انتقل إلى المحتوى

مدى شرعية التأذين والإقامة في آذان المولود

بقلم: الدكتور محمد عامر القَزدر العربية

(دراسة حديثية فقهية نقدية)

(الحلقة السادسة)

يقول الباحث: لعل مراد قوله “صدوق” أنه لا يتعمد الكذب، غير أنه “منكر الحديث”؛ لإن الراوي قد يكون صدوقًا في نفسه إلا أنه شديد الغفلة، فيحدث بالمناكير.

ثم لِيُلاحَظْ أن الحكم بأن عاصمًا “صدوقٌ” تعديلٌ له، والحكم بأنه “منكر الحديث” جرحٌ فيه، فيقدَّم الجرح على التعديل-كما هو معتمد في علم الحديث-1 لاسيما إذا وافق على هذا الجرح أكثر الأئمة وكبارهم من المتقدمين.

إذن؛ فيتحقَّق من هذا البحث في عاصم بن عبيد الله العمري أنه ضعيف بلا أدنى ريب.

الحكم على السند وأقوال المحدثين والمحققين فيه

بناءً على ما نقله الباحث من أقوال أئمة الرجال والحديث آنفًا تبين أن هذا الإسناد من طريق سفيان عن عاصم ضعيفٌ عند أكثر الأئمة الكبار المتقدمين من أهل الحديث.

وهكذا حكم على هذا الإسناد بالضعف المحققون المعاصرون من أصحاب الحديث كالشيخ الألباني في عدة مؤلفاته كـ “سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة” و”ضعيف سنن أبي داود” و”ضعيف سنن الترمذي” وغيرها2، والشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيقه على “مسند أحمد”3، و”سنن أبي داود”4، وقال الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي في تحقيقه على “مسند الطيالسي”: “إسناده ضعيف؛ لضعف عاصم بن عبيد الله”5. وحكم عليه بالضعف الشيخ أبو سليمان جاسم الدوسري في “الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمّام”6، وضعفه الشيخ عبد المحسن العباد في “شرحه لسنن أبي داود”7، وكذلك حكم عليه بالضعف الدكتور محفوظ الرحمن زين الله في تحقيقه على “مسند البزار”8.

وقال الترمذي في هذا الحديث: “هذا حديث حسن صحيح”9، وقد تحقَّق فيما مضى أن قوله هذا مبنيٌّ على دليل ضعيف، وكذلك فيه مخالفة كثيرٍ من الأئمة الذين هم أقوى منه في هذا الفن وأقدم، وهم ضعفوا عاصمًا ولم يحتجوا بحديثه. ثم قد اعترف شارح سنن الترمذي المباركفوري في “تحفة الأحوذي” بضعف هذا الإسناد10. وقال الشيخ أبو إسحاق الحويني في هذا الحكم للترمذي: “كذا قال -الترمذي-،وهو عجيب من مثله، فإن عاصم بن عبيد الله ضعفه مشهورٌ. تناوله مالك شديدًا”11.

وقال الحاكم بعد رواية هذا الحديث: “هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه”12، فتعقبه الذهبي، وقال: “عاصم بن عبيد الله ضعِّف”13.

وسكت البيهقي عن عاصم بعد رواية هذا الحديث في “السنن الكبرى”14 و”شعب الإيمان”15، فتعقبه ابن التركماني في “الجوهر النقي” فقال: “في سنده عاصم بن عبيد الله، سكت عنه البيهقي هنا، وهو ضعيف عندهم، وقد ضعفه البيهقي أيضًا في استبانة الخطأ”16.

يقول الباحث: إسناده ضعيف؛ لضعف عاصم بن عبيد الله القرشي العمري عند الأئمة والمحدثين، والإمام البيهقي قد اعترف نفسه بضعف عاصم في “سننه الكبرى” فقال: “عاصم بن عبيد الله بن عمر العمري، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، ومحمد بن سالم الكوفي، كلهم ضعفاء”17.

فثبت من تخريج حديث أبي رافع عن طريق سفيان الثوري أنه ضعيف على القول المحكم عند كبار الأئمة والمحدثين قديمًا، وعند كثير من المحققين حديثًا بسبب وجود عاصم بن عبيد الله العمري في إسناده، إلا ما قال فيه الترمذي والحاكم بالتصحيح أو التحسين، وهو قول ضعيفٌ لا يؤخذ نظرًا لما نقل الباحث أقوال المحدثين وأئمة الرجال والمحققين في ضعف عاصم بن عبيد الله؛ فلا يجوز الاحتجاج به في تشريع الأذان في أذن الصبي المولود.

(يُتبع…)

  1. 1. انظر: محمود بن أحمد طحان، تيسير مصطلح الحديث، ص184.
  2. 2. انظر: الألباني، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ج1، ص493، رقم321، ج13 ص271-272، رقم6121؛ وضعيف سنن أبي داود، ص418، رقم5105؛ ضعيف سنن الترمذي، ص148، رقم1514؛ والكلم الطيب لابن تيمية، ص161، رقم211. يقول الباحث: إن الشيخ الألباني قال في أوّل بحثه عند حكمه على حديث أبي رافع في “الإرواء”، ج4، ص400-402، رقم1173، 1174: “حسن إن شاء الله”، يعني إنه محتمل التحسين؛ ورآه الشيخ الألباني هناك اعتمادًا على بعض الشواهد في الباب، ثم تبين له أن تلك الشواهد موضوعة لا تثبت، فتراجع عن هذا التحسين وحكم عليه بالضعف في “السلسلة الضعيفة”.
  3. 3. انظر: أحمد بن حنبل، المسند، ج6، ص391، رقم27230.
  4. 4. انظر: أبو داود السِّجِستاني، السنن، ج7، ص431، رقم5105.
  5. 5. الطيالسي، المسند، ج2، ص273، رقم1013.
  6. 6. انظر: جاسم بن سليمان الدوسري، الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمّام، ج3، ص447-448، رقم1219.
  7. 7. انظر: عبد المحسن العباد البدر، شرح سنن أبي داود، رقم580.
  8. 8. انظر: البزار، المسند، ج9، ص325، رقم3879.
  9. 9. الترمذي، السنن، ج3، ص149، رقم1514.
  10. 10. انظر: المباركفورى، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ج5، ص90، رقم1514.
  11. 11. الحويني، الانشراح في آداب النكاح، بهامش ص95.
  12. 12. الحاكم، المستدرك على الصحيحين مع تعليقات الذهبي في التلخيص، ج3، ص197، رقم4827.
  13. 13. المرجع نفسه.
  14. 14. انظر: البيهقي، السنن الكبرى، ج9، ص305، رقم19086.
  15. 15. انظر: البيهقي، شعب الإيمان، ج6، ص389، رقم8617، 8618.
  16. 16. ابن التركماني، الجوهر النقي على سنن البيهقي، ج9، ص305.
  17. 17. البيهقي، السنن الكبرى، كتاب الصلاة، باب استبانة الخطأ بعد الاجتهاد، ج2، ص11، رقم2076.