ثامناً- آداب الطعام والشراب
إن هدف الدين الإسلامي هو تطهير النفس البشرية تطهيراً داخلياً يشمل الأفكار والمشاعر والعواطف، وتطهيراً خارجياً يتصل بالجسد ومتطلبّاته من طعام وشراب. والإنسان في هذه المسألة يحتكم إلى فطرته التي تُرشده تلقائياً إلى الطعام النظيف المستساغ من جهة، وعدم استساغة تناول لحوم السّباع والنمور والفيَلة والنسور والغربان والصقور والأفاعي والعقارب، ولحم البشر، من جهة أخرى. وقد اعتاد الإنسان أن يستخدم الحمير والبغال والأحصنة كوسائط نقل، وتوطّنت نفسه على الإحساس بالشفقة نحوها، فلم تنازعه إلى ذبحها وأكلها. ويعي أيضاً قذارة براز الحيوانات ونجاسة بولها، وأرشده عقله أيضاً إلى قذارة المسكرات.
وهكذا فقد ركنت الشريعة الإسلامية إلى الفطرة البشرية كمنطلق طبيعي لهداية الإنسان، إذ تقود الفطرة الإنسانية صاحبها إلى تبنّي الصواب في معظم الأحيان، لكنّها قد تخون نفسها وتنحرف وتميل إلى ما ينافي جوهرها أحياناً. ولذلك تدخلت الشريعة هنا، ووضعت إرشاداتٍ وتعليمات سنّت أحكاماً تساعد الإنسان على تلافي أخطائه وغفلته. وقد يطرح المرء على نفسه الأسئلة التالية: لماذا حُرِّم لحم الخنزير وهو حيوان ذو أربعة أرجل، وينتمي إلى الجنس نفسه الذي تنتمي إليه الأغنام والأبقار التي أحلّ الله ذبحها وأكلها؟ ولماذا حُرّم أيضاً أكل لحم الحيوان الذي لم يسِل دمه عند ذبحه؟ وهل دم الحيوان نجسٌ كبوله وبرازه؟ وهل تُؤكل الحيوانات التي ذُبحت بغير ذكر اسم الله؟
ولمّا كان الإنسان غير قادر على الإجابة عن تلك الأسئلة إجابةً حاسمة، أتت الشريعة التي أوحى الله بها إلى أنبيائه لتقدم الإجابات الشافية على تلك الأسئلة المحيِّرة. وهكذا عرف الإنسان أنّ لحم الخنزير والدم والميتة، وما يُذبَح بذكر غير اسم الله، تعتبر نجسة وغير نظيفة، ويُحرَّم على الناس أكلها.
ونقدّم فيما يلي الأوجه المتعدّدة لهذا الحكم كما ورد في القرآن:
- يُحرَّم أكل لحم الحيوان الذي مات موتاً طبيعياً، ولحم الحيوان الذي مات في حادث مفاجئ، ولحم الحيوان الذي اصطاد حيواناً آخر إلّا إذا ظلّ حيّاً ثم ذُبِح وسُمِّي عليه.
- إذا مزّق حيوان مدرَّب على الصيد الفريسة وماتت قبل ذبحها بالطريقة الشرعية أمكن تناول لحمها، لأنّ التمزيق يكافئ التزكية بشرط أن يحافِظ الحيوان الصيّاد على الفريسة لسيّده ولا يأكل منها.
- يُحرَّم ما يُذبَح أمام الأضرحة والنّصب والأصنام، ويُحرَّم ما ذُبح دون ذكر اسم الله عليه، أو إذا ذُكِر بطريقة غير صحيحة، ويُحرَّم أيضاً الحيوان المذبوح باسم الله إذاكان مَن ذبحه ملحداً أو مشركاً.
- وقد يُحلَّل كلُّ ما سبق عند الاضطرار وفق القاعدة الشرعية التي تؤكد أنّ الضرورات تبيح المحظورات شرط ألا يتجاوز التحليل الاستثنائي حدَّ إشباع الحاجات الأساسية.