انتقل إلى المحتوى

مقدمة لقراءة فكر علي عزت بيجوفيتش

د. عبد الوهاب المسيري عرض وتقديم: إدارة التحرير العربية

(الحلقة السادسة والأخيرة)

الثنائية ومفهوم التقدم

انطلاقا من إدراكه لثنائية الإنسان )المادة والروح( يقدم علي عزت بيجوفيتش الرؤية الإسلامية للتاريخ. فيبدأ بنقد مفهوم التقدم المادي الذي يهيمن على الحضارة العلمانية الحديثة، فهذا التقدم لا يؤدي إلى سمو الإنسان، إذ هو منفصل تماما عن القيمة. إن كل تقدم بيولوجي أو تقني في الإطار المادي الدارويني المنفصل عن القيمة يؤدي إلى أن الأقوى يقهر الأضعف، بل ويحطمه.

في مقابل ذلك يطرح علي عزت بيجوفيتش رؤية مختلفة. فالحياة ـ في تصوّره ـ نتيجة التفاعل المتبادل بين عاملين مستقلين هما: الأساس المادي والتأثير الخلاق لعامل الوعي الإنساني، متمثلا في الشخصيات القوية والأفكار الكبرى والمُثل العليا. فالوضع التاريخي في أي لحظة من الزمن هو نتيجة التفاعل بين هذين العاملين المستقلين بصفة أساسية،

ولذا فالتأثير الإنساني على مجرى التاريخ يتوقف على قوة الإرادة والوعي. وكلما عظمت القوة الروحية للمشارك في الأحداث التاريخية عظم استقلاله عن القوانين الخارجية، والعكس صحيح. والتاريخ قصة متصلة من مجموعات صغيرة من أناس تميزوا بالحسم والشجاعة والذكاء، تركوا طابعا لا يمحى في مجرى أحداث التاريخ وتمكنوا من تغيير مساره. “إن قوة الظروف الموضوعية تتزايد بالنسبة ذاتها التي يتناقص فيها العامل الفردي. فكلما أصبح هذا )العامل الفردي( خاملا غير فعال، نقص قدره من الإنسانية وزاد نصيبه من الشيئية. إننا نملك القوة على الطبيعة وعلى التاريخ إذا كانت لدينا القوة على أنفسنا. هذا هو موقف الإسلام من التاريخ.”

ولذا فهدف التاريخ ليس هو التقدم المادي وإنما أمر مختلف تماما. فالهدف هو خلق إنسا نمتسقة روحه وبدنه، في مجتمع تحافظ قوانينه ومؤسساته الاجتماعية والاقتصادية على هذا الاتساق ولا تنتهكه )ومن ثم؛ فهذا هو أيضا المفهوم الإسلامي للتقدم.(

إن الإسلام بهذا المعنى هو البحث الدائم عبر التاريخ عن حالة التوازن الجواني والبراني. هذا هو هدف الإسلام اليوم، وهو واجبه التاريخي المقدّر له في المستقبل. ولذا فعلي عزت بيجوفيتش يرى أن وحدة الإسلام قد انشطرت على يد أناس قصروا الإسلام على جانبه الديني المجرد، فأهدروا وحدته، وهي خاصيته التي يتفرّد بها عن سائر الأديان. لقد اختزلوا الإسلام إلى دين مجرد أو إلى صوفية، )فتدهورت أحوال المسلمين.( ذلك لأن المسلمين عندما يضعف نشاطهم وعندما يهملون “دورهم في هذا العالم” يتوقفون عن التفاعل معه، وتصبح الدولة الإسلامية كأي دولة أخرى، ويصبح تأثير الجانب الديني في الإسلام كتأثير أي دين آخر، وتصبح الدولة قوة لا تخدم إلا نفسها. في حين يبدأ الدين )الخامل( يجر المجتمع نحو السلبية والتخلف، ويشكّل الملوك والأمراء والعلماء الملحدون، ورجال الكهنوت وفرق الدراويش والصوفية، والشعراء السكارى. يشكلون جميعا الوجه الخارجي للانشطار الداخلي )الذي أصاب الإسلام.( وهنا نعود إلى المعادلة المسيحية. “أعط ما لقيصر لقيصر، وما لله لله.” إن الفلسفة الصوفية )المنكفئة على الأمور الروحية البحتة( والمذاهب الباطنية تمثل. على وجه اليقين ـ نمطًا من أكثر الأنماط انحرافا.

