(الاستفسارات المتعلقة بأحاديث سنن ابن ماجة وإجاباتها)
(1)
مطیع سید: يعد سنن ابن ماجة عادةً من الصف السادس في الصحاح الست. ومعيار جودة الإمام البخاري هو الأقوى والأكثر صرامة. لو كان هؤلاء يلاحقون الإمام البخاري، فهل كان المعيار يجب أن يتجاوزه أم يقل وينخفض؟ أم أنهم رأوا أن معيار جودة الحديث يزداد صرامة، ولذا ينبغي أن يكون هناك بعض التساهل؟
عمار ناصر: هذا سؤال جيد وهام أنه هل كان مصنّفوا الصحاح يعملون بناءً على معايير بعضهم البعض وبمقارنة بعضهم البعض؟ بشكل عام يبدو أن الأمر ليس كذلك. وهذا الانطباع ينشأ في الواقع لأن العديد من المجموعات التي جُمعت في تلك الفترة وخاصة المجاميع الخمسة اوالستة منهاحظيت بالقبول الأكبر بين المحدثين، ويظهر أيضًا أن هناك اختلافات في معاييرهم. لذا، عندما ننظر اليوم يمكن أن ينشأ هذا الانطباع بأنهم ربما كانوا يعملون في مقارنة بعضهم البعض. وليس الأمر كذلك. ومع ذلك ربما يمكن هذاالقول فيما يخص الإمام البخاري والإمام مسلم، لأن الإمام مسلم كان لديه تحفظات على بعض شروط الإمام البخاري وقد أخذها بعين الاعتبار في صحيحه حيث لم يتبع نفس الدرجة من الصرامة. بل اعتبر أن المبادئ التي تثبت لقاء الرواة كافية واستند إليها في جلب الروايات. لذا فيما يتعلق بالإمام مسلم، فإن هذا صحيح حيث كان يرى شروط الإمام البخاري أشد صرامة واهتم بتأليف صحيحه في مقارنة بتلك الشروط.
أما بقية المصنفين للسنن فكانوا يعملون على طريقتهم الخاصة في تلك الفترة، ومن الصعب القول بأن هؤلاء كانوا على دراية أو معرفة واسعة بأعمال بعضهم البعض. كانوا يجمعون مجموعاتهم من خلال أبحاثهم وتحقيقاتهم المستقلة. بالإضافة إليهم، كان هناك أيضاً أشخاص آخرون ينخرطون في هذا العمل. نعم، عند اختيار بعضها بناءً على صحتها الشاملة تم تصنيفها وقرر في ذلك أن معيار كتاب معين كان أكثر صرامة بالنسبة للآخر. ربما لم يكن أمام أعين المؤلفين أنني سوف أختار شرطًا أكثر ليونة أو صرامة من شرط محدث آخر. لكن مهما كان ذوقهم أو معيارهم، فقد جمعوا الروايات بناءً عليه. ومع ذلك، نحن نرى الآن أن هناك فرقًا في التصنيف بينهم كأمر واقع.
مطیع سید: هل كان الإمام مسلم تلميذاً مباشراً للإمام البخاري، ولذلك وضع عمله أمامه؟
عمار ناصر: نعم كان الإمام مسلم تلميذًا للإمام البخاري، وكان الإمام الترمذي أيضًا تلميذًا له ولكن الإمام الترمذي وضع اصطلاحات خاصة له ووضع شروطًا خاصة به، وكان الهدف الأساسي من كتابه مختلفًا أيضًا.
