انتقل إلى المحتوى

ميزان

جاويد أحمد غامدي ترجمة من الأردية: د. محمد غطريف شهباز الندوي العربية

(18)

وظاهر أن هذا استنباط غير المحسوس من المحسوس. فإذا درس الإنسان الكون الممتد في ما حوله بإعمال صلاحيته هذه، فمطالعته تلك أيضًا تشهد لهذه الحقيقة المكنونة في باطنه. فيرى أن كل شيء لهذه الدنيا هو إظهار بارع ومؤشر عظيم على الخلق المبدع، وفي كل شيء له آية، ومعنوية عميقة، واهتمام كبير، وحكمة بالغة، ومنفعة كبيرة، ونظم عجيب، وترتيب تام، ورياضة لا نظير لها. لا توجيه لكل ذلك إلا أن هناك خالقًا كبيرًا وذاك الخالق ليس طاقة أصم وأبكم بل إنه ذهن كبير لا نهاية له ولا حد. فإن الطاقة إذ لم تصدر ولم تنفجر إلا من ذات عليم وحكيم وجب أن تكون جبرا ًمحضاً. إلا أن الحقيقة أنه ليس كذلك بل هناك توافق حكيم وانسجام عظيم في الخلق والإبداع، تحصل منه فوائد عجيبة كبيرة وتحدث تغيرات محيرة. لا تحصل من طاقة أبكم وأصم. فالحقيقة التي لا تجحد أن لا يطمئن العقل البشري إلا بالإيمان بها. ولذا قال إن الإيمان بالله هو نور السماوات والأرض. ويكون من ذلك الصدر البشري مطلعًا للأنوار. وإن لم يكن هذا فيسظلم العالم وتسوَّد الدنيا. فقال:

اَللّٰہُ نُوْرُ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ، مَثَلُ نُوْرِہٖ کَمِشْکٰوۃٍ فِیْها مِصْبَاحٌ، اَلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة، اَلزُّجَاجَة کَاَنّها کَوْکَبٌ دُرِّي یُّوْقَدُ مِنْ شَجَرَۃٍ مُّبٰرَکَۃٍ زَیْتُوْنَة، لَّا شَرْقِیَّة وَّلَا غَرْبِیَّة، یَّکَادُ زَیْتُها یُضِیئٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْه نَارٌ، نُوْرٌ عَلٰی نُوْرٍ، یَہْدِي اللّٰہُ لِنُوْرِہٖ مَنْ یَّشَآءُ، وَیَضْرِبُ اللّٰہُ الْاَمْثَالَ لِلنَّاسِ، وَاللّٰہُ بِکُلِّ شَیْءٍ عَلِیْمٌ. (النور: ۳۵)

وهذه الشواهد وإن كانت كافيةً ولكن الله تعالى لم يكتف بها بل قام باهتمام مزيد عليها كي يتم الحجة، فقد بدأ بخلق البشرية بإيجاد وتكوين إنسان، سمع كلامه ورأى ملائكته وشهد الحقيقةَ الكبرى مباشرةً وارتحل من الدنيا شاهداً عليها. حتى ينتقل علمه هذا إلى أجياله القادمة جيلاً يعد جيل يتوارثه ذريته، ولا يكون التصور الإلهي تصوراً غريباً أجنبياً لأي عهد، لأي منطقة أرضية ولأي إقليم، لأي قرية ولأي صلب ولأي جيل أبدًا. وأفاد القرآن أن بعض المخلوقات الأرضية المتفوقة عليه قد أُمرت بعد ولادة آدم وحواء أن تسجد لهما.

وكان الهدف من ذلك إخبارهم بأن النجاح الحقيقي ليس في التولد من النور أو النار، بل هو في طاعة الله سبحانه والتسليم له. وقد ذكر القرآن أن تلك المخلوقات كلها قد سجدت لآدم انقيادًا لأمره تعالى ولكن إبليس أبى واستكبر وجحد من السجود. ثم قيل لآدم وحواء أن اسكنا في جنة جهزت لهم فيها كافة التسهيلات والضروريات، إلا أن شجرة منعت لهما، وكانت شجرة التناسل، تمرتها وسيلة للبقاء في هذه الحياة الدنيا. فقد حرمها الله عليهما مع الانتباه أن إبليس هو عدو لهما مبين وأنه سوف يحاول لإغوائكما وتحريضكما على المعصية والعدوان. فكان كذلك، وجاءهما إبليس في لباس ناصح شفيق وقال لهما إن الحياة الخالدة والمُلك الأبد كامن في هذه الشجرة التي محرمة عليهما. ومن جراء هذا الترغيب والتحريص فإنهما قد رغبا إلى الإذعان له، وأكلا تلك الشجرة مغلوبين بالهيجان الشديد الذي يطرأ على الإنسان طمعاً في تلك الشجرة. فوضح من ذلك أن الامتحان الأكبر والابتلاء الأشد الذي يواجهه الإنسان في حياته، يتأتى من طريق الأنانية والجبلة الجنسية. ولذا أمرهما الله أن أخرجا من هذه الجنة واهبطا إلى الأرض. فندم آدم وحواء على ذلك وتوجها إلى الله سبحانه ووفق لهما التوبة وألقى إليهما كلمات مناسبة للتوبة وتاب الله عليهما. وقال تعالى:

وَاِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِکَة: اسْجُدُوْا لِاٰدَمَ فَسَجَدُوْٓا اِلآّ اِبْلِیْسَ، اَبٰی وَاسْتَکْبَرَ وَکَانَ مِنَ الْکٰفِرِیْنَ. وَقُلْنَا: یٰٓاٰدَمُ اسْکُنْ اَنْتَ وَزَوْجُکَ الْجَنَّة وَکُلاَ مِنْها رَغَدًا حَیْثُ شِئۡتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هٰذِہِ الشَّجَرَۃَ فَتَکُوْنَا مِنَ الْظّٰلِمِیْنَ. فَاَزَلَّهُمَا الشَّیْطٰنُ عَنْہَا فَاَخْرَجَهمَا مِمَّا کَانَا فِیْه، وَقُلْنَا: اهبِطُوْا، بَعْضُکُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، وَلَکُمْ فِي الْاَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَّمَتَاعٌ اِلٰی حِیْنٍ، فَتَلَقّٰٓى اٰدَمُ مِنْ رَّبِّه کَلِمٰتٍ فَتَابَ عَلَیْه، اِنَّه هوَ التَّوَّابُ الرَّحِیْمُ.(البقرة: 34۔37)

ثم لم يكتف بذلك بل كان هناك اهتمام إلى برهة طويلة أن بني آدم إذا شاؤوا معرفة قبول إيمانهم وعملهم أو عدم قبولهما علموا ذلك، كأنه كان إيصال الحقيقة إلى درجة التجربة والمشاهدة لكل شخص في ذلك الزمان، كي يشتمل هو أيضًا في شهود الأبوين. وتكون صورته أن الناس قربوا قربانًا في حضرة الله تعالى، ونزلت نار من السماء وتأكل القربان إعلاماً لقبول ذلك كما تذكر الآية رقم 183 من سورة آل عمران، وكان قتل ابن آدم هابيل كنتيجة لواقع من هذا النوع. فذكرت الأناجيل أن هابيل كان راعيًا للغنم وقابيل كان فلاحًا. فذات يوم جاء قابيل بثمرة من حقله كقربان عند الله، وجاء هابيل بقربان مشتمل على الخروف المولود الأول وبعض من شحمه، فتقبل القربان من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فغضب عليه غضبًا شديدًا فقتله. وجاء ذلك في القرآن كما يلي:

وَاتْلُ عَلَیْهِمْ نَبَاَ ابْنَیْ اٰدَمَ بِالْحَقِّ اِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ اَحَدِهمَا وَلَمْ یُتَقَبَّلْ مِنَ الْاٰخَرِ. قَالَ: لَاَقْتُلَنَّكَ، قَالَ: اِنَّمَا یَتَقَبَّلُ اللّٰہُ مِنَ الْمُتَّقِیْنَ، لَئِنْ بَسَطْتَّ اِلَیَّ یَدَكَ لِتَقْتُلَنِي، مَآ اَنَا بِبَاسِطٍ یَّدِي اِلَیْكَ لِاَقْتُلَكَ، اِنِّيٓ اَخَافُ اللّٰہَ رَبَّ الْعٰلَمِیْنَ. اِنِّيٓ اُرِیْدُ اَنْ تَبُوْٓاَ بِاِثْمِي وَاِثْمِكَ فَتَکُوْنَ مِنْ اَصْحٰبِ النَّارِ وَذٰلِكَ جَزٰٓؤُا الظّٰلِمِیْنَ، فَطَوَّعَتْ لَه نَفْسُه قَتْلَ اَخِیْه فَقَتَلَه فَاَصْبَحَ مِنَ الْخٰسِرِیْنَ. (المائدة۵: ۲۷۔۳۰).

(يُتبع …)