وتتبدى الثنائية في بنية القرآن نفسه، الذي يرى البعض أنه “من الناحية الموضوعية لا يتبع نظاما محددًا، ويبدو وكأنه مركب من عناصر متناثرة. ولكن، لا بد أن يكون مفهوما بادئ ذي بدء، أن القرآن ليس كتابا أدبيا، وإنما هو منهج حياة. والإسلام نفسه طريقـة حياة أكثر من كونه طريقة في التفكير. إن التعليق الوحيد الأصيل على القرآن هو القول بأنه “حياة”، وكما نعلم كانت هذه الحياة في نموذجها المجسد هي حياة النبي محمد ﷺ. إن الإسلام في صيغته المكتوبة (أعني القرآن( قد يبدو بغير نظام في ظاهره، ولكنه في حياة محمد ﷺ قد برهن على أن وحدة طبيعية: من الحب والقوة، المتسامي والواقعي، الروحي والبشري. هذا المركب المتفجر

حيوية من الدين والسياسة يبث قوة هائلة في حياة الشعوب التي احتضنت الإسلام. إن الإسلام

يتطابق في لحظة واحدة مع جوهر الحياة.”

الثنائية وأركان الإسلام الخمسة

يرى علي عزت بيجوفيتش أن من المستحيل تطبيق الإسلام انطلاقا من مستوى واحدي، فثنائية المادي والروحي تقع في صميمه. فالصلاة ـ وهي نشاط روحي. لا يمكن أداؤها أداءًصحيحًا إلا من خلال إجراءات علمية “بضبط الوقت والاتجاه في المكان، فالمسلمون معانتشارهم على سطح الكرة الأرضية عليهم أن يتوجهوا جميعا في الصلاة نحو الكعبة مكيفين أوضاعهم في المكان )على اختلاف مواقعهم.( وتحديد مواقيت الصلاة تحكمه حقائق علم الفلك. ولا بد من تحديد هذه المواقيت )للصلوات الخمس( تحديدًا دقيقًا خلال أيام السنة كلها، ويقتضي هذا تحديد موقع الأرض في مدارها الفلكي حول الشمس.” ولا يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة للزكاة التي تحتاج إلى إحصاء ودليل وحساب، والحج الذي يتطلب الإلمام بكثير من الحقائق التي يتطلبها المسافر إلى مسافات بعيدة. ولعله بسبب هذه الثنائية تطورت جميع الميادين العلمية في القرن الأول الإسلامي إذ إنها بدأت بمحاولات إقامة الفرائض الإسلامية.

وتتبدى الثنائية في أهم فعل إسلامي وهو عملية النطق بالشهادتين الذي يعلن به الشخص اعتناقه للإسلام. فالنطق لا بد أن يؤدى أمام الشهود؛ لأن الشخص الذي يعتنق الإسلام ـ رجلا كان أو امرأة ـ ينضم إلى جماعة لها جوانبها الاجتماعية والاقتصادية، وهو الأمر الذي تترتب عليه التزامات قانونية، وليس فقط التزامات أخلاقية. فالإنسان الذي يلحق بدين روحي مجرد لا يستلزم وجود شهود ولا يتطلب الإعلان حيث إن هذه علاقة بين الإنسان وربه. فمجرد عقد النية أو اتخاذ قرار باطني كاف تماما بهذا الخصوص. ولكن الإسلام ليس دينًا مجردًا، ولذا يصبح الشهود ويصبح الإعلان أمرًا لازما.

والصلاة هي الأخرى تبدٍّ للثنائية الإسلامية. فالصلاة تؤكد الجانب الروحي، هذا حقيقي.

