انتقل إلى المحتوى

كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ (الحلقة الرابعة) (مقتطف من شرحه الحافل تحفة القاري بشرح صحيح البخاري)

الكاتب: الإمام المحدّث شبير أحمد أزهر الميرتهي / أخذ وتقديم: د. محمد غطريف شهباز الندوي العربية

]المختارات هو قسم مخصص لاختيارات من كتابات المؤلفين القدماء والجدد، وهدفه تقديم الفكر والنظر للماضي والحاضر أمام القراء والدار سين. ويتم فيها اقتباس مقاطع من تصانيف ممثلة لعلماء الماضي والتي تسلط الضوء على أفكارهم وأساليبهم، وكذلك تُضاف كتابات المؤلفين الجدد الفعّالة والموثوقة. وليس بالضرورة أن يتفق مدير التحرير والمؤسسة مع محتويات هذا القسم. الإدارة[

وررواه يزيد بن هارون وحفص بن غياث وليث بن سعد وعبد الله بن المبارك وسليمان بن حيان وسليم بن حيان أيضا عن يحيي بن سعيد الأنصاري به. فأما يزيد بن هارون فحديثه عند أحمد ومسلم وابن ماجة. (مسند أحمد 1 ص 42 صحيح مسلم 2 ص 140 سنن ابن ماجة ص 321 طبع الهند أبواب الزهد باب النية) وأماحفص بن غياث فحديثه عند مسلم وأما ليث فحديثه عند مسلم وابن ماجة.وأما عبد الله بن المبارك فحديثه عند النسائي في أوائل كتاب الطهارة وأما سليمان بن حيان فحديثه عند مسلم وأما سليم بن حيان فحديثه عند النسائي في كتاب الأيمان والنذور باب النية في اليمين.

النية والعزم والإرادة والقصد ألفاظ مترادفة تنبئ عن معنى واحد. ولايعمل الإنسان بقصده واختياره إلا عملاًيعلمه أويظنه نافعاً لنفسه. وإذا علمت أو ظننتَ أن ذلك العمل ينفعك مال إليه قلبك. وبمَيلان القلب وجنوحه إليه تنبعث الإرادة، فتعمل به بشرط القدرة وعدم المانع، فالنية حلقة وسطى بين العلم أوالظن وبين العمل. العلم أو الظن أصل النية وأساس لها والعمل فرعها ونتيجتها. إن النية تترتب على العلم أو الظن وتنبعث عن ميلان القلب والعمل يترتب على النية. ولا أوافق الغزالي رحمه الله في ماذكرفي كتابه إحياء العلوم أن النية أمراضطراري لااختيار فيه للعبد. الحق أنها من الأمور الاختيارية وإلالم تكن محلاً للثواب والعقاب. وقد علمنا أن الذي يطيل صلاته ويظهر الخشوع والخضوع فيها رياءً للناس فصلاته تلك وبال عليه وإن كانت في بادئ النظر عملاً صالحاً. لماذا؟ لخبث النية وفسادها. ولايؤاخذ الله عبده على أمر اضطراري، نعم يصح أن يقال في مَيلان القلب إلى خير أو شرأنه أمر اضطراري يتحقق من الأسباب المناسبة ضرورةً. إذا صحبت الصالحين وسمعت أو قرأت ما يرغِّبك في الاعمال الصالحة مال قلبك إلى الخير والتقوى، وإذا صحبت الفساق والفجار وآثرت معاشرة الأشرار على الأخيار وسمعت قصص الخنا والخلاعة والفواحش أو قرأتها جنح قلبك إل الفسق والمعصية.

ولما كان ميلان القلب أمراً اضطراريا فالله لايؤاخذ العبد به مالم يصدر عنه عمل الشركما ورد في الحديث: إن الله قد تجاوز عن أمتي ماحدثت به صدورها. ومن هنا يظهر الفرق بين الصالح والفاسق، إن الصالح يُعرض عما يميل إليه قلبه من الشر ولايطيع هوى نفسه والفاسق يتبع هواه.

