انتقل إلى المحتوى

لماذا أؤمن بالله تعالى؟

بقلم: علقمة صفدر العربية

في تاريخ البشرية كانت هناك عصور طويلة كان الملك أو الحاكم يفرض فيها دينه وفكره على جميع الناس، فكان الناس ملزمين باتباع ما يعتقده الحاكم، ولم يكن مسموحاً لأحد أن يختار ديناً آخر أو يعبّر عن رأي مخالف. ولهذا السبب اضطر أصحاب الكهف في زمن الملك الظالم إلى الفرار بدينهم واللجوء إلى الكهف حفاظاً على عقيدتهم وإيمانهم.

ومع مرور الزمن وتطور الحضارات اتسعت آفاق التفكير عند الناس، وانفتحت أبواب جديدة للتأمل والبحث والنظر العقلي. وعندما ظهر عصر الحرية الفكرية والاستنارة، بدأ الناس يطالبون بألا تُقبل أي فكرة أو نظرية إلا بعد فحصها بعناية والتأكد من صحتها بالعقل والتجربة. وصاروا يرون أن أي فكرة لا بد أن تقوم على أساس عقلي أو دليل واضح، وإلا فلا تستحق القبول مهما كانت شهرتها أو مكانتها.

وقد أحدث هذا التحول الفكري نهضةً كبيرةً في ميادين العلم والمعرفة، وفتح آفاقاً جديدة للتأمل والبحث والنقد. ولم يؤدِّ ذلك إلى محاربة الخرافات والأوهام فحسب، بل امتد أثره إلى بعض المعتقدات الدينية أيضاً. فظهرت اتجاهات فكرية حاولت التشكيك في وجود الله تعالى وفي الإيمان بالآخرة، وسعت إلى تصوير هذه القضايا على أنها أمور لا تستند إلى العقل. وهكذا وجد الإلحاد طريقاً إلى الانتشار بين بعض الناس.

غير أن الإلحاد ليس أمراً مستحدثاً، بل هو قديم في تاريخ الإنسان. فقد وُجد في أزمنة مختلفة، وكان لأصحابه تساؤلاتهم وشبهاتهم في كل عصر. إلا أن انتشاره في العصر الحديث ازداد بسبب ظهور بعض العلماء والمفكرين الذين تبنوا الأفكار الإلحادية أو تأثروا بها، فظن بعض الناس أن الاكتشافات العلمية الحديثة تغني عن الإيمان بالله.

وأدى ذلك إلى اعتقاد بعضهم أن الكون يسير بنفسه وفق قوانين الطبيعة، وأنه لا يحتاج إلى خالق يدبر شؤونه. ويرون أن كل ما يحدث في هذا العالم إنما يتم نتيجة لهذه القوانين الطبيعية وحدها، دون وجود خالق حكيم يدبر هذا الكون ويقوم عليه.

ولكنني أرى أن أي فكرة لا يمكن قبولها من غير دليل وبرهان، فالإنسان بطبيعته لا يؤمن بشيء إلا إذا وجد له أساساً معقولاً يطمئن إليه عقله وقلبه.

ومن أبرز الأدلة التي تجعلني أؤمن بالله شهادة النفس الإنسانية نفسها، أو ما يسمى بالحاسة الباطنية والوجدان. فالإنسان لا يقبل عادة ما يخالف فطرته السليمة، بل ينجذب بطبيعته إلى ما يوافقها. وعندما يسمع الإنسان عن الله تعالى أو يتأمل في وجوده، يجد في أعماقه ميلاً فطرياً إلى قبول هذه الحقيقة،

ولو كان هذا التصور مخالفاً للفطرة أو خالياً من أي أساس، لرفضته النفس الإنسانية وامتنعت عن قبوله، ولكن الواقع يدل على غير ذلك. بل إن الإنسان يقبل فكرة الله قبولاً فطرياً، كما يلتجئ الطفل إلى أمه ويأنس بحنانها دون أن يتعلم ذلك من أحد. وهذا يدل على أن الإيمان بالله ليس فكرة مفروضة من الخارج، بل هو جزء أصيل من الفطرة التي فطر الله الناس عليها.