مطیع سید: في باب اتباع سنة الرسول قد أخرج الإمام ابن ماجة هذه الرواية حيث قال:”لايزال طائفة من امتي ظاهرين على الحق” (أبواب السنة، باب اتباعِ سنة رسول الله رقم 6-7) أي سيكون هناك جماعة من أمتي تكون غالبة وتبقى ثابتة على الدين. وكل فرقة عندنا وكل مجموعة تعتبر نفسها مصداقاً لهذه الجماعة. ما هو برأيكم الهدف الحقيقي من هذا القول للنبي صلى الله عليه وسلم؟
عمار ناصر: السؤال الرئيسي في ذلك أنه من أي زاوية يخبر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر؟ إذا كان يخبر من زاوية أن يصل الأمر إلى القادمين من بعده ويرتبطوا بهذه الجماعة الواحدة، فإن هذا يصبح سؤالًا مهمًا في غاية الأهمية لمعرفة المعنى الأصلي أولًا. وإلا كيف يقرر الناس من بين جميع الجماعات أي جماعة هي؟ في الحقيقة يبدو أنه لم يكن الهدف الأساسي من هذا القول هو تحقيق ذلك بلكان الهدف الأساسي هو إبلاغ المستمعين بأن الدين الذي قدمته، سيشهد بعد فترة من الزمن بعض الخلل، ولن يتمكن الجميع من الثبات على صورته المعيارية. ومع ذلك، فإن الله تعالى سيتولى تدبير أمر هذا بأن تبقى جماعة واحدة، على الأقل، ثابتة على ذلك حتى وإن كانت قليلة العدد وضعيفة. فهذا لا يهم، لكنها ستكون موجودة بلا شك. أما بالنسبة لمسألة كيفية التعرف على الدين الصحيح في أوقات الاختلاف والفتن، فهذا سؤال منفصل. وقد تم تناول جوانب مختلفة منه في أحاديث أخرى.
مطیع سید: قد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما معناه أنه سيكون رجل متكئاً على وسادته ويقول: يكفينا القرآن ولا نحتاج إلى الحديث. (أبواب السنة، باب تعظیم حدیث رسول الله و التغلیظ علی من عارضه، رقم 12) لا يبدو في ظاهر الأمر أن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا سوف يتخذون مثل هذا الموقف فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر هذا كنبؤة فقط أم أنه شعر بمثل هذه المواقف؟
عمار ناصر: إنه يتنبأ بها كإشارة إلى المستقبل، وهذه الفتن على الرغم من أنها ظهرت فعلياً فيما بعد، إلا أن مظاهرها كانت واضحة لديه في زمانه مثل الخوارج، الذين ظهروا كفتنة منظمة لاحقاً، لكن منهجهم الديني كان قد بدت تباشيره في العهد النبوي نفسه فأشار إلى ذلك من خلال مثال شخص معين مبيناً أن أناساً من نفس النهج سوف يظهرون. فكانت بديهيات وإشارات أولية واضحة لديه وفيما بعد ظهر هذا النهج في شكل منظم جداً في أوقاته الخاصة.
مطیع سید: يقول ابن كعب إنه عندما أرسله عمر ليكون عاملاً على الكوفة رافقه عمر مسافة بعيدة في الطريق ووصاه قائلاً: إن الناس سيسألونك بشغف كبير عن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ولكن قلل من روايتها. (أبواب السنة، باب التوقي في الحدیث عن رسول الله، رقم 28) ويبدو أن يكون لدى الناس شغف بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا بظاهره ليس بشيء سيئ، والحديث عن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة هو عمل جيد جداً، فما ذا كان السياق لقول عمر رضي الله عنه هذا؟
عمار ناصر: إن معظم كبار الصحابة كانوا يذهبون مذهب تقليل الرواية. أما المؤيدون لتكثير الرواية فكانوا قلة، مثل أبي هريرة رضي الله عنه أو عبد الله بن عمرو رضي الله عنه. وفي هذا الصدد، كانت مخاوفهم الأساسية اثنتين أو ثلاث يعبرون عنها في رواياتهم. وكان أكبر هذه المخاوف هو نفسه الخوف الذي كان قد بدا للنبي صلى الله عليه وسلم أيضا، إنهم أرادوا أن تظل انتباه الأمة متركزة على القرآن بشكل أكبر. وإذا كانت الأحاديث سببًا في إلهاء هذا الانتباه، فهذا أيضا لا يكون صحيحًا، ولهذا السبب منع صلى الله عليه وسلم الناس فترة معينة من كتابة الأحاديث. وكانت هذه أيضًا الأولوية للخليفة عمر رضي الله عنه أن يكون انتباه الناس متركزًا على القرآن. وإذا أصبح انتباه الناس يتركز على جمع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن العناية والتوجه الذي ينبغي أن يحظى به القرآن قد ينقص أو يتفرق.