فالعبد عليه أن يربي ميَلان قلبه حتى يجعله نية الخير أو الشر فلاجرم تكون نية الخير موجبة الثواب ونية الشرجالبة العذاب.

(ب) الفرق بين الفعل والعمل: إن العمل مايفعله الفاعل بالقصد والإرادة ويطلق الفعل على الصادر بالقصد وعلى الصادر بدون القصد فكل عمل فعل ولاعكس. الصلاة فعل وعمل معاً. وحركة المرتعش فعل وليست بعمل .والأعمال الصادرة عن العبد مندرجة كلها تحت ثلاثة أنواع:

المعاصي

والطاعات

والطبيعيات.

فالمعاصي لاتتغير بالنية أعني أن المعصية لاتصيرطاعة بالنية كالفحم لايزول سواده وإن غسل ألف مرة بأجود صابون والسرقة لاتجوز وإن نوى السارق أن ينفق على الفقراء والمساكين ماسرق.

وأما الطاعات والطبيعيات فالنية تغيرها وتؤثرفيها. والمراد بالطاعة ماأمربه الله سبحانه وتعالى أو رسوله، وهوالواجب أو أخبربترتب الأجر والثواب عليه وهو النفل. فالواجب وكذا النفل لايكون طاعة وعبادة وسبباً لنيل الأجر والثواب إلا إذا نوى به العبد امتثال الأمر والتقرب إلى الله، ولايتحقق عمل من أعمال العباد طاعة وعبادة بدون هذه النية وينقلب سيئة ومعصية إذا لم يقترن بها. مثلاً إذا صلى رياءً للناس أو هضماً للطعام فإنه لم يصل في الواقع ولم يأت بالمأموربه. وتنقلب صلاته تلك سيئة من السيئات.

والمراد بالطبيعيات ما لايقتضيه الشرع وجوداً ولاعدماً بل يكون من مقتضى الطبع والفطرة. فإن اقترن عمل طبيعي بالنية الحسنة صار عبادة وطاعة وإن اقترن بالنية السيئة انقلب إثماً وذنباً، وإن اقترن بالنية المباحة بقي مباحاً جائزا لاطاعة ولامعصية كالتعطر والتطيب. فإن تطيبتَ يوم الجمعة وذهبتَ إلى الجامع ونويتَ اتباع السنة، حمدتَ على تعطرك ونلتَ الأجر فانقلب المباح طاعة بالنية الحسنة.

وإن تطيبتَ ونويتَ أنك تخرج إلى النساء الأجنبيات متعطرا كي ينجذبن إليك انقلب المباح إثما ومعصيةً. وإن تطيبتَ تفريحا لقلبك فقط فهو مباح صرف. والحاصل أن للنية أثرين في الأعمال: احدهما أثر الإيجاد والإحداث والثاني أثر التغيير والقلب. فأما الأثر الأول فيتناول الأعمال كلها معاصي كانت أو طاعات أو طبيعيات. فإن عملاً منها لايتحقق ولايحدث إلا بالنية والإرادة. وأما الأثر الثاني وهو التغيير فمحله الطاعات والطبيعيات دون المعاصي. إن النية لاتؤثر في المعصية فلاتجعلها حسنة ولكنها تؤثر في الطاعات والطبيعيات فتجعل الطاعة معصية وتجعل المباحة طاعة وقد تجعله معصيةً.