ومن الأدلة التي تدفعني إلى الإيمان بالله أيضاً أن التاريخ الإنساني كله يشهد بوجود الإيمان بالخالق. فقد آمنت الأمم والشعوب عبر العصور بوجود إله لهذا الكون. وانتقل هذا الإيمان من جيل إلى جيل بصورة مستمرة ومتتابعۃ

ويخبرنا القرآن الكريم أن الله تعالى أخذ الميثاق على بني آدم فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فقالوا: ﴿بَلَى﴾. ومنذ ذلك الحين لم يخلُ زمان من الإيمان بالله، بل ظل الإيمان بالخالق حاضراً في جميع مراحل التاريخ الإنساني، وإن اختلفت تصورات الناس عنه أو تنوعت معتقداتهم.

ثم إنني عندما أتأمل نفسي وأفكر في وجودي، وأرى ما أملكه من عقل ووعي وإدراك، تبرز في ذهني أسئلة كبرى: من أنا؟ ومن أين جئت؟ وما حقيقة وجودي؟ وما الهدف من حياتي؟ وإلى أين سيكون مصيري بعد الموت؟

وعندما أنظر إلى الكون من حولي، إلى السماء والأرض، وإلى هذا النظام الدقيق والتوازن المدهش، وإلى الحياة التي تدب في المخلوقات، يسأل عقلي مرة بعد مرة بإلحاح شديد: كيف وُجد هذا الكون؟ وكيف يستمر بهذا النظام العجيب؟ وكيف تنبثق الحياة من المادة الجامدة؟ وكيف يظهر العقل والشعور في الإنسان؟

لقد بحث الإنسان طويلاً عن أجوبة لهذه الأسئلة، وأرى أنه لا يوجد تفسير أشمل ولا أقرب إلى العقل من التفسير الذي جاءت به رسالات الأنبياء عليهم السلام. بل لم يأت أحد إلى اليوم بتفسير يجيب عن هذه الأسئلة الكبرى بمثل هذا الوضوح والشمول.

لقد أخبر الأنبياء أن لهذا الكون خالقاً واحداً ورباً واحداً، خلق الإنسان وأوجد هذا العالم كله. وهو سبحانه الذي خلقني من نطفة صغيرة، ثم منحني الحياة والعقل والإدراك. وهو الذي يدبر شؤون الكون كله بعلمه وحكمته وقدرته.

وهو بديع السماوات والأرض، الذي يهب الحياة لما كان جماداً، ويمنح العقل والشعور لمخلوقاته، ويقيم هذا الكون على نظام بالغ الدقة والإحكام. وهو الذي عرّفني بحقيقة نفسي، وأخبرني عن بداية وجودي، وبيّن لي الغاية من حياتي، وأرسل الأنبياء ليخبروني بما ينتظرني بعد الموت.

وعندما تأملت هذا الجواب بصدق وإنصاف، بدأت كثير من الأسئلة التي كانت تؤرقني تجد طريقها إلى الجواب. وتلك الشبهات التي حيّرت فكري وأقلقت عقلي زمناً طويلاً أخذت تضعف شيئاً فشيئاً، وانقشعت أمامي ظلمات الحيرة والاضطراب.

وشعرت كأن مسافراً تائهاً وجد الطريق إلى وجهته، أو كأن عطشاناً عثر على عين ماء عذبة بعد طول بحث وانتظار. لقد وجدت في الإيمان بالله من السكينة والطمأنينة ما لم أجده في شيء سواه، ووجدت فيه جواباً لمعنى الحياة وغاية الوجود.

وعندما أدركت هذه الحقيقة العظيمة، أدركت أيضاً معنى قول الله تعالى:

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

فالله سبحانه هو النور الذي يهدي العقول إلى الحق، ويخرج القلوب من الحيرة إلى اليقين.

وفي تلك اللحظة اطمأن قلبي، وسكنت روحي، وانطلقت من أعماق قلبي شهادة الإيمان:

“أشهد أن لا إله إلا الله.”

  1. 1. طالب في البكالوريوس بالجامعة الإسلامية علي كره.