النقطة الثانية هي أن القرآن كان يتم نقله بدقة وحرص باللفظ ولا توجد فيه إمكانية للزيادة أو النقصان. ولكن من خلال الأحاديث قد يُفتح الطريق لنسبة الكذب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومع كثرة الروايات يزداد احتمال الوقوع في الخطأ. وهذا الضرر سيكون أكبر من الفائدة الظاهرة التي قد تتحقق من نقلها. من البديهي أن الصحابة عندما ينتقلون إلى مختلف المناطق، والناس الذين يسألونهم عن الأحاديث، ستكون خلفياتهم مختلفة، وقد يكون منهم بعض الأشخاص الذين يسعون لزرع الفتنة. إذاً فكان قلق سيدنا عمر هو أنه كلما زادت وتيرة رواية الأحاديث، أصبح من السهل على الناس إدخال الكذب فيها.
ثالثًا، الأمر الكبيرهو ما ذكر في آثار بعض الصحابة، مثل آثار علي، أن هناك في كلام النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا أمور دقيقة جدًا، وفهمها من متخصصات ومسؤوليات أهل العلم. خاصةً إذا كان لهذه الأمور خلفية تاريخية، فإن الشخص الغير مدرك لها قد يقع في سوء الفهم. لذلك كان الصحابة يشعرون بالقلق من أن بعض الأمور الصحيحة التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم قد لا تكون مفهومة بشكل كافٍ للناس الجدد أو للأشخاص ذوي الفهم القليل، وقد يقومون باستخدامها لإحداث فتن في الدين. فكانت هذه بعض الأسباب الواضحة لمنعهم من إكثار الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
مطیع سید: وبعد ذلك، ظهرت نفس هذه القضايا التي دفعت المحدثين إلى التوجه نحو تحقيق الحديث.
عمار ناصر: نعم، لهذا السبب كان على الأمة أن تبذل جهدًا كبيرًا وتقضي قرنين أو ثلاثة في خدمة هذا العلم.
مطیع سید: قال النبي صلى الله عليه وسلم مامعناه “عندما تواجه شيئًا تكرهه، فلا تقل: لو فعلت كذا أو كذا لربما لم يحدث هذا، بل قل كانت هذه قضاء من الله وحدث كما شاء، لأن “لو” تفتح لك باب الشيطان.” أو كما قال عليه السلام. (ابواب السنة، باب فی القدر، رقم 79)
ولكن إذا بدأنا ننظر إلى كل حادثة من حياتنا بهذه الطريقة فلن ينشأ النقد الذاتي والمحاسبة الذاتية ولا يمكنك التقدم دون انتقاد ماضيك. هذا السلوك يبدو أحادي الجانب؟
عمار ناصر: هناك أمران مختلفان: الأول هو أنك قمت باتخاذ قرار وارتكبت خطأ من الناحية التدبيرية، فعليك أن تستفيد من ذلك بالتفكر في أنه لو كنت فعلت ذلك أو قمته بطريقة مختلفة لكان من الممكن أن تكون النتيجة مختلفة. هذا شيء آخر، ولم يمنع منه في الحديث. ما يُم نع منه في الحديث هو أن يتعلق بذهنك عمل قد جرى خلاف الرغبة، وتظل تتحسر عليه قائلاً: ليتني فعلت كذا أو لم أفعل، فإنهذا التأسف المستمر يمكن أن يدمر شخصيتك ويفتح باباً لوساوس الشيطان. فيبدأ الشيطان بزرع الشكوى والوساوس في قلبك عن الله والأمور من هذا القبيل. وقد نُهي عن ذلك في الحديث.
