انتقل إلى المحتوى

دور الدعوة والداعية (11)

الشيخ وحيد الدين خان رحمه الله / صاغه بالعربية: د. محمد غطريف شهباز الندوي العربية

ختم النبوة

بعد انتهاء النبوة، أصبحت أمة محمد ﷺ تقوم برسالة النبوة، أي أن عليها أن تقوم بنفس العمل الذي قام به النبي في زمانه. ومن هذا يتضح أن كون الأمة “أمةً محمديةً” متوقف تمامًا على قيامها بهذا الدور، وهو أن تنوب عن النبي في تبليغ ما أنزل الله، وأن تظل توصل دين الله إلى الناس في كل زمان بصورته الصافية غير المختلطة.

انتهاء النبوّة

بحسب العقيدة الإسلامية، فإنّ سلسلة مجيء الأنبياء بدأت منذ اللحظة التي خُلق فيها الإنسان وأُسكن على هذه الأرض. فآدم كان أوّل إنسان وأوّل نبي أيضًا (آل عمران، 3: 33). ومن بعده جاء الأنبياء تباعًا في كلّ عصر وفي كلّ أمّة، يبلّغون الناس رسالات الله .(المؤمنون، 23: 44).

وفي الربع الأوّل من القرن السابع الميلادي ظهر نبيّ الإسلام ﷺ في مكّة القديمة، وأنزل الله عليه كتابه: القرآن. وفي هذا الكتاب أُعلن أنّ محمّدًا رسول الله، وأنّه خاتَم النبيّين (الأحزاب، 33: 40). وكلمة خاتَم أو Seal معناها: إغلاق الشيء إغلاقًا تامًّا لا يُزاد فيه شيء بعد ذلك:

Seal: To close completely

وقد أعلن النبيّ ﷺ بنفسه ختم النبوّة من بعده فقال: “لا نبي بعدي” (صحيح البخاري، رقم الحديث 3455)، أي: لن يأتي نبي بعدي.

ومعنى ختم النبوّة هو انتهاء الحاجة إلى النبوّة. فبعد محمد ﷺ لم تبقَ هناك ضرورة لمجيء نبي جديد، لأنّ الدين الذي جاء به لايزال محفوظًا بصورة استثنائية. وإذا حُفظ الدين الإلهي كاملاً، صار هو وحده المصدر المعتمد للهداية. فالاحتياج الحقيقي ليس إلى نبي جديد، بل إلى دين محفوظ.

وقد بيّن القرآن هذه الحقيقة بوضوح في قوله تعالى في سورة المائدة، في آية نزلت على النبي ﷺ يوم حجّة الوداع، وهو واقف بعرفات على ناقته:

﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينًا﴾ (المائدة، 5: 3).

وهذه الآية العظيمة تشتمل على ثلاثة معانٍ كبرى:

1- إكمال الدين: أي أنّ جميع الأحكام التي قدّر الله أن تُنزّل على هذه الأمّة قد اكتملت، ولم يبق شيء لم يُبلّغ.

2- إتمام النعمة: أي تكوّنت حول القرآن جماعة الصحابة، وهي جماعة قويّة تضمن حفظ هذا الكتاب بعد النبي ﷺ.

3- رضا الإسلام دينًا: أي أنّ الإسلام أصبح الدين الإلهي المعتمد إلى الأبد.

ذكر القرآن أسماء خمسةٍ وعشرين نبيًا، لكنّ النبي ﷺ أخبر أنّ عدد الأنبياء الذين أرسلهم الله في الأزمنة القديمة بلغ مائة وأربعة وعشرين ألفًا (المعجم الكبير للطبراني، رقم الحديث 7871). غير أنّ أكثر هؤلاء الأنبياء لم يؤمن بهم إلا القليل، فلم تتكوّن معهم جماعة تحفظ كتبهم، فاندثرت كتبهم وصحائفهم بمرور الزمن.

أما محمد ﷺ فكان استثنائيًا؛ إذ وُلد في مكّة عام 570م في بيئة بني إسماعيل، أهل الصحراء، الذين ظلّوا على الفطرة السليمة لبُعدهم عن الحضارات المترفة. ولهذا آمن به عدد كبير، فوجد أنصارًا مخلصين أقوياء.

وقد بشّرت التوراة بهذا الحدث في قولها:

He came with ten thousand of saints (التثنية 33:2) – أي: “جاء ومعه عشرة آلاف من القدّيسين”.