ولكن الصلاة في الإسلام، تشمل أيضا العناصر المادية )الطبيعية.( ومن هذه الناحية تنتمي الصلاة إلى عالمنا الذي يحدده الزمان والمكان. هذا الجانب من الصلاة )سمِّه إن شئت الجانب الدنيوي، أو العلمي، أو الطبيعي( يزكي بقوة صفة أخرى، هي الصفة الاجتماعية. فالصلاة ليست مجرد اجتماع الناس لأداء الصلاة في جماعة، ولكنها أيضا مناسبة لتنمية العلاقات الشخصية المباشرة، وبهذا الاعتبار، تكون الصلاة ضد الفردية والسلبية والانعزال. فإذا كانت الحياة تفرق الناس، فإن المسجد يجمعهم ويربط بينهم.

ثم ينتقل علي عزت بيجوفيتش إلى الزكاة ليكتشف النمط نفسه، فيشير إلى أن الزكاة في المرحلة المكية كانت تمنح للفقراء على سبيل التطوع )صدقات.( ولكن عندما تأسس مجتمع المدينةـ وهي اللحظة التاريخية التي تحولت فيها الجماعة الروحية إلى “دولة” ـ بدأ محمدﷺ يطرح الزكاة باعتبارها التزاما قانونيا )فريضة شرعية(، أي ضريبة يدفعها الأغنياء للفقراء وهي، على حد علمنا، أول ضريبة من نوعها في التاريخ.

كأن الإسلام قد أنشأ الزكاة عندما أضاف عنصر الإلزام القانوني إلى المؤسسة المسيحية للصدقة. واستخدام علي عزت بيجوبيتش النموذج المركب يمكنه من ربط الصلاة بالزكاة، حيث يشير إلى أن المنطق الذي “حول الصلاة التأملية المجردة إلى صلاة “إسلامية”، هو نفسه الذي جعل من الصدقة التطوعية زكاة واجبة، والنتيجة النهائية أنه حول الدين الروحي المجرد إلى إسلام”، أي إلى دين ودنيا.

ولكن هل الزكاة مجرد ضريبة برانية لمساعدة الفقراء مثل الضرائب التي تفرضها الدولة العلمانية الحديثة؟ يجيب علي عزت بيجوڤيتش عن هذا السؤال بالنفي، فالزكاة تحوي العنصرين: البراني والجواني، المادي والروحي. “فالفقر ليس قضية اجتماعية بحتة. فسببه ليس في العوز فقط، وإنما أيضا في الشر الذي تنطوي عليه النفوس البشرية. فالحرمان هو الجانب الخارجي للفقر، أما جانبه الباطني فهو الإثم )أو الجشع(، وإلا فكيف نفسر وجود الفقر في المجتمعات الثرية.”

ولذا.. “لا يُعالج الفقر بنقل ملكية بعض السلع، وإنما أيضا من خلال التضامن الشخصي، والقصد، والشعور الودّي. فلا شيء يمكن إنجازه على الوجه الصحيح بمجرد تغيير ملكية سلع العالم طالما بقيت في النفوس الكراهية والاستغلال والاستعباد. وهذا هو السبب في إخفاق الثورات الدينية المسيحية، والثورات الاشتراكية جميعا.” لأن نصيب كل حل اجتماعي لميتضمن حلا إنسانيا كان هو الإخفاق في تحقيق أحلامه في العدالة والحرية.

ثم يشير علي عزت بيجوڤيتش إلى ظاهرة فريدة في العالم الإسلامي، وهي ظاهرة الأوقاف، التي يصفها بأنها ثورة هادئة حدثت نتيجة لإصرار التعاليم الإسلامية على العطاء.. فلا تكاد توجد دولة إسلامية واحدة ليست فيها ممتلكات كبيرة مخصصة للأوقاف وخدمة الخير العام. ولم يُذكر الوقف في القرآن، ولكنه لم يظهر في المجتمعات الإسلامية بمحض الصدفة، إنما كان ظهوره نتيجة لسيادة روح التضامن، ولتأثير وظيفة الزكاة التعليمي في المجتمعات المسلمة.

