا المقصد العظيم، إنما يكون صرفه في الأعمال الأدنى منه منافيًا للحكمة.
ولذلك، ففي الظروف الراهنة، لا أستطيع أن أقبل أن يخصص الشيخ أمين أحسن نصف وقته للمدرسة، كما أن الشيخ نفسه لن يقبل بذلك. أما الشيء الذي نسعى إليه، فلو كانت مدرسة الإصلاح هي إياه، أو كان في وسعها أن تكونه، لما كان نصف الوقت وحده، بل لكان من الممكن أن يُوقف لها الوقت كله، بل النفس والمال جميعًا.”
(مجلة “تدبر” الفصلية، يوليو – سبتمبر ٢٠٢٤م، صـ ١٤٣)
أما ما أبداه الشيخ الموقر في هذه الرسالة من دعوى، وما أظهره من عدم الرضا عن المدارس الدينية بذلك المستوى وبتلك الكيفية، فهو مما يمكن أن يقال فيه الكثير، غير أن ذلك ليس موضوعنا هنا. وإنما نريد أن نبين في هذا المقام أن دعوى الشيخ المودودي، رحمه الله، القائلة بحصول اتفاق فكري بينه وبين الشيخ الإصلاحي، مؤداه أن الحركة التي بدأها لإقامة غلبة الإسلام في العالم كله تقتضي ـ بوصفها واجبًا دينيًا لا مناص منه ـ أن يترك الشيخ الإصلاحي مدرسة الإصلاح وينتقل إليه، هي دعوى محل نظر.
فليس في تصريحات الشيخ الإصلاحي ما يدل على وجود مثل هذا الاتفاق الفكري. بل إن الأمر على العكس من ذلك؛ إذ إن الشيخ المودودي يستدل بالآية المتقدمة من سورة التوبة على أن رسالة الإسلام تتمثل في السعي إلى بسط سلطان الإسلام على العالم، بينما يفسرها الشيخ الإصلاحي على النحو الآتي:
“قاتلوا أولئك من أهل الكتاب الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرمه الله ورسوله، ولا يدينون بدين الحق، حتى يؤدوا الجزية وهم مغلوبون، ويرضوا بأن يعيشوا خاضعين تحت سلطان المسلمين.”
أي: أولئك من أهل الكتاب الذين أقام عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجة، لا جميع أهل الكتاب والمشركين الذين يأتون إلى قيام الساعة.
ولذلك فإنه يترجم الآية الثالثة والثلاثين من السورة نفسها بما يأتي:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾
ثم يفسر هذه الآية بقوله:
“سبق بيان مضمون هذه الآية في تفسير الآية (١٩٣) من سورة البقرة، والآية (٣٩) من سورة الأنفال. وقد أوضحنا هناك أن أعظم مقاصد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كان أن تطهر أرض الحرم من كل رجس الكفر والشرك، وألا يبقى فيها دين غالب سوى دين الحق، حتى يصبح هذا المركز، مركز دعوة إبراهيم، وفقًا لدعاء إبراهيم، منبعًا للهداية والنور للعالم كله. وهذا هو المعنى الذي تقرره الآية هنا أيضًا؛ فكما أن أهل الكتاب لن يستطيعوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، كذلك لن تفلح محاولات مشركي العرب في قهر هذا الدين، بل سيغلب ـ رغم جميع مساعيهم ـ كل دين في هذه الأرض.” (تدبر القرآن، ٣/٥٦٤).
وعلى النقيض من ذلك، يترجم الشيخ المودودي هاتين الآيتين في تفسيره “تفهيم القرآن” على النحو الآتي:
“قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر من أهل الكتاب، ولا يحرمون ما حرمه الله ورسوله، ولا يدينون بدين الحق، حتى يعطوا الجزية بأيديهم وهم صاغرون.”
كما يترجم الآية الثالثة والثلاثين بقوله:
“هو الله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على جنس الدين كله، ولو كره المشركون.”
وقد أوضح الشيخ المودودي، بإضافته عبارة ’جنس الدين‘، أنه يرى أن غلبة الإسلام على العالم بأسره أمر إلهي مأمور به، كما صرح بذلك أيضًا في رسالته.
ويتضح من هذه المقارنة بجلاء أن الشيخ الإصلاحي يرى أن هذا الحكم خاص بمشركي ذلك العصر وأهل الكتاب فيه، وأن المراد بـ ’الدين كله‘ أديان جزيرة العرب، ولا علاقة له بأهل الكتاب والمشركين في العصور اللاحقة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُقم عليهم الحجة مباشرة. ومن ثم فإن قانون الرسالة لا ينطبق على غير المسلمين في العصر الحاضر. ومن أراد التفصيل فليراجع تفسير الشيخ الإصلاحي للآيات المشار إليها من سورتي البقرة والأنفال.
أما الشيخ المودودي، فيرى أن المراد بذلك جميع المشركين وأهل الكتاب إلى قيام الساعة، وأن المقصود ليس أديان ذلك العصر وحدها، بل جميع الأديان في العالم، وأن تغليب الإسلام عليها جميعًا هو الغاية من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم. وأن الجماعة الإسلامية قد أُنشئت لتحقيق هذا المقصد الذي لم يكتمل بعد. ويجدر بالتنبيه أن هذا هو أيضًا المقصد الذي تتبناه جماعة ’الإخوان المسلمون‘ و’القاعدة‘ و’داعش‘ وسائر التنظيمات الجهادية؛ وإنما يقع الاختلاف بينها في الوسائل والأساليب، أما من حيث المقصد فهو واحد.
وليس غرضنا هنا إجراء موازنة علمية بين هذين الرأيين، وإنما بيان أن بين الشيخ الإصلاحي والشيخ المودودي خلافًا فكريًا جوهريًا في هذه المسألة. ومع ذلك، فقد قبل الشيخ الإصلاحي هذه الدعوة مراعاةً لدقة الظروف، وقيام قدر من الاتفاق في المبادئ، وإجابةً لإلحاح صديق ناصح.
(يُتبع …)
- 1. رئيس تحرير مجلة «صالحات» النسائية الإسلامية الشهرية (باللغة الأردية)، الصادرة عن مركز غامدي للتعلّم الإسلامي (GCIL) أمريكا.