وفعلًا، حين عاد النبي ﷺ إلى مكّة فاتحًا في السنة الثامنة للهجرة (630م) كان معه عشرة آلاف من الصحابة. ثم في حجّة الوداع، قبل وفاته ﷺ بشهرين تقريبًا، تجاوز عدد الصحابة المائة ألف. وعند وفاته في المدينة سنة 632م كان معظم سكان جزيرة العرب قد دخلوا في الإسلام، وقد بلغ عدد أصحابه قرابة مائتي ألف.

وهكذا حظي النبي ﷺ بجماعة استثنائية من الأتباع الأوفياء، كلّ واحد منهم يُعدّ بطلاً كما يصفهم المؤرّخون. وقد واجه المسلمون بعد وفاته أقوى إمبراطوريتين في العالم آنذاك: البيزنطية والساسانية. وانتهى الصراع بانهيار الإمبراطوريتين، وهو ما أشارت إليه نبوءة في الكتاب المقدّس:

And the everlasting mountains were scattered (حبقوق 3:6) – أي: “والجبال الأزلية تكسّرت”.

وبهذا قامت بعد وفاة الرسول ﷺ مباشرة دولة إسلامية عظيمة، وأصبحت للإسلام قوّة سياسية كبرى. وقد اعترف المؤرخون بأهمية هذا الحدث الفريد. ومنهم المؤرخ الهندي الماركسي م. اين. رائي (توفي 1954)، الذي قال في كتابه The Historical Role of Islam (دور الإسلام التاريخي، 1937م):

The expansion of Islam is the most miraculous of all miracles.

“إن انتشار الإسلام هو أعظم المعجزات على الإطلاق”.

بعد وفاة النبي ﷺ انشغل الصحابة بحفظ القرآن، كتابةً وحفظًا ونشرًا، حتى صاروا وكأنهم “مكتبة حيّة”. ثم جاءت الدولة الإسلامية لتدعم هذه المهمّة بقوّة سياسية، فاستمرّت حملة حفظ القرآن بلا انقطاع قرابة ألف سنة.

وكان ذلك حدثًا استثنائيًا لم يحدث مع أي كتاب آخر – لا كتاب سماوي سابق ولا كتاب بشري – سوى القرآن الكريم.

صيانة القرآن وحمايته

في الأزمنة الماضية، كان كل نبي يأتي لهداية البشر يحمل معه كتابًا أو صحفًا من عند الله، لكن هذه الكتب والصحف لم تُحفظ على مرّ الزمن. والسبب في ذلك أنّه قبل النبي محمد ﷺ لم تتوافر لأي نبي جماعة قوية وواعية من الأتباع تتولى حماية كتابه. أمّا النبي ﷺ فقد كان استثناءً؛ إذ اجتمع حوله فريق متماسك من الصحابة، وأصبحوا الضامن لحماية القرآن.

وقد كتب أحد المستشرقين – بعد دراسة متعمقة لهذا الموضوع – أن أصحاب النبي ﷺ باشروا مباشرةً بعد وفاته بحماية القرآن، واتّبعوا في ذلك لأول مرة في التاريخ نظام المراجعة المضاعفة (double checking system). وهو أسلوب لا يترك أي احتمال للخلل في صيانة النص.

فعندما توفي النبي ﷺ في المدينة سنة 632م، كان هناك آلاف من الصحابة يحفظون القرآن كاملًا عن ظهر قلب. إضافة إلى ذلك، كان ﷺ يأمر فور نزول أي جزء من الوحي بكتابته على الرقّ والقرطاس، غير أنّ هذه الكتابات لم تكن مجموعة في مصحف واحد. ولذلك قام الخليفة الأول أبو بكر رضي الله عنه بتشكيل لجنة برئاسة زيد بن ثابت الأنصاري (ت 665م)، فجمعت اللجنة كل ما كُتب من القرآن، ثم قابلته بما في صدور الحفاظ، وقابلت الحفظ بالكتابة أيضًا. وبعد هذه المراجعة المزدوجة أُنجز مصحف معتمد أُطلق عليه اسم الرُّبعة لشكل صفحاته المربعة والمصحف الإمام. ومنه نُسخت مصاحف أخرى انتشرت في أنحاء العالم الإسلامي.

وبعد وفاة النبي ﷺ أصبح الإسلام موضوعًا حيًّا دائم الحضور، وانتشر المسلمون بين آسيا وإفريقيا، وكان مدار أحاديثهم وكتاباتهم الإسلام: كتابة القرآن، تفسيره، تدوين الحديث وشرحه، سيرة الرسول ﷺ، تراجم الصحابة، تاريخ الإسلام، الفقه وتقنينه… إلخ. ولأن الدعوة كانت تُقام بالقرآن، فقد استمر تلاوته وتعليمه جيلاً بعد جيل. وهكذا تحققت حماية مضاعفة: حفظ القرآن والحديث من جهة، وحفظ اللغة العربية نفسها من جهة أخرى.