مطیع سید: و ردت هناك العديد من الأحاديث فيما يتعلق بالخوارج حتى تصل إلى الكلمات التي تفيد بأنه إذا رأيتموهم أو التقيتم بهم فاقتلوهم. (ابواب السنة، باب فی ذکر الخوارج، رقم 168)
ولكن قال سيدنا علي إنه ما داموا لا يرفعون السلاح لن نقتلهم بينما في الأحاديث هناك ألفاظ كهذه: حيثما وجدتموهم، فاقتلوهم. ولم يرد في الأحاديث أنهم إذا لم يرفعوا السلاح فعليكم أن تمتنعوا عنهم؟
عمار ناصر: لا، لا يقصد بهذه الكلمات أنه ينبغي قتلهم حتى لو لم يثيروا فتنة المقصود هو أنه لا ينبغي التراخي في قتالهم أو اعتبارهم فتنة، ولكن فقط ينبغي قتلهم وقتالهم عندما يكونون في حالة قتال و مصممين على نشر الشر. هذا أسلوب تأكيد، كما ورد في القرآن “فَخُذُوْهُمْ وَاقْتُلُوْهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوْهُمْ “(النساء 4: 89)، أي ينبغي أن لا يكون هناك أي جانب من اللين تجاههم، وليس المعنى أن تقتلهم حيثما تراهم دون التحقق أو دون استخدام خيار آخر، هذا ليس المقصود. وهنا أيضاً يجب أن تكونوا حازمين في اتخاذ الإجراء وإذا كانوا مصرين على الفساد فيجب أن لا يكون هناك أي نقص في عزيمتكم.
مطیع سید: وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد بين المسافة بين السماوات السبع وما بينهن وقال مامعناه أن هناك ثمانية ماعز جبلية تحمل العرش، ويبيّن المسافة بين ركبهن وحوافرهن. ثم يبيّن المسافة من سماء إلى سماء أخرى. (أبواب السنة، باب فیما انکرت الجهمية، رقم 193) على أن أسلوب القرآن الحكيم هو أنه يذكر هذه الآيات بصيغة متشابهات ولا يحب الخوض في مثل هذه الأمورالجزئية. إنه يكتفي بذكرٍ إجمالي ويمضي قدماً فلماذا تُفصّل هذه الأمور في الأحاديث بهذا القدر؟
عمار ناصر: المتشابهات التي يُكره التعمق فيها أو البحث عنها، فهي مشروطة بأنه إذا كانت المسائل من نوع قد بين الله تعالى ما يكفي لفهمه إجمالاً، فلا ينبغي الخوض فيها. والسبب في عدم الخوض فيها هو أنه لا يستطيع أحد سوى الله تعالى أن يفصل ما أجمل، أو أن يحاول فتح ما هو مغلق، فذلك ليس من قدرته. إذ أنه سوف يسير وراء خيالات لا أساس لها. ولكن إذا بيّن الله تعالى نفسه أو رسوله بعض التفاصيل لإفهام الناس حتى تتشكل في أذهانهم صورة ذهنية عن عرش الله أو محكمته أو حضرته، فهذا ليس مناقضًا.
مطیع سید: إن هناك حديثا يفيد أن خمس خصال من الفطرة ومنها الختان (کتاب الطهارة وسننها، باب الفطرة، رقم 292) فما المقصود بالفطرة هنا ؟ يبدو أن الختان قد بدأ مع النبي إبراهيم عليه السلام. إذا كان هذا من الفطرة، فيجب أن يكون منذ اليوم الأول.
عمار ناصر: أن المقصود بالفطرة هو أن الله تعالى يحب النظافة والطهارة الجسدية للإنسان. والطريقة المحببة إلى الله تعالى التي يجب أن يكون عليها الإنسان هي الفطرة. ومن المعقول أن تكون هذه الطرق الطبيعية قد علمت للبشر منذ البداية مثل تعليمهم تنظيف الأسنان والأنف وإزالة الشعر الزائد من الجسم. ولكن قد يكون الختان ضمن هذه الأمور الطبيعية باعتبار التغليب فمن ناحية له علاقة بالنظافة الجسدية، إلا أنه في الأصل هو رمز محدد تم تحديده للنبي إبراهيم عليه السلام وذريته.
ومن الممكن أيضا أن يكون هذا الأسلوب قد أخبر البشر من قبل الأنبياء منذ البداية، ولكن بعد ذلك عفا عليها الزمن فيهم وعاد إبراهيم وجددها، أي أنه كان أول نبي حسب التاريخ المعروف الذي أجرى هذه العادة مرة ثانية. إذا كان هذا يمكن افتراضه، فمن المفهوم أن يحسب من الطبيعة أيضا. نعم، إنه بحث مختلف حول ما إذا كان الناس في جميع أنحاء العالم يتكيفون مع هذه الطبيعة المرغوبة تماما. كما هو الحال مع الشرك، فإن الله تعالى لم يخلق الإنسان على الشرك، لقد خلقه على التوحيد، لكن العالم كله كان يعاني من الشرك. ثم رحم الله إبراهيم ونسله رحمة خاصة فوصفها بنعمة أن تضل بقية أمم العالم وقمت بترشيد وإنزال هداية لكم.