والأثر الأول من مسائل الفلسفة والعلم النفسي والأثر الثاني من مسائل الشرع والدين. وإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلم لبيان أحكام الدين وإيضاح أمورالشرع، فالمراد بالأعمال في قول النبي صلى الله عليه وسلم “إنما الأعمال بالنية” الطاعات والطبيعيات دون المعاصي. ومن أجل ذلك ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إيضاحا لهذا لأصل الكلي-إنما الأعمال بالنية-عملين متشابهين: أحدهما من جنس الطاعات والثاني من جنس المباحات،فمن المعلوم أن الهجرة من الوطن إذاكان داراً للكفر لايدع الكفار المتسلطون عليه المسلمين أن يعيشوا فيه متمسكين بأعمال الإسلام، إلى دار الإسلام للتمكن من إقامة الدين والعيش تحت ظل الإسلام طاعة عظيمة موجبة الأجروالمغفرة. وخروج مسلم من وطنه إلى دارالإسلام لكسب المعاش أو التزوج أمرمباح-

فمعنى الحديث أن الأعمال كلها طاعاتها ومباحاتها منوطة ومعتبرة بنية العامل في كونها موجبة للأجرأو غيرموجبة له عند الله عزوجل ولاعبرة بأشكالها الظاهرة وهيئاتها البادية. فالعمل إذا تجرد عن النية الحسنة أي لم ينوبه العامل التقرب إلى الله وابتغاء رضوانه أو لم يرد به الامتثال لأمره لم يترتب عليه أجر وثواب، ثم قال -عليه الصلاة والسلام -وإنما لأمرئ مانوى” يعني أن كل عبد يُثمرله مزرع أعماله ثمرة حسب بذر نيته فالنية بمنزلة البذر والعمل بمثابة الشجر، ولايثمر شجر إلا وفق بذره.

ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً: رجلين خرجا من دار الكفر إلى دار الإسلام نوى أحدهما بخروجه الهجرة إلى الله ورسوله، ونوى الآخر بخروجه كسب المال أو التزوج، فعملهما وإن كان متشابها متماثلاً في الظاهر والصورة ولكن إذا حان ترتب الثمرات على الأعمال وأتى يوم الدين يوم يحصد مزارع الأعمال ظهر أن أيهما كان مهاجراً إلى الله ورسوله فينال من الإنعام والإكرام ماتقربه عينه، وأيهما كان مسافرا محضاً ليس له اليوم نصيب من الأجر والثواب على ذلك.

(ج) وثبت بما قررناه وبيناه من معنى للحديث وتاثير النية في الأعمال أن الطاعات إذا كانت فرائض وواجبات فلابد للعبد من أن ينوي في أدائها الامتثال لأمرالله تعالى، وإذا كانت نوافل ومندوبات فالينو بها التقرب إلى الله تعالى والتزلف له. لايصح ولايتحقق أمر مفروض العمل إلا بنية الامتثال له والإطاعة. ولايصح نافلة إلابنية التقرب إلى الله وبدون هذه النية يكون العمل كأن لم يكن. فالنية في الطاعات شرط لصحتها فلا وجود لها شرعاً بدونها. وأما المباحات فنية التقرب ليست بشرط لصحتها ولكنها شرط لترتب الأجر والثواب عليها. فيصح ويتحقق المباح بدون هذه النية ولايترتب عليه أجر لفوات شرطه.

ولهذا لانوافق الأوزاعي والفقهاء الحنفية في قولهم إن النية ليست بشرط لصحة الوضوء فإن ابتلت أعضاء الوضوء بدون القصد جازت الصلاة بذلك الوضوء ولكن لايثاب على ذلك الوضوء وإنما يثاب عليه إذا توضأ بالنية. وقاسوه على ستر العورة باللباس فهو من شروط صحة الصلاة فإذا لبستَ لباسك ولم تنوِبه أداء الصلاة جاز لك أن تصلي بذلك اللباس ولاتنال أجراعلى لبس اللباس ولكنك إذا لبست لأداء الصلاة نلتَ الأجر أيضا، فكذلك الوضوء إذا توضأت بالنية كان مفتاحاً للصلاة وسبباً لمزيد الثواب وإن توضأت بدون النية لم تنل أجراً به ولكنه يكون مفتاحاً للصلاة.