واستمر هذا الحال حتى جاء القرن الثامن عشر الميلادي مع دخول المطبعة إلى العالم الإسلامي. ففي عام 1798م دخل نابليون (ت 1821م) مصر، وأدخل معه الطباعة، بينما كانت صناعة الورق قد وُجدت في سمرقند سنة 751م. وهكذا دخلت عملية حفظ القرآن وعلومه عصر الطباعة بعد مرور نحو ألف عام على وفاة النبي ﷺ، وصار المصحف المطبوع متداولًا، حتى استقر الأمر تمامًا وصار القرآن كتابًا محفوظًا نهائيًا، يستحيل تحريفه أو تغييره.

وهذا أعظم دليل على ختم النبوة؛ فببعثة النبي محمد ﷺ وُجدت أسباب استثنائية ضمنت حفظ كتاب الله إلى الأبد. والتاريخ يشهد أن هذه الخطة الإلهية وصلت إلى غايتها: صار القرآن كتابًا كاملًا محفوظًا، وحين تُحفَظ الهداية الإلهية في كتابٍ معصوم، فإن هذا الكتاب يصبح بديلاً عن وجود الأنبياء، فلا تبقى هناك حاجة إلى بعثة نبي جديد بعده.

مقاصد بعثة الرسول

وفقاً لرواية، فقد بُعث في الدنيا مئة وأربعة وعشرون ألف نبي (حلية الأولياء، ج1، ص167). وكان هدف ومقصد جميع الأنبياء واحداً فقط: أن يعرّفوا الإنسان بمخطط الله الخَلقي (Creation Plan of God) فقد بيّنوا للناس لماذا خلقهم الله، وما الهدف من حياتهم، وماذا يُطلب من الإنسان في فترة حياته قبل الموت (pre-death period)، وما الذي سيواجهه بعد الموت في الحياة الأخرى (post-death period) وهذا ما عبّر عنه القرآن بالإنذار والتبشير (الأنعام: 48). فالإنذار والتبشير هو الرسالة المشتركة لكل الأنبياء. وأما ما يظهر في حياة أي نبي من أمور أخرى، فهي جوانب إضافية (relative part) وليست هي الجوهر الحقيقي (real part).

في هذه الدنيا للإنسان حاجتان أساسيتان:

1- حاجته المادّية، وتُلبّى بواسطة العلوم الطبيعية (physical science).

2- حاجته الثانية أن تكون عنده الهداية الإلهية (divine guidance) التي إذا اتبعها نال السعادة في الآخرة. وهذه الحاجة لا تُستوفى إلا بالوحي النبوي. ولتقريب المعنى يمكن أن نسميها “العلوم الدينية” (religious science).

في العلوم الطبيعية، إن تعبير “العالِم الأخير” (The final scientist) لا معنى لها، لأن هذا الميدان في تطور مستمر، ولذلك لا يمكن أن يوجد “عالِم أخير”. بخلاف العلوم الدينية، فهي قائمة على هداية إلهية واحدة ثابتة غير متغيرة، ولذلك أصبح لا بد من وجود “النبي الأخير” (The final prophet) الذي يبلّغ للإنسان “الكلمة الأخيرة” من الله (The final word)، لكي يواصل موكب الإنسانية رحلته دون انحراف تحت هدايته.

كل نبي جاء بالهداية الإلهية الأبدية نفسها، ولكن بسبب طبيعة البشر، لم تكن تلك الهداية تبقى محفوظة بعد وفاتهم، فكانت الحاجة تتكرر إلى بعثة نبي جديد يقدّم الهداية ويعرضها على الناس من جديد. أما بعد بعثة النبي محمد ﷺ فقد حُفظت الهداية الإلهية كاملة في صورة القرآن والسنة، فلم تبق هناك حاجة إلى نبي آخر بعده.

ومجيء النبي مسألة في غاية الخطورة، إذ حين يكون نبي حيّ بين الناس لا يبقى للإنسان إلا خيار واحد: أن يقرّ به ويؤمن. أما إن لم يُقرّ، فإن معاصري النبي يواجهون الهلاك. ولهذا لم تكن مشيئة الله أن يوجد نبي حي في كل زمان، بل مشيئته أن تبقى هدايته محفوظة غير محرّفة أبداً. فإذا تم حفظ نصّ الهداية الإلهية بحيث لا يكون هناك مجال للتحريف، تصبح الحاجة إلى وجود نبي حي منتفية. وهذا ما تحقق بظهور النبي الخاتم ﷺ.

)يُتبع…(