مطیع سید: روي عن ابن عباس أنه قال إن الناس يغسلون أقدامهم في الوضوء، بينما أنا أجد في كتاب الله المسح فقط (کتاب الطهارة وسننها ، باب ماجاء فی غسل القدمین، رقم 458)
هل هذا الموقف مقتصر على ابن عباس فقط أم هناك صحابة آخرون يشاركونه في ذلك؟
عمار ناصر: كان هذا الموقف موجودًا أيضًا بين الصحابة وبين مجموعة من التابعين. يبدو أن مصدر هذا الموقف هو أن الآية المتعلقة بالوضوء في القرآن جاءت بأسلوب يمكّن من ربط “أرجلكم” بالفعل القريب، وهو المسح، مما يعني أن تمسحوا أرجلَكُم. وعندما يقرأ هؤلاء الآية، يبدو أن هناك فعلان ذُكرا وتحتهما عضوين لكل منهما، ولكن عندما ينظرون إلى عمل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، يجدونه مخالفًا لذلك. من الواضح أنه كان عليهم تقديم أي توجيه أو تفسير لذلك، فرأوا أنه من الأفضل أنه تم إعطاء الأمر بالمسح من قبل الله لكن لم يُمنع من الغسل. وقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم غسل القدمين بدلاً من الاكتفاء بالمسح لمزيد من الطهارة، واعتمد الناس هذا الفعل، ولكن في الأصل كان الفرض من الله تعالى هو المسح. في اعتقادي، إنهم يرون الأمر بهذا الشكل
مطیع سید: كيف نشأت رواية المسح على القدمين لدى الشيعة؟
عمار ناصر: أعتقد أن عبد الله بن عباس رضي الله عنه من كبار العلماء في أهل البيت، وهكذا يمكن أن يكون هناك آخرون، وقد تبنوا موقفه. لفترة طويلة لم يتضمن هذا الخلاف الجانب الشيعي والسني في العصور الأولى، ولذانجد أن العديد من التابعين كانوا يتمسكون بنفس الموقف. بل إذا نظرت إلى “البرهان” للبدرالدين الزركشي، وهو عالم من القرن الثامن الهجري، فستجد أنه يعبر عن نفس الرأي بأن الله تعالى أمر بالمسح فقط.
مطیع سید: قال النبي صلى الله عليه وسلم ما مفهومه: “توضأوا بعد أكل لحم الإبل ولكن لا داعي للوضوء بعد أكل لحم الماعز.” ( کتاب الطهارة وسننها ، باب ماجاء فی الوضوء من لحوم الابل، رقم 496-497) وهناك أيضا خلاف بين الفقهاء حول ما إذا كان لحم الإبل ناقضا للوضوء أم لا. فما هي خلفية ذلك فيما يتعلق بلحم الإبل؟
عمار ناصر: هناك أمران في ذلك، الأمر الأول يتضح من الروايات ومن عمل الصحابة أيضًا أن هذا الحكم على جانب الاستحباب، ولا ينبغي إدخاله في بحث النواقض.