سنجد الثنائية نفسها في الصوم.. “فقد اعتبر المسلمون الصوم خلال شهر رمضان مظهرًا لروح الجماعة. ولذلك فإنهم حساسون لأي انتهاك علني لهذا الواجب. فالصيام ليس مجرد مسألة إيمان.. ليس مجرد مسألة شخصية تخص الفرد وحده، وإنما هو التزام اجتماعي. هذا التفسير للصيام كشعيرة دينية غير مفهوم عند الأديان الأخرى. إن الصيام الإسلامي وحدة تجمع بين التنسك والسعادة، بل والمتعة كذلك في حالات معينة.. إنه أكثر الوسائل التعليمية طبيعية وقوة. فالصوم يُمارس في قصور الملوك وفي أكواخ الفلاحين على السواء.. في بيت الفيلسوف وفي بيت العامل.”

ثم يأتي علي عزت بيجوڤيتش للركن الخامس من أركان الإسلام وهو الحج )إلى بيت اللهالحرام بمكة المكرمة(، حيث يذهب إلى أنه لا يمكن فهمه إلا في إطار نموذج مركب، فهو شعيرة دينية وتجربة روحية،

ولكنه أيضا تجمّع سياسي، ومعرض تجاري، ومؤتمر عام للأمة.

ويجب التنبيه على أن هذه الثنائية ليست ازدواجية.. “فالإسلام ليس وسطا حسابيا بسيطا، ولا قاسما مشتركا بين تعاليم هاتين العقيدتين. فالصلاة والزكاة والوضوء كينونات لا تقبل التجزئة، لأنها تعبير عن شعور فطري بسيط، إنها يقين مُعبّر عنه بكلمة واحدة وبصورة واحدة فقط، ولكنها مع ذلك تظل ـ منطقيًا ـ تمثل دلالة ازدواجية. والتماثل هنا مع الإنسان واضح، فالإنسان هو مقياسها ومفسرها.”

الخاتمــة:

يرى علي عزت بيجوفيتش أن هناك ظروفًا أساسية في حياة الإنسان يطلق عليها “الأوضاع الحدية” (وهي الأوضاع التي يوجد فيها الإنسان اضطرارًا.) من المؤكد أن واجب الإنسان هو أن يبذل جهده لتحسين كل شيء في هذا العالم بما في مقدوره. ومع ذلك، فسيظل هناك أطفال يموتون بطريقة مأساوية حتى في أكثر المجتمعات كمالا. والإنسان على أحسن الفروض قد يستطيع أن يقلل من كم المعاناة في هذا العالم، ومع ذلك سيبقى الظلم والألم مستمرين. العالم ليس يوتوبيا تكنولوجية، يمكن فهم كل شيء فيها، والتحكم في كل المخلوقات التي تسير فيها، إذ سيظل هناك المجهول وغير المتوقع.. سيظل هناك الخير والشر.

ماذا يفعـل الإنسـان في مواجهـة ذلك؟ هنــاك إجابتان مختلفتان عـن السـؤال نفسـه، الأولى هي التمـرد والتحـريف والانحراف والعـدمية. ولكن هناك أيضا التسليم لله، والاعتراف بالقدر، أي الاعتراف بالحياة على ما هي عليه، وقرار واع بالتحمل والصمود والتجمّل بالصبر. والتسليم لله هو ضوء يانع يخترق التشاؤم ويتجاوزه.. إنه قوة جديدة، وطمأنينة جديدة. الشعور بالأمن لا يمكن تعويضه بأي شيء آخر. ولا يعني التسليم لله السلبية في موقف الإنسان، كما يظن كثير من الناس خاطئين. إن طاعة الله تستبعد خضوع البشر للبشر. إنها صلة جديدة بين الإنسان وبين الله، ومن ثم بين الإنسان وأخيه الإنسان.

ويخلص علي عزت بيجوفيتش من كل هذا إلى “أن الإسلام لم يأخذ اسمه من قوانينه ولانظامه ولا محرماته، ولا من جهود النفس والبدن التي يطالب الإنسان بها.. وإنما من شيء يشمل هذا كله ويسمو عليه: من لحظة فارقة تنقدح فيها شرارة وعي باطني.. من قوة النفس في مواجهة محن الزمان.. من التهيؤ لاحتمال كل ما يأتي به الوجود من أحداث.. من حقيقة التسليم لله. إنه استسلام لله.. والاسم: إسلام.”

والله أعلم