كما هو الحال في رواية لحم الإبل وكذلك الروايات عن الأكل من الطعام الذي طُبخ على النار، والوضوء بعد مسّ العورة. عندما يأخذ الفقهاء هذا من حيث نواقض الوضوء فإن النقاش يصبح مختلفًا. ويبدأ البحث حول الناسخ والمنسوخ والترجيح وما إلى ذلك، ولكن إذا نظرت إلى القضية من الجانب الاستحبابي كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالنوافل مع الفرائض، فإنه عليه الصلاة والسلام كان يتوضأ استحبابًا حتى مع استمرار الوضوء. وهكذا يقال بعد القيام بتلك الأعمال المختلفة أنه يُتوَضأ استحبابًا. هذا ليس فقط أمرًا فقهيًا، بل هو أمر روحي أيضًا. إذا نُظر من هذا الجانب، فإن الإشكال ينتهي. ومع ذلك، يبقى السؤال عما قد يكون في تناول لحم الإبل مما لايوجد في تناول لحم الغنم. فيقدم الشارحون لذلك تفسيرات مختلفة، بعضهم يقول أن الدهنية في لحمها قد تكون السبب. وبعضهم يقول مثلما نهي عن الصلاة في مرابض الإبل لوجود صلة ما بينها وبين الجن أو الشياطين، فقد يكون نفس الجانب متعلقا بلحم الإبل. قد يكون هناك أيضًا شيء لطيف جدًا يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم وبناءً عليه استحسن أن يتوضأ بعد أكل لحم الإبل.
مطیع سید: وروي أيضا أن أي قوم تسوء أفعالها، يبدأون في تزيين المساجد. أو كما قال عليه السلام (کتاب المساجد و الجماعات، باب تشیید المساجد، رقم 741) فماذا يعني ذلك؟
عمار ناصر: المقصود بذلك هو أن من علامات تدهور الحالة الأخلاقية والدينية لأي أمة هو تركيزها الشديد على تزيين دور العبادة. فإن النقطة الأساسية التي يراد لفت الانتباه إليها هنا ليست منع تزيين المساجد بل المقصود هو لماذا ينشأ هذا السلوك؟ يحدث هذا عندما يبدأ الناس في إعطاء الأولوية للمظهر والظاهر بدلاً من العمل الحقيقي، ويفكرون بذلك في أنهم قاموا بإنجاز كبير في الدين فأشير هنا إلى هذا السلوك وهو بناء مسجد جميل للغاية، بينما الله تعالى يريد أن يرى كيف تؤدي صلاتك.
مطیع سید: هناك صحابي يتمتع بصحة جيدة، يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تفضل بزيارة منزلي، فأنا أرغب في تخصيص مكان للصلاة في داري. ويذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله ويؤدي الصلاة هناك، بينما في رواية أخرى يطلب ابن أم مكتوم الإذن من النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة في المنزل، فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم “لا أجد لك في هذا رخصة”. (کتاب المساجد والجماعات، باب التغلیظ في التخلف عن الجماعة، رقم 792)
عمار ناصر: هذان أمران مختلفان. في البداية، يطلب الصحابي الصلاة النافلة في البيت. وهو يرغب أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم في مكان من داره ليكون ذلك مباركًا له، أما ابن أم مكتوم، فهو يطلب الرخصة من صلاة الفرض.
مطیع سید: لكن لم يقبل النبي صلى الله عليه وسلم عذره، رغم أنه كان لديه عذراً مقبولاً يمكن قبوله؟
عمار ناصر: في حادثة مشابهة قد قبل النبي صلى الله عليه وسلم عذرًا فكان هناك صحابي آخر، أعطاه النبي هذه الرخصة، لذلك لا يستنتج الفقهاء من هذه الحالة أن مثل هذا العذر غير مقبول. بل يحاولون تفسير هذه الرواية، ويعتقدون أن هناك سببًا آخر، والذي من أجله لم يرض النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي ابن أم مكتوم في البيت ولكن من الظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له إن الرخصة غير موجودة. وكان أيضًا مسؤولاً عن الأذان في المسجد.
مطیع سید: قد يكون أيضًا في ذلك العصر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يشارك المسلمون بأكبر عدد ممكن في الجماعة؟
عمار ناصر: قد يكون ذلك، وقد يكون أن ابن أم مكتوم كانت له مسؤولية في المسجد، مثل الأذان، وعندما لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم هناك كان يتولى الإمامة أيضاً.وقد يكون شخصيته المميزة في الاعتبار. من الممكن أن كان الهدف تقديم مثال مع الأخذ في الاعتبار مسؤوليته رغم كونه أعمى، أو قد يكون روعي هناك جانب آخرو. لا نعلم بشكل محدد ما هو السبب الذي لم يُمنح له العذر.
(للبحث صلة …)
(مترجم